أزمة مالية غير مسبوقة تهدد الاستقرار الهش للسلطة الفلسطينية

الضائقة المالية تضعف قدرة السلطة على الحكم وتُآكل ما تبقى من شرعيتها بين الفلسطينيين وتزيد من مخاطر انهيارها المؤسسي
الجمعة 2026/02/13
صداع مزمن

رام الله- توشك السلطة الفلسطينية على الإفلاس. فالأزمة المالية العميقة تدفعها باطراد نحو حافة الانهيار المالي. إذ إن مصادر إيراداتها الرئيسية تجف تباعاً، ما أدى إلى اتساع العجز الجاري في الموازنة إلى مستويات تاريخية وخطيرة.

كما أن السبل التقليدية لتمويل العجز — ولا سيما الاقتراض من البنوك المحلية وتراكم المتأخرات لموردي القطاع الخاص — قد استُنفدت، فيما تجاوز الدين العام بالفعل إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد.

وأصبحت قدرة السلطة على دفع الرواتب كاملة وفي مواعيدها لموظفيها مقيدة بشدة، في وقت تتدهور فيه الخدمات العامة الأساسية كماً ونوعاً.

ويرى الخبير الاقتصادي محمد سمحوري في تقرير نشره المعهد العربي لواشنطن دي سي أن الأزمة تضعف قدرة السلطة على الحكم، وتُآكل ما تبقى من شرعيتها بين الفلسطينيين، وتزيد من مخاطر انهيارها المؤسسي.

وتقف وراء الأزمة المالية للسلطة ثلاثة عوامل كبرى: رفض إسرائيل تحويل جزء من أموال الضرائب الفلسطينية ثم الامتناع عن تحويلها بالكامل؛ الانخفاض الحاد في المساعدات الدولية؛ والتداعيات الاقتصادية المدمرة للحرب الإسرائيلية على غزة.

ويشكل رفض إسرائيل تحويل أموال الضرائب الفلسطينية — التي تمثل نحو ثلثي إجمالي إيرادات السلطة — السبب الرئيسي للأزمة المستمرة.

وبموجب بروتوكول باريس للعلاقات الاقتصادية لعام 1994، الذي أعقب اتفاق أوسلو عام 1993، يُفترض أن تقوم إسرائيل بجباية الرسوم الجمركية والضرائب الأخرى على السلع المتجهة إلى الأراضي الفلسطينية (المعروفة باسم “أموال المقاصة”) نيابة عن السلطة، وتحويلها شهرياً إلى خزينة السلطة.

ومنذ اتفاق أوسلو، علّقت إسرائيل تحويل هذه الأموال عدة مرات واستخدمتها أداة ضغط على السلطة. ثم ابتداءً من عام 2019، بدأت بإجراء اقتطاعات شهرية منهجية وأحادية الجانب من أموال المقاصة.

وبين فبراير 2019 ويوليو 2024، اقتطعت إسرائيل نحو مليار دولار من أموال الضرائب الفلسطينية، وهو مبلغ يعادل ما تقول إنه يُصرف على مخصصات عائلات الأسرى والشهداء.

وبعد هجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حركة حماس، بدأت إسرائيل باحتجاز مبلغ إضافي قدره 75 مليون دولار شهرياً، وهو ما يعادل حصة قطاع غزة من موازنة السلطة.

ويشمل ذلك رواتب موظفي السلطة في غزة، والمدفوعات الاجتماعية، ومستحقات الكهرباء والمياه. كما شملت اقتطاعات أخرى ديوناً مستحقة على السلطة مقابل خدمات كهرباء ومياه وصرف صحي وخدمات صحية تقدمها جهات إسرائيلية لبلديات الضفة الغربية.

السبل التقليدية لتمويل العجز — ولا سيما الاقتراض من البنوك المحلية وتراكم المتأخرات لموردي القطاع الخاص — قد استُنفدت، فيما تجاوز الدين العام بالفعل إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد.

ومنذ مايو 2025، علّقت إسرائيل تحويل جميع أموال المقاصة بالكامل، ما ترك السلطة بسيولة شديدة الانخفاض لتمويل الرواتب والخدمات الأساسية. وقدّرت الأموال المحتجزة بنحو 4.5 مليارات دولار بنهاية عام 2025.

وفاقم الانخفاض الحاد في المساعدات الدولية العجز المتكرر في الموازنة، إذ هبط دعم المانحين إلى أدنى مستوياته منذ سنوات. ففي عام 2025، لم تتجاوز المساعدات الدولية 358 مليون دولار، مقارنة بنحو ملياري دولار في عام 2008. كما أن تعهد جامعة الدول العربية عام 2012 بتوفير شبكة أمان مالية بقيمة 100 مليون دولار شهرياً لم يتحقق بالكامل.

ويتمثل العامل الثالث في الانكماش الاقتصادي بعد عام 2023 نتيجة الحرب على غزة، وقد فاقم الأزمة المالية بطريقتين: أولاً، ألغت إسرائيل تصاريح العمل لأكثر من 200 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية، ما أفقد الاقتصاد مصدراً مهماً للدخل كان يدر نحو 4 مليارات دولار سنوياً (ما يعادل 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي).

وقد أدى ذلك إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي وانخفاض الإيرادات الضريبية المحلية. ثانياً، شددت إسرائيل قيود الحركة والتجارة في الضفة عام 2024، ما تسبب في تراجع النشاط الاقتصادي، وانخفاض الإنتاج والتوظيف في القطاع الخاص، وبالتالي تراجع إضافي في الإيرادات.

ونتيجة لهذه العوامل الثلاثة، ارتفع العجز المالي الجاري من 3.9 في المئة من الناتج المحلي في 2023 إلى 10.5 في المئة بنهاية 2024، مع توقع ارتفاع إضافي في 2025.

وتعاني السلطة منذ سنوات من صعوبات في دفع رواتب القطاع العام. ومنذ نوفمبر 2021، لم تتمكن من دفع الرواتب كاملة، وغالباً ما تم تقليصها إلى 50 في المئة فقط.

وقد أثرت هذه الأزمة على الخدمات الأساسية، خصوصاً في الصحة والتعليم. وتأخر بدء العام الدراسي في سبتمبر 2025 كان نتيجة مباشرة لعدم دفع رواتب المعلمين. وبلغت متأخرات الرواتب نحو 2.5 مليار دولار حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

ومع تراجع أموال المقاصة والمساعدات الخارجية، لجأت السلطة إلى وسائلها التقليدية الثلاث لتمويل العجز: الاقتراض من البنوك المحلية؛ تراكم المتأخرات لموردي القطاع الخاص والموظفين؛ وتأجيل المدفوعات لصندوق التقاعد الحكومي. غير أن هذه الوسائل استُنفدت إلى حد كبير.

فقد ارتفع الدين للبنوك المحلية إلى 3.4 مليارات دولار بحلول نوفمبر 2025، فيما بلغت المتأخرات للقطاع الخاص نحو 1.6 مليار دولار. ومع إضافة مساهمات التقاعد غير المدفوعة، بلغ إجمالي الدين نحو 14.6 مليار دولار، أي ما يعادل 106 في المئة من الناتج المحلي لعام 2024.

وتواجه السلطة مخاطر إضافية تتعلق بعلاقات المراسلة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية، وفائض الشيكل الإسرائيلي في البنوك الفلسطينية.

فالعلاقات المصرفية مع إسرائيل — الشريك التجاري الأكبر — تعتمد على خطابات إعفاء تمنحها وزارة المالية الإسرائيلية لحماية البنوك من تبعات قانونية مزعومة.

وقد عرقل وزير المالية الإسرائيلي إصدار هذه الخطابات مراراً، ما يهدد بقطع القطاع المصرفي الفلسطيني عن النظام المالي العالمي.

وأما فائض الشيكل فيعود إلى عدم وجود عملة وطنية فلسطينية، واعتماد الاقتصاد على الشيكل الإسرائيلي كوسيلة دفع رئيسية.

ووفق الاتفاق الاقتصادي لعام 1994، يُسمح بإعادة فائض الشيكل إلى بنك إسرائيل بحد أقصى 18 مليار شيكل سنوياً، وهو سقف لم يعد يعكس حجم الاقتصاد الحالي، ما أدى إلى تراكم فائض نقدي يهدد قدرة البنوك على تمويل التجارة.

ويتطلب التصدي للأزمة أولاً إنهاء احتجاز إسرائيل لأموال الضرائب الفلسطينية والإفراج عنها وفق بروتوكول باريس، ووقف الاقتطاعات الأحادية، ومعالجة القضايا العالقة بشأنها. كما يتطلب معالجة مخاطر علاقات المراسلة المصرفية وفائض الشيكل.

وكذلك تبقى المساعدات الدولية ضرورية في هذه المرحلة الحرجة. وفي هذا السياق، أُطلق في 26 سبتمبر 2025 “التحالف الطارئ للاستدامة المالية للسلطة الفلسطينية” بمشاركة 12 دولة مانحة، بهدف تثبيت الوضع المالي ومنع الانهيار.

ومع ذلك، فإن الأزمة في جوهرها ليست تقنية فحسب، بل هي هيكلية وسياسية، نابعة من واقع اقتصاد مقيد ومجزأ يعمل تحت احتلال عسكري طويل الأمد، من دون سيطرة على الموارد أو الحدود أو أدوات السياسة الاقتصادية الكلية. إنها حالة اقتصاد مكبل يعمل “على الفراغ”، يعتمد على المساعدات الخارجية للبقاء، ويعجز عن توليد الدخل والاستثمار الكافي لرفاه شعبه، مع محدودية شديدة في قدرة السلطة على تغيير هذا المسار في المستقبل المنظور.