أعمال الليبي أبوالقاسم المشاي هندسة داخلية في الوصف البصري

تجربة تشكيلية وفكرية تمزج بين الفن والعلم.
الأربعاء 2026/04/08
هكذا يصور انطباعه عن الحياة

يقدّم الفنان والكاتب الليبي أبوالقاسم المشاي تجربة فنية فريدة تمزج بين العلم والفن، حيث تتحول دراسته لهندسة ميكانيكا الموائع إلى مصدر لإلهام تشكيل اللوحات والنصوص. أعماله تحتفي بالطبيعة وعناصرها مستلهمة من رحلاته الجغرافية والثقافية، لتجسّد حركة المشاعر البشرية كما تتحرك السوائل والهواء.

يدخلنا الفنان والكاتب الليبي أبوالقاسم المشاي في فضاءٍ تشكيليٍ مغاير، حيث تلتقي “هندسة الموائع” بشاعرية الوصف البصري. هو ليس مجرد رسامٍ للمناظر، بل هو مهندس مشاعر بامتياز، يعيد صياغة العالم من حولنا عبر نصوصٍ ولوحات تحتفي بالضوء، والريح، وخيوط المطر، مقدمًا تجربة إبداعية تتنفس بالصدق وتنبض بالحياة.

أبوالقاسم المشاي؛ كاتب وفنان تشكيلي متخصص في هندسة ميكانيكا الموائع، صدرت له سبعة كتب في العلوم والأدب، منها: “حافة الخطاب: انهيار الهامش” (2016)، و”السلطة واللغة” (2008)، و”خيوط المطر” (2025)، بالإضافة إلى كتاب تحت الإعداد بعنوان “حافة المستقبل”، والعديد من الدراسات في مجالات الفن والعلوم. شارك المشاي في معارض جماعية وأقام معارض فردية متميزة، منها: “حافة اللون” (طرابلس 2008)، و”طريق الربيع” بدار الفنون (طرابلس 2025)، وقد اقتنيت أعماله داخل ليبيا وخارجها.

◄ فنان لا يخفي افتتانه بالانطباعيين ويحاول أن يرسم ملامح مناطق وإن كانت انعكاسا صغيرا للانطباعية المتوسطية
◄ فنان لا يخفي افتتانه بالانطباعيين ويحاول أن يرسم ملامح مناطق وإن كانت انعكاسا صغيرا للانطباعية المتوسطية

تُعرف “ديناميكا الموائع” بأنها فرع من فروع الهندسة يركز على دراسة سلوك السوائل والغازات أثناء حركتها، وتُستخدم مبادئها لفهم وحل المشكلات الهندسية المعقدة، كطيران الطائرات وإدارة أنظمة الطاقة. وهي ميكانيكا تعنى بحفظ الكتلة والزخم، إلا أن أبوالقاسم المشاي كان يعمل على الجانب الآخر من هذه المعادلة، وتحديداً داخل “النفس البشرية”، حيث يسعى لضبط تدفق المشاعر أثناء ترحاله من الوطن إلى أرجاء متعددة في هذا العالم، مبلوراً إياها في حالات متنوعة عبر نصوصه التشكيلية.

منحه هذا الاطلاع الواسع على فنون وعلوم “الآخر”، عبر الحضارات المتباينة التي مر بها، شغفا بدراسة “الأنثروبولوجيا” في حاضرها وماضيها، لم يكن هدفه دراسة الآخر فحسب، بل اكتشاف “الذات” عبر مرايا الآخرين. تأثر بأسماء مثل: بول سينياك، كلود مونيه، رينوار، وسيزان، وصولاً إلى الفرنسي بيير بونارد في مفهوم “الرسم بالتذكر”.

يعد الأداء المعاصر من السمات المميزة لأعمال المشاي، حيث أدخل تقنيات “الخدش والكشط” بأدوات حادة بجانب الفرشاة التقليدية. تكويناته ذات بعد روحي تقترب من “الرسم الصيني” في بنائه، حيث يكون المنظر مسطحاً ولا يتقيد بنقطة تلاقي معينة، بل يطلق مخيلته لتداعيات تلقائية تعبر عن مشاهداته السابقة لمناظر عاشها، بتنفيذ معاصر يقترب من أساليب المدارس الحديثة. إن عملية الرسم عنده هي “تثبيت للحظات عابرة” لا يمكن محاكاتها فوتوغرافياً، بل تأتي كتدفقات شعرية تبدأ بومضة، وتكتمل بخبرة الفنان وذائقته.

في معرضه “طريق الربيع” بدار الفنون طرابلس 2025، نجد أعمالاً تحتفي بجمال الطبيعة من زاوية مغايرة، محاولةً القبض على “لحظات هاربة”. تبدو الأعمال للوهلة الأولى كمشاهد لطرق متعرجة وغابات، لكنها تعتمد في جوهرها على تقسيمات تجريدية توهم العين بالتركيز على تناسق الألوان قبل إدراك المشهد المرسوم.

ورغم المساحة الكبيرة التي يمنحها المشاي للجانب الفطري الإنساني في التعامل مع الجمال، إلا أنه لا يخفي خلفيته الموسوعية واطلاعه الواسع على تاريخ الفن، خصوصا تجربة الرواد الانطباعيين الذين يعدون الأكثر اقتراباً من الطبيعة. ومنذ دراسته للهندسة، كان يحاول في خطابه التشكيلي “أنسنة” الأشياء بشاعرية بالغة الطزاجة.

◄ المشاي مهندس مشاعر بامتياز يعيد صياغة العالم من حولنا عبر نصوص ولوحات تحتفي بالضوء والريح وخيوط المطر
◄ المشاي مهندس مشاعر بامتياز يعيد صياغة العالم من حولنا عبر نصوص ولوحات تحتفي بالضوء والريح وخيوط المطر

يعد الفنان والمهندس أبوالقاسم المشاي من القلة الذين استطاعوا العبور إلى “المنطقة الوسطى” بين الرسم والكتابة، فترجم حالاته التشكيلية إلى نصوص مكتوبة ترفق بكتيبات معارضه، ومن هذه النصوص نقتبس:

“منذ أن وجدت نفسي منغمسا في معادلات ديناميكا الموائع، أدركت أن حركة الماء والهواء ليست مجرد ظواهر فيزيائية، بل لغة عالمية تتحدث بها الطبيعة بصوت الضوء.. لم يكن هذا الفهم العلمي بمعزل عن رحلتي الأوسع عبر الجغرافيا والثقافات، كانت أسفاري بمثابة ممر بين عوالم”.

“إن الماء والهواء لا يتحركان وحسب، بل يتنفسان ويحدثان نبضات خفيفة في نسيج الكون. كانت الأمواج تتحدث بصوت الضوء، والغيوم تمسح بفرشاة غير مرئية، والرياح تصنع خطوطاً على وجه البحر”.

“أعمال مثل ‘أوراق البنفسج’ و’حقول البنفسج’ هي مساحات للسكينة، ودعوة إلى التأمل في الألوان التي تتشكل عندما يلامس الظل الضوء برفق. وفي لوحتي ‘جيران البحر 1 و2’، سعيت إلى أن تتنفس اللوحة برائحة الموج واللون الأزرق الذي يتغير مع الشمس”.

“في لوحتي بعنوان: مسار المطر، حاولتُ أن أجسد على القماش ذلك المزيج الغامض من الماء والضوء والتراب، لحظة تشكل مرايا صغيرة على الأرض”.

“تنعكس السماء نحو الأسفل. المطر في هذه الأعمال ليس مجرد عنصر طبيعي، بل هو خيط يربط الحاضر بالذاكرة، الطفولة بنضج البصر”.

“كل لوحة هي محاولة لالتقاط لحظة عصية؛ لحظة يصبح فيها الضوء واللون والذاكرة واحدا.. عندما أرسم، لا أضع الألوان فحسب، بل أترك جزءاً من رحلتي الشخصية التي تبدأ في الربيع، وتعبر خيوط المطر، وتنتهي دائماً عند البحر”.

إذا، يبدو أن الفنان لا يخفي افتتانه بالانطباعيين ويحاول أن يرسم ملامح مناطق وإن كانت انعكاسا صغيرا للانطباعية المتوسطية التي تظهر ملامحها على ضفاف حوض المتوسط لتشابه المناخ والطقس والألوان التي تنتجها شمس ساطعة في أغلب فصول السنة.

◄ الأداء المعاصر يعد من السمات المميزة لأعمال المشاي
◄ الأداء المعاصر يعد من السمات المميزة لأعمال المشاي
◄ أعماله تحتفي بالطبيعة وعناصرها مستلهمة من رحلاته الجغرافية والثقافية
◄ أعماله تحتفي بالطبيعة وعناصرها مستلهمة من رحلاته الجغرافية والثقافية

 

9