آدم فتحي.. شاعر الرؤيا وأقنعة العمى

شاعر يجد في اللغة معادلا رمزيا لما يصنعه "نافخ الزجاج".
الثلاثاء 2026/06/02
شاعر يتجاوز مستوى التعبير إلى مستوى الرؤيا

لطالما شغلت صورة الأعمى المخيلة الأدبية والإنسانية بوصفها رمزًا للرؤيا الداخلية والكشف عما تعجز العين المبصرة عن إدراكه. ففي الشعر خاصةً، يتحول العمى من فقدانٍ للحاسة إلى طاقةٍ على الاستبصار، ومن غيابٍ للنظر إلى حضورٍ أعمق للحدس والتأويل. ومن هذا الأفق الرمزي تتحرك تجربة الشاعر آدم فتحي خاصة في كتابه "نافخ الزجاج الأعمى".

بين الشاعر والقصيدة ثمة مسافة للتوتر، تجعل من إشعال الوجد عتبة لإشعال اللغة، في استعاراتها وفي أقنعتها، فالحرائق تبدأ من هوس الفكرة، ومن الاستعداد العميق للتحول، حتى تبدو القصيدة وكأنها شهوة مفتوحة، احتراقًا، أو تهيّجًا، أو تمردًا، أو بحثًا عن غائب ما.

قصائد آدم فتحي مهووسة بهذا الصخب، بغواية التشهي، حيث مواجهة الزمن، وحيث تجمير اللغة تمهيدًا لإشهار حرائقها/ غرائزها، وحيث استعادة لعبة الخلق، عبر صناعة النص/ الكائن الزجاجي، وعبر توظيف الاستعارة كتمثيل لخرق الحجب، ومواجهة العمى/ الغياب، من خلال التحريض على حيازة النور/ المراجعة، والنور/ الرؤيا/ الحضور، وعلى نحو تكون فيه الكتابة/ النفخ استبصارًا عميقًا في الجسد، وفي ما تصنعه الغريزة المشدودة إلى الكشف عنه، والتلذذ فيه، وإلى مقاربة العالم عبر استغواء تفاصيله اليومية.

مفارقات تتنامى

يكتب آدم وكأنه مستغرق في ذلك الاستبصار، حيث الذات التي ترى، الذات التي تعيد اكتشاف العالم من خلال القصيدة، حتى تكون كتابته نظيرًا للخلاص والتطهير، ومواجهة عالم مسكون بهوس ما يصنعه الغياب بوصفه قناعًا للعنف/ السلطة، أو لما تنسحب إليه الذات القلقة/ قناع المثقف العربي من الأوهام والخطايا؛ خطيئة المثيولوجيا/ الهبوط والتفاح المحرّم، وخطيئة الجسد السياسي المرتعش والقميص المقدود، وخطيئة الرؤية المعطوبة التي تتسع عند الفكرة الضيقة/ الثقب، وعلى نحو تكون فيه القصيدة وكأنها اعتراف طهراني، أو تلذذًا بالضوء والصوت، وما يتشكل عبر الرؤيا، أو عبر إيقاظ ما يتخفى في الجسد واللغة.

الشاعر آدم فتحي يكتب وكأنه مستغرق في ذلك الاستبصار، حيث الذات تعيد اكتشاف العالم من خلال القصيدة

قصيدة آدم فتحي هي طقس في الإيقاظ، وفي استجلاب الرؤيا، حيث يذهب “نافخ الزجاج الأعمى” إلى اصطناع البريق، بريق التشكل، ولمعان ما تصنعه النار، حتى يتجاوز سيرته/ زمن “النفخ” إلى زمن الكشف، والهجس بما لا تدركه العين، فتتحول الرؤيا إلى سحر أو نور، وتتحول الوظيفة إلى عبور إيهامي نحو اللذة، لذة الجسّ، والنفخ في “العصا” كناية عن النفخ في بوق الإيقاظ الميتافيزيقي، أو إيقاظ الجسد لطقس الشهوة.

يجد الشاعر في اللغة معادلًا رمزيًا لما يصنعه “نافخ الزجاج”، فكلاهما يبحث عن لذة التشكل والخرق، والإيقاظ/ الإشباع، وعلى نحو تكون فيه الكتابة قرينة بالوعي الذي يرتهن إلى “اللعب الشعري”، حيث تتجاوز اللغة ذاتها من خلال شعريتها الماكرة، واستغواء طاقة التوهج والتحرر من الذاكرة، لتصنع دهشتها عبر مهارة الشاعر في توظيف الأقنعة والاستعارات والمجازات، فتأخذ لعبة التلقي شكلًا تمثيليًا، تتبادل فيه وظائف الكتابة/ النفخ مع الكتابة/ الاستشعار التي تتوهم توصيف الأشياء التي يساكنها الشاعر، بوصفها أقنعة ثقافية وتاريخية، أو هواجس، أو أسئلة، أو إيحاءات، أو مفارقات…

“تسأل الطفلة أباها: كيف تكتب؟/ كان أعمى./ أنظر في نفسي طويلًا إلى أن أرى ثقبًا في الصفحة. أضع على الثقب كلمة. أنفخ في الكلمة كي تكبر قليلًا. هكذا أحصل أحيانًا على قصيدة./ ثم ماذا؟/ لا شيء سوى أني قد أقع في الثقب فلا أعود”.

بنية الحوار في قصائد آدم فتحي لا تعني الاكتفاء بوجود المؤلف إزاء قارئ متوثب، بقدر ما تعني تحويل تلك البنية إلى فضاء يتجاوز فيه الشاعر مستوى التعبير إلى مستوى الرؤيا، عبر استدعاء ما تضمره لعبة الأقنعة، حيث الدهشة وكسر المألوف، وحيث الاستثارة واستفزاز مخيلة القارئ، عبر تمثيل الرغبة من خلال اللغة والجسد/ الحواس، وعبر الاحتشاد برمزية الأعمى/ الرائي والحكيم والآخر، وعلى نحو يعطي للحوار وظيفة كاشفة، يكون فيها الحضور نقيضًا للغياب، والخلق نقيضًا للعدم، والأعمى/ الرائي نقيضًا للميت.

قناع الأعمى يفك شفرات الواقع
تفكيك خطايا المثقف بالوعي الشعري

هذه الثنائيات تتحول إلى مفارقات، تتنامى من خلالها عناصر صراعها، فتنزاح الثانية لصالح الأولى، عبر إجراءات، أو توظيف استعاري يوظفه الشاعر في استدعاء ما هو مثيولوجي أو صوفي أو أسطوري، ليس لتمثيل الأقنعة فقط، بل لسحب شعرية المفارقة إلى الواقع، عبر وضع تلك الأقنعة إزاء إحالات سياسية ونفسية، يكون فيها الخرق الوجودي نظيرًا للخرق الشعري، والاستعارات والأقنعة نظيرًا للاغتراب عن الواقع ذاته.

“تعرَّ قبل أن تفجعني فيك، قالت، تجرد من قماش الحياة، انغمس في مياهها الخاطئة، أنصت إلى جسدك يغرد. تعرَّ تمامًا قبل أن تفجعني فيَّ، اتبع صوتك كما تتبع فراشة في الحقل”.

هذا التمثيل الشعري يجعل من قصيدته “مفتوحة” على ما يتحول فيها من الوجود، ومن البلاغي واليومي، وعلى ما يجعل من “دالة الأعمى” محركًا لهذا التحول، بوصفه كائنًا شعريًا، يقوم وجوده على استجلاء ما يحمله من الرؤيا/ الحكمة، ومن الحدوس والكشوف، ومن الإحالات الرمزية التي تذهب إلى النفسي، مثلما تذهب إلى السياسي الذي يتوارى خلف أقنعة “الشخصيات/ الأسماء” التي يستدعيها الشاعر.

شعرية المألوف والخرق

تسهم شعرية الاستدعاء في تكثيف تلك الإحالات، وعلى نحو يجعل من الخرق الشعري خروجًا على المألوف، ودخولًا في إدهاشات اللعبة الشعرية، حيث خرق الحواس لصالح البصيرة، وحيث تشغيل الاستعارات بوصفها مجسات الشاعر، في شغفه، وفي توقه للكشف، ورؤية العالم من خلال قناع الأعمى، حيث يتخلى العالم عن براءته، فلا يجد إلا اللغة مجالًا للإشباع، ولتعقب الأشياء وهي تتحول، وعلى نحو يزداد فيه منسوب التوتر الشعري، كونه طقسًا متعاليًا، يتجاوز عبره الشاعر المطابقة إلى الاختلاف، والكائن إلى الكينونة، والعمومي إلى اليومي، والطبيعي إلى الثقافي، والتاريخي إلى الوجودي، وباتجاه تبدو فيه فكرة التجاوز هي جوهر هذا التوتر.

ثيمة “النفخ في الزجاج” ليست بعيدة عن الخرق، فهذا النفخ يستدعي المثيولوجي، مثلما يستدعي الغائب بالمعنى العرفاني، حيث تتشكل فيه وظيفة الاستدعاء عبر مستوى تمثيلي ينهل من سيرة الشاعر الذي يشبه “نافخ الحياة في المعنى”، وعبر مستوى بنائي تتنافذ فيه الجملة التصويرية مع الجملة الأيديولوجية، إذ لا يمكن عزل الشاعر عن وعيه للوجود، ولما يستغرقه من صراعات، فيكتب الشاعر عن قلقه، وعن لحظات الخلق/ النفخ التي يجعلها “الأعمى” عتبة لاكتشاف العالم والجسد، وخرق ما يتخفى وراء الحجب، إذ يعيش “اليقظة” بوصفها سؤالًا وجوديًا، يقوم على استفزاز المألوف، واستدعاء الرؤيا، والإيهام بتقويض الخوف الذي جعله حذرًا، متوجسًا، مرعوبًا، مكشوفًا، مرتجفًا.

“أنام مع جسدي منذ سنين بعين مواربة،/ الأخرى تتلفت./ تسقط حبة من عنقود الأحبة. يوقظني الدوي في لحمي. أرى يدي تتفقد مفجوعة ضواحيها العزلاء. أذني ترتجف مثل رأس قطة مرعوبة”.

أنسنة التفاصيل ليست بعيدة عن لعبة الشعر، فالأعمى يتحول إلى كشّاف ذلك المخفي خلف الممنوع والمستور

أنسنة التفاصيل ليست بعيدة عن لعبة الشعر، فالأعمى يتحول إلى كشّاف ذلك المخفي خلف الممنوع والمستور، وقناعه ينسحب إلى المناورة، حيث فضح الغائب عبر الحاضر، لكي يرى العالم ليس كما يراه الآخرون، إذ ينفتح النص على مدار استعاري، تتسع عبره رؤيا الشاعر الوجودية، ليس إلى المعرفة المطلقة، بل إلى استغوار العالم، وإلى تأويله عبر وظائف الاستعارات والأقنعة، وعبر تمثيل علاقته بتلك الرؤيا، حيث يكون الشاعر هو ذاته حامل قناع الأعمى، في البحث عن أسرار الخلق، وأسرار الغياب، وفي أن يكون “فرحه” هو جوهر المفارقة الشعرية في الكشف عن النقائض، وأن يرى بالبصيرة ما يغيب عن الآخرين…

“انفخ روحك في قصبتك/ افرح بأنك الأعمى،/ افرح بأنك تضع يدك على كتف الأشياء،/ دائمًا من الجهة الخطأ،/ ليس مهمًّا أنك لا تعرف ثمن الرغيف المرّ،/ لا ثمن اللدغة، لا ثمن النجمة تخور في سمائهم./ المهم أن تعرف أنك مهما رخُصت عليهم، فلا تقدّر بثمن”.

ما يصنعه الأعمى يتحول إلى حدس بالآتي، وعلى نحو تنطوي رؤياه على حكمة الكشف/ النور، وعلى طقوس التطهير والخلاص، فبقدر ما تتحول سيرته إلى عتبة يخرق من خلالها “العتمة” أو يغني محتجًا، رائيًا على طريقة “الشيخ إمام”، ذلك المغني الذي يشبه “نافخ الزجاج”، فكلاهما يرى العالم عبر الصوت، الأول يغني والآخر ينفخ، والشاعر يستعير قناعهما ليواجه العالم، مسكونًا بنداء غامض، يجعل من الفعل “تعرَّ” دافعًا للتطهير، ولمواجهة الموت/ الغياب، ومن الصوت مجسًا لاستشعار ما يحمله الجسد، والتعرف على حمولاته الدلالية، وعلى بواعثه المقموعة، حيث يكون الفعل قرينًا بإحياء هذا الجسد، والصوت/ الغناء/ النفخ قرينًا بالاعتراف والخلاص والشغف بحلم يخضر من جديد.

“تعرَّ قبل أن تفجعني فيك، قالت، تجرد من قماش الحياة، انغمس في مياهها الخاطئة، أنصت إلى جسدك يغرد./ تعرَّ تمامًا قبل أن تفجعني فيَّ، اتبع صوتك كما تتبع فراشة في الحقل./ انتظر أن يحط الصوت على حلم جاف، اغرس الحلم في قلبك وغنِّ./ اعزف على أوجاعك، داعبها بغصن الحلم، غنِّ، يخضر الحلم من جديد”.

8