أحمد البارودي وفلسفة الحرف.. حين تطوع النار الحديد وتغازل الألوان ذاكرة الهاء
تتسم لوحات الفنان الليبي أحمد البارودي بجرأة التناول، خاصة في اعتماده على أحادية اللون “المونوكرومي” أو مجموعات لونية محدودة، مما يركز على الحالة التعبيرية والشكل المجرد للحرف عبر مؤثرات بصرية معاصرة. هذه المقاربة تسمح له بتجاوز فن الخط وقواعده الصارمة، دافعاً بالحرف إلى فضاءات التشكيل الفسيح بما ينسجم مع المقترحات الجمالية للفن المعاصر؛ حيث يتحول الحرف لديه من أداة كتابة إلى كتلة بصرية ذات دلالة ورمزية مفتوحة في عالم التشكيل.
يدرك الفنان البارودي دوره في صياغة الواقع الليبي عبر تاريخه الشخصي كفنان يستعين بموروث حضاري ضارب في عمق التاريخ، ومنتشر على جغرافية تتسع لتنوع ثقافي ومزيج منسجم كفسيفساء الوطن، انصهرت فيها الإثنيات والأعراق. ويتعامل الفنان مع الإثنية بوصفها زخارف ورموزا الثقافية، ومع الحكايات الشعبية الليبية القديمة، والألوان التي تتسم بها مناطق شمال أفريقيا، والكتابة الليبية القديمة التي هي أقرب إلى الرسم والتشكيل منها إلى الكتابة، رغم اكتمال شروطها كلغة تعبير، مشيراً بكل احترافية وإتقان إلى مكامن جمالها في تكوينات أعماله الفنية.
للفنان تجربة أخرى تقترب من الفن الياباني والصيني باستعماله أدواتهما من ورق ومقاسات طولية وأحبار ومناطق بيضاء وبقع حمراء وضربات فرشاة سريعة واحترافية. والجدير بالذكر إظهار الكثير من التفوق في التعامل مع هذه التقنية المكتسبة من حضارة عريقة كحضارات الشرق الأقصى، فيرسم الحرف العربي والأمازيغي بتوليفات جميلة لا تخلو من معاصرة، مع الاحتفاظ بسماتها المحلية مثل استعماله ألواناً قريبة من لون “الدواية” التي تستعمل في ألواح تحفيظ القرآن الكريم.
مكنته خبرته في التصميم الغرافيكي من الخوض في عالم فني موازٍ للحروفية ولكنه غير منفصل عنها، حيث يمثل البارودي أحد أولئك الفنانين الذين نجحوا في توظيف مهاراتهم التقنية في خدمة إبداعاتهم التشكيلية. تظهر ملامح فن التصميم جلية من حيث التكوين والكتلة والفراغ في مراحل متقدمة من مجموعاته الفنية، بينما تعتمد مجموعات أخرى بشكل أكبر على المهارة اليدوية والفكرة العميقة، مستفيداً من اطلاعه الواسع على مراحل فن الرسم عبر التاريخ لإنتاج أعمال تجمع بين الإتقان والابتكار.
تتركز أهمية تجربة البارودي في الحروفية العربية، حيث لم يكتفِ بتوظيف الحرف كعنصر زخرفي، بل خاض فيه تجارب متجددة وجريئة أهلته للمشاركة في العديد من الملتقيات داخل ليبيا وخارجها. تظهر في أعماله الحروفية حالة من التحرر التعبيري تشبه إلى حد كبير أعمال الحروفيين الكبار مثل الفنان الليبي علي عمر أرميص، والفنان السوداني عثمان وقيع الله، والفنان أحمد شبرين، ويمتاز عن كل هذه التجارب بطرحه المعاصر في الرؤية وطزاجة الفكرة لديه.
في تجربته الجديدة التي عرض منها في ملتقى “دواية” 2025، كان حرف “الهاء” مرسوما بالأكريليك ومنحوتاً بالحديد والنار كتقنية لقص شرائح الحديد وتشكيل الخطوط التي يريدها الفنان، مع ترك لون الصدأ كنوع من تعزيز فكرة الزمان على هذا الحرف. فكان تجاورهما في العرض قيمة مضافة لتجربته الفنية ومؤشرا على إنتاج تجربة مكتملة القوام ستتضح معالمها في معرض شخصي جديد.
الفنان أحمد البارودين، خريج هندسة الاتصالات، يمتلك سمة تدعم التفكير الفني عنده وتزيد من آفاقه. يتقن تصميم الغرافيك وعمل في هذا المجال سنوات طويلة، مما مكنه من توظيف المهارات التقنية في إبداعاته التشكيلية. ورغم وجود تجارب للرسم الواقعي لديه، مثل رسم بيئة جبل نفوسة وأسطح البيوت القديمة والنخيل، إلا أنه يميل أكثر نحو التجريب والابتكار الحروفي.
البارودي من مواليد طرابلس عام 1978، وهو رسام حروفي ومصمم غرافيكي، وناشط ثقافي بصفته أحد مؤسسي ملتقى “دواية” للحرف العربي في ليبيا منذ عام 2015، بالإضافة إلى كونه صاحب ومؤسس قاعة عرض “كاترو” المخصصة لعرض وبيع الأعمال الفنية، وهو المكان الذي أضاف بقعة ضوء جديدة على عالم التشكيل الليبي المعاصر.