آن أوان طي نزاع الصحراء المغربية

الحكم الذاتي خيار المستقبل لصحراء مستقرة ومندمجة في محيطها الوطني والإقليمي.
الجمعة 2025/10/31
جهود مغربية لا تهدأ للتنمية والإدماج السياسي

الرباط- بعد أكثر من خمسة عقود من الجدل السياسي والميداني حول الصحراء المغربية، يبدو أن الزمن قد نضج لإغلاق هذا الملف المعقد، الذي استنزف طاقات المنطقة وشغل المجتمع الدولي دون أن يغيّر شيئًا من حقائق الواقع. فالمعطيات الجديدة على الأرض، والمواقف الدولية المتواترة، والتحولات العميقة في بنية النظام الإقليمي، تؤكد جميعها أن الوقت قد حان لطي صفحة النزاع وفتح مرحلة جديدة عنوانها الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

ويرى الباحث جمال العادم في تقرير نشره موقع مودرن بوليسي أن قضية الصحراء تجاوزت اليوم مرحلة الشعارات الإيديولوجية التي وُلدت في سياق الحرب الباردة، وانتقلت إلى واقع مختلف تحكمه المصالح والتنمية والاستقرار.

واستطاع المغرب، على مدى السنوات الماضية، أن يفرض نهجًا واقعيًا يقوم على التنمية الميدانية والإدماج السياسي بدل الخطابات الانفعالية.

إغلاق ملف الصحراء لم يعد مجرد مطلب مغربي، بل ضرورة إقليمية ودولية ومفتاح لتكامل اقتصادي مغاربي

وتحولت الأقاليم الجنوبية إلى فضاء استثماري واعد، يحتضن مشاريع كبرى في البنية التحتية والطاقة المتجددة والموانئ والطرق، مثل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة، ما جعلها جزءًا لا يتجزأ من الدورة الاقتصادية الوطنية.

ولم تكرس هذه المشاريع فقط حضور الدولة، بل أعادت الثقة للسكان وربطت الجنوب بالمجال الحيوي الإفريقي والأطلسي للمملكة.

وفي الوقت الذي ظلّ فيه البعض متمسكًا بخطاب قديم حول “تقرير المصير”، تغيّر الموقف الدولي بشكل جوهري نحو الواقعية. فالأمم المتحدة أكدت، على لسان أمنائها العامين ومبعوثيها المتعاقبين، أن مقترح الحكم الذاتي المغربي هو الحل العملي الوحيد القابل للتطبيق. ولم يعد في أجندة منظمة البوليساريو الانفصالية أي خيار آخر يمكن اعتباره واقعيًا أو منطقيًا.

وترافق هذا التحول الدبلوماسي مع مواقف واضحة من القوى الكبرى؛ فالولايات المتحدة جددت اعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، والاتحاد الأوروبي تعامل في اتفاقاته التجارية والزراعية مع الصحراء كجزء من التراب المغربي، فيما فتحت عشرات الدول قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة، في إشارة سياسية صريحة إلى دعمها لمغربية الصحراء.

والتحول اللافت أيضًا هو أن القضية لم تعد تُطرح في أروقة السياسة كملف نزاع، بل كقضية تنمية واستقرار إقليمي. فالنموذج المغربي في إدارة الأقاليم الجنوبية يجسد فكرة “الشرعية عبر التنمية”؛ أي أن السيادة لا تُبنى فقط على القوة أو الاعتراف الدبلوماسي، بل على قدرة الدولة على تحسين حياة المواطنين ودمجهم في مؤسساتها.

pp

ومنحت الانتخابات المحلية والجهوية التي جرت تحت إشراف الأمم المتحدة تمثيلًا حقيقيًا للسكان في تدبير شؤونهم، وهو ما أعطى شرعية مؤسساتية إضافية لمقترح الحكم الذاتي، وأثبت أن سكان الصحراء جزء فاعل في الحياة السياسية المغربية وليسوا موضوعًا للصراع الخارجي.

كما أن الدينامية الدبلوماسية المغربية تحولت من نهج دفاعي إلى سياسة مبادرة تتسم بالثقة والانفتاح. فالمغرب أعاد بناء تحالفاته مع قوى عالمية وإقليمية على أساس المصالح المتبادلة، وربط قضيته الوطنية بأجندة التنمية الإفريقية والمحيط الأطلسي، مما جعل الصحراء اليوم مركزًا استراتيجيًا يربط إفريقيا بأوروبا والعالم العربي.

وجعلت هذه الدبلوماسية الجديدة، القائمة على رؤية تنموية واضحة، من المغرب نموذجًا للاستقرار في منطقة مضطربة، وأعطت بعدًا عمليًا لفكرة أن الحل السياسي يجب أن يوازيه مشروع اقتصادي وإنساني متين.

الدبلوماسية المغربية تحولت من نهج دفاعي إلى سياسة مبادرة تتسم بالثقة والانفتاح. فالمغرب أعاد بناء تحالفاته على أساس المصالح المتبادلة، وربط قضيته بأجندة التنمية الإفريقية والمحيط الأطلسي

وأصبح من الواضح أن استمرار النزاع لم يعد له مبرر عملي. فالمجتمع الدولي يتعامل مع مغربية الصحراء كأمر واقع، والمؤسسات الأممية تتحدث عن الحكم الذاتي باعتباره الحل الواقعي الوحيد، والميدان يعكس واقعًا تنمويًا متقدمًا يتناقض مع الخطاب الانفصالي القديم.

ولم يعد إغلاق هذا الملف مجرد مطلب مغربي، بل أصبح ضرورة إقليمية ودولية من أجل استقرار شمال إفريقيا والساحل، ومفتاحًا لتكامل اقتصادي مغاربي طال انتظاره. فكل يوم يمر دون تسوية نهائية يعني إضاعة فرصة جديدة للتنمية المشتركة ولتعزيز الروابط بين الشعوب.

وتمثل اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لإطلاق مسار نهائي لتسوية هذا النزاع، على أساس الاعتراف بالواقع الذي فرضه المغرب ميدانيًا ودبلوماسيًا.

واستطاعت المملكة أن تحول الصحراء من ملف سياسي مثير للخلاف إلى نموذج للتكامل والتنمية، ومن ساحة نزاع إلى رافعة استراتيجية للانفتاح على إفريقيا والمحيط الأطلسي. لقد آن الأوان لتكريس هذا المسار وإغلاق ملف الصحراء بصفته أحد أطول النزاعات الإقليمية في القارة، بما يسمح بتوجيه الجهود نحو مستقبل من التعاون والنمو بدل التنازع والانقسام.

إن طيّ صفحة الصحراء المغربية ليس تنازلًا عن المواقف، بل خطوة نحو الاستقرار المشترك والتنمية المتوازنة، ورسالة بأن منطق الواقعية والبناء هو الذي ينتصر في النهاية على منطق الجمود والشعارات.

وأثبتت التجربة أن السيادة التي تُمارس على الأرض، والتي تقوم على التنمية والتكامل، هي وحدها القادرة على ترسيخ السلام الدائم.

ولذلك فإن الوقت قد حان لأن يُعلن المجتمع الدولي انتهاء هذا الملف، وأن يُعترف بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ليس فقط حلاً وسطًا، بل هو خيار المستقبل لصحراء مستقرة ومندمجة في محيطها الوطني والإقليمي.

3