أحمد الأحمد: جرأة أخلاقية في مواجهة خطاب الكراهية المهيمن

السؤال المصيري ليس إذا ما كان أحمد قد غيّر العالم، بل إذا ما كنا، كجماعات وسياسات، نختار أن نبني عالما حيث يصبح فعل أحمد هو القاعدة لا الاستثناء.
الثلاثاء 2025/12/16
هل ينهي حادث بوندي زمن الكراهية؟

في الثالث عشر من ديسمبر، بينما سكان ضاحية بوندي الساحلية في سيدني يستعدون لاستقبال أمسية عيد الحانوكا، اخترقت أصوات إطلاق النار أجواء الاحتفال، محولة المكان إلى مسرح للرعب. لكن المشهد الذي أعقب ذلك هو الذي حفر نفسه في الذاكرة العالمية: انطلاق رجلٍ دون سلاح نحو مصدر الخطر. بهدوء وحسم، انتزع السلاح من يدي المسلح، ليصبح في لحظةٍ رمزا متجاوزا للهويات، ونموذجا للبطولة الأخلاقية الفطرية.

تكمن دلالة الفعل في بساطته المعقدة: رجل يدير متجر فواكه، أب لعائلة، يتصرف كـ”إنسان” أولًا، متناسيًا كل الانقسامات الطائفية والسياسية التي يبدو العالم محكوما بها.

عقب الحادثة البطولية، ظهر جدل واسع في الإعلام حول أصل “البطل” واسمه أحمد الأحمد. بعض التقارير الأولية وصفته بأنه “لبناني الأصل”، لكن لاحقًا خرج أقاربه لتوضيح الأمر، مؤكدين أنه سوري الأصل، من قرية النيرب في ريف حلب.

الالتباس جاء من تشابه الأسماء والعائلات بين الجاليتين السورية واللبنانية في أستراليا، حيث كثيرا ما يختلط في الأذهان هذا التشابه.

هذه الحادثة، رغم طابعها الفردي العفوي، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الجيوسياسي الذي يتنفس فيه العالم. ففي التوقيت ذاته تقريبا، كانت غزة، على بعد آلاف الأميال، تعيش يومًا آخر في دوامة عنفٍ متفاقم، تُسجل فيه أرقام جديدة للضحايا المدنيين، تغلب عليهم النساء والأطفال. المفارقة هنا تكتسب طابعا تراجيديّا: مسلم ينقذ حياة يهود في فضاء مجتمعي متعدد، بينما تقع حياة مسلمين ومسيحيين فلسطينيين ضحيةً لقوة عسكرية لدولة تُعرَّف بهوية يهودية في فضاء صراع وجودي. هذا التعارض الحاد لا يعكس مجرد مصادفة زمنية، بل يشير إلى ازدواجية عميقة في فهم “الإنسانية” وتطبيقاتها؛ فالإنسانية في أستراليا تُمارس كواجب أخلاقي فردي فوري، بينما تُعلَّق في الشرق الأوسط كرهينة لحسابات سياسية جماعية معقدة.

التدخل السريع لأحمد، والاحتفاء الرسمي والشعبي به، يظهران كيف يمكن للقيم المدنية المشتركة أن تتغلب، في لحظة حاسمة، على خطابات الاستبعاد

تقدم قصة أحمد الأحمد نموذجا إبستمولوجيّا لفكرة “الفضاء الاجتماعي” بوصفه حاضنة للفعل الأخلاقي. المجتمع الأسترالي، رغم توتراته، يوفر إطارًا مؤسسيّا وقانونيّا وقيميّا يجعل من “التعايش” واقعا قابلا للتجسيد اليومي. فالتدخل السريع لأحمد، والاحتفاء الرسمي والشعبي به، يظهران كيف يمكن للقيم المدنية المشتركة أن تتغلب، في لحظة حاسمة، على خطابات الاستبعاد.

الفيديو الذي وثق الحادثة وأظهر هدوء أحمد رغم إصابته، انتشر ليس كخبر، بل كبيان بصري ضد التعصب. هذه الحالة تطرح سؤالا جوهريّا على المجتمعات المتعددة: أي شروطٍ ضرورية لتحويل “الإمكانية” الأخلاقية إلى “ممارسة” جماعية؟ الإجابة تشير إلى دور حيوي للفضاء العام الديمقراطي، وسيادة القانون، وثقافة المواطنة التي تفصل بين الهوية الخاصة والواجب العام.

في المقابل، يُظهر السياق الفلسطيني – الإسرائيلي كيف يمكن لآلة الصراع الجيوسياسي أن تعمل على “استعمار” المجال الأخلاقي وتحويله إلى ساحة حرب أخرى. هنا، تُختطف الإنسانية المشتركة وتُقسَّم إلى إنسانية متنافسة، حيث تتوقف قيمة الحياة على الانتماء الوطني أو الديني. يُدار الصراع عبر سرديات كبرى (أمنية، قومية، دينية) تبتلع المعاناة الفردية، محولة إياها إلى ذخيرة دعائية أو إلى مجرد “أضرار جانبية” في أفضل الأحوال. هذا الانزياح من الأخلاقي الفردي إلى السياسي الجماعي هو ما يُعمق الهوة ويديم ديناميكية الكراهية. الضحية هنا لا تُرى كـ”أحمد” آخر، بل كرقم في معادلة صفرية.

من هذا المنظور، تتحول بطولة أحمد إلى “دعوة وجودية” للنخب الفكرية والقيادات المجتمعية في العالم العربي والإسلامي. الدعوة ليست لتقليد الفعل الجسدي، بل لاستعادة الجرأة الأخلاقية والفكرية في مواجهة خطاب الكراهية المهيمن. هذا يتطلب نقلة نوعية من “خطاب الضحية” الذي يركز على المظلومية بشكل حصري، إلى “خطاب الفاعل الأخلاقي” القادر على نقد العنف الذاتي، والدفاع عن كرامة الإنسان كقيمة مطلقة وغير قابلة للتجزئة. إنه يعني بناء سرديات جديدة تعترف بتعقيد التاريخ دون أن تسجن الحاضر في سجن الماضي، وتقر بالمعاناة المشتركة كأساس محتمل للحوار، لا كمنتج للصراع الأبدي.

الدور الإستراتيجي هنا يقع على عاتق المؤسسات التربوية والإعلامية والمجتمع المدني. فبدلًا من تغذية ثقافة الاستقطاب، يمكن لهذه المؤسسات أن تروي وتضخم قصص التضامن العابرة للهويات، وأن تُدخل النقاش الأخلاقي المعقد حول الصراع إلى الفضاء العام، بعيدا عن التبسيط والتحريض. البطولة اليوم هي في الشجاعة الفكرية لنزع “الطابع الاستثنائي” عن خطاب الكراهية، وعرضه كخيار وليس كقدَر.

ختامًا، حادثة بوندي ليست نهاية زمن الكراهية، فهذه الأخيرة بنية اجتماعية – سياسية عميقة الجذور. لكنها تُشكل “انزياحًا” مؤقتًا في الخطاب العالمي، كاشفةً عن هشاشة مقولات الكراهية عندما تواجه فعل الإنسانية الخالص. إنها تذكير بأن التاريخ، رغم ثقله الهيكلي، لا يزال يحوي مساحات للتدخل الأخلاقي الحر. السؤال المصيري ليس إذا ما كان أحمد قد غيّر العالم، بل إذا ما كنا، كجماعات وسياسات، نختار أن نبني عالما حيث يصبح فعل أحمد هو القاعدة لا الاستثناء: عالمٌ لا تُختبر فيه إنسانيتنا بانتصاراتنا العسكرية أو السياسية، بل بقدرتنا على رؤية “الآخر”، في غزة أو سيدني، كغاية في ذاته، لا كوسيلة في صراعنا.

1