صفقة بولس والمسار التأسيسي.. من يضمن ألا يصبح المؤقت دائماً؟

قبل أن نتنافس على من يحكم ليبيا، علينا أن نتفق أولاً على كيف تُحكم ليبيا.
السبت 2026/09/26
المؤقت في ليبيا أثبت قدرة استثنائية على البقاء

يكثر الحديث في ليبيا هذه الأيام عن مبادرة المستشار الأميركي مسعد بولس، وعن الجهود الرامية إلى تقريب مراكز السلطة في الشرق والغرب، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة الطريق أمام الانتخابات. وفي بلد أنهكته سنوات الانقسام، يبدو البحث عن مخرج أمراً طبيعياً، بل ضرورياً. فالليبيون لم يعودوا بحاجة إلى اتفاق جديد لمجرد أن يكون هناك اتفاق، وإنما إلى مسار يقود فعلاً إلى نهاية المرحلة الانتقالية، ويضع البلاد على طريق الدولة المستقرة.

لكن وسط الحديث عن الأسماء والترتيبات والصفقات السياسية، يبرز سؤال أكثر أهمية من تفاصيل توزيع المناصب: إذا كانت المرحلة المقبلة انتقالية، فمن يضمن أنها ستنتهي فعلاً؟

السؤال لا يتعلق بموقف مسبق من مبادرة بولس، ولا يراد به تأييدها أو رفضها، كما أنه ليس موجهاً ضد شخص بعينه. إنه سؤال فرضته التجربة الليبية نفسها. فمنذ 2011 دخلت البلاد في سلسلة متعاقبة من المراحل الانتقالية والاتفاقات والسلطات المؤقتة، وكان الهدف المعلن في كل مرة واضحاً تقريباً: بناء مؤسسات موحدة، وضع قواعد دستورية، إجراء انتخابات، ثم تسليم السلطة إلى مؤسسات تستمد شرعيتها من الليبيين.

لكن ما حدث أن «المؤقت» في ليبيا أثبت قدرة استثنائية على البقاء. كل مرحلة انتقالية كانت تقدم باعتبارها جسراً إلى الدولة، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة تحتاج بدورها إلى اتفاق جديد كي تنتهي. وهكذا أصبحت البلاد تدور في دائرة تتغير فيها الحكومات والمجالس والأسماء، بينما تبقى المشكلة الأساسية على حالها: كيف ننتقل من سلطة مؤقتة إلى دولة لا تحتاج كل بضع سنوات إلى إعادة اختراع شرعيتها؟

في هذا السياق تتحرك المبادرة الأميركية التي يقودها بولس باتجاه تقريب مراكز القوة الموجودة في الشرق والغرب، والدفع نحو توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات. وقد دعم بولس في وقت سابق اتفاق الميزانية الموحدة، فيما واصلت واشنطن الدفع باتجاه توحيد مؤسسات الدولة والانتقال إلى انتخابات وطنية.

وفي مسار موازٍ، وقعت الأطراف الليبية في 30 أغسطس اتفاقاً برعاية الأمم المتحدة يتضمن العمل على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً، في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.

من حيث المبدأ، يصعب أن يختلف الليبيون على الهدف: دولة موحدة وانتخابات وإنهاء الانقسام. لكن المشكلة الليبية لم تكن في غياب الأهداف، وإنما في العجز عن تحويلها إلى مسار قابل للتنفيذ، وفي قدرة القوى السياسية على إعادة فتح القضايا نفسها كلما اقترب موعد الحسم.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل ينبغي أن نبدأ بتقاسم السلطة ثم نبحث لاحقاً عن قواعد الدولة، أم ينبغي أن نضع أولاً القواعد التي ستحدد شكل الدولة وصلاحيات مؤسساتها، ثم نبني عليها السلطة المنتخبة؟

هذا هو جوهر النقاش حول المسار التأسيسي.

المشكلة الليبية ليست في غياب الأهداف بل في غياب الضمانات؛ فالمؤقت يتحول دائماً إلى دائم والانتقال يتعثر كل مرة عند لحظة الحسم

يمكن تبسيط الفكرة من خلال صورة البيت. ليس من الصعب أن يجتمع عدد من الأشخاص حول طاولة ليتفقوا على من يسكن الطابق الأول ومن يحصل على الطابق الثاني، ومن يملك الحديقة ومن يستخدم غرفة الجلوس. لكن إذا كان أساس البيت نفسه غير مكتمل، فإن الاتفاق على توزيع الغرف لن يحل المشكلة.

الدولة هي البيت، والدستور والقواعد والمؤسسات هي الأساس.

ولذلك فإن المسألة لا تتعلق فقط بمن يتولى رئاسة الحكومة أو من يحصل على موقع في مجلس جديد، وإنما بالقواعد التي ستحدد حدود سلطة هؤلاء، وطريقة انتقال السلطة منهم إلى غيرهم، والضمانات التي تمنع المؤقت من التحول إلى دائم.

ومن المهم هنا ألا نقع في الاختزال الذي يحول الأزمة الليبية إلى صراع بين الشرق والغرب أو إلى مشكلة مرتبطة بشخص أو عائلة أو منطقة بعينها. فقد أدارت القوى السياسية في الشرق والغرب أجزاء من مؤسسات الدولة خلال سنوات المرحلة الانتقالية، وكانت الحصيلة استمرار الانقسام وتأخر الانتخابات وبقاء مؤسسات الدولة عرضة للتجاذب.

والوقائع، في هذه الحالة، أكثر فائدة من الاتهامات.

بدلاً من الدخول في سجال لا ينتهي حول من يتحمل المسؤولية الأكبر، يمكن طرح مجموعة أسئلة أكثر مهنية: ماذا أنجزت القوى التي تولت إدارة البلاد؟ هل توحدت مؤسسات الدولة؟ هل أصبحت المؤسسات السيادية بمنأى عن الصراع السياسي؟ هل جرت الانتخابات التي ينتظرها الليبيون منذ سنوات؟ وهل أصبح انتقال السلطة قاعدة طبيعية أم ما زال يحتاج في كل مرة إلى صفقة جديدة وتوافق جديد؟

هذه الأسئلة لا تحتاج بالضرورة إلى اتهام أحد بالفساد أو سوء النية. فالحصيلة السياسية وحدها كافية لفتح باب المساءلة.

وحتى الاتفاق الأخير الذي رعته الأمم المتحدة، رغم أنه وضع سقفاً زمنياً للانتخابات، يترك سؤالاً جوهرياً حول الكيفية التي ستتشكل بها السلطة التنفيذية الموحدة التي يفترض أن تجرى الانتخابات في ظلها. وهنا تظهر واحدة من العقد الأساسية في التجربة الليبية: ليس من الصعب دائماً الاتفاق على ضرورة وجود سلطة موحدة، لكن الصعوبة تكمن في الاتفاق على كيفية تشكيلها، ومن يملك حق اختيارها، وما حدود ولايتها، وما الذي يحدث إذا اختلفت القوى السياسية على مكوناتها.

ولهذا فإن كلمة «مؤقت» وحدها لا تكفي.

إذا كانت السلطة الجديدة مؤقتة، فما الذي يجعلها كذلك؟ هل هناك موعد نهائي لا يمكن تمديده؟ هل توجد ضمانات قانونية وسياسية واضحة؟ من يراقب تنفيذ الاتفاق؟ ماذا يحدث إذا رفض أحد الأطراف إجراء الانتخابات؟ ماذا يحدث إذا خسر أصحاب السلطة الانتخابات؟ وهل توجد آلية ملزمة تضمن انتقال السلطة إلى من يختاره الناخبون؟

هذه الأسئلة هي جوهر القضية، لأنها تتعلق باللحظة التي تبدأ فيها الانتخابات وتنتهي فيها الترتيبات الانتقالية.

المسار التأسيسي يطرح سؤال الدولة قبل سؤال السلطة؛ كيف تُحكم ليبيا وما حدود الصلاحيات وكيف يُضمن انتقال السلطة السلمي بعيداً عن الصراع السياسي.

فالانتخابات ليست مجرد يوم يذهب فيه المواطن إلى صندوق الاقتراع. الانتخابات تصبح ذات معنى عندما يكون لدى الجميع استعداد مسبق لقبول نتائجها، بما في ذلك أولئك الذين كانوا في السلطة وخسروا الانتخابات. أما إذا كانت الانتخابات مقبولة فقط عندما تنتج النتيجة المرغوبة، فإنها تتحول من وسيلة لتداول السلطة إلى جولة جديدة من الصراع عليها.

ولهذا فإن السؤال ينبغي ألا يوجه إلى طرف واحد، وإنما إلى كل من يريد أن يدخل المرحلة الانتقالية المقبلة: هل أنتم مستعدون منذ اليوم الأول لتسليم السلطة عندما تنتهي ولايتكم؟

وهنا تظهر أهمية المسار التأسيسي.

المسار التأسيسي لا يبدأ بالسؤال عمن سيكون الرئيس، ولا بمن سيشكل الحكومة، وإنما بالسؤال الأعمق: كيف نريد أن تكون الدولة الليبية؟

ما شكل نظام الحكم؟ ما حدود صلاحيات الرئيس؟ ما صلاحيات الحكومة والبرلمان؟ كيف تكون المؤسسة العسكرية والأمنية تحت سلطة الدولة؟ كيف توزع الثروة؟ كيف تحمى المؤسسات السيادية من التسييس؟ كيف تنظم الانتخابات؟ وما القواعد التي تضمن انتقال السلطة بصورة سلمية عندما يخسر من كان في الحكم؟

هذه ليست أسئلة دستورية نخبوية، ولا ترفاً سياسياً يمكن تأجيله إلى ما بعد تشكيل الحكومة. إنها الأسئلة التي تحدد ما إذا كانت ليبيا ستبني دولة أم ستكتفي بإعادة ترتيب مراكز القوة داخل مرحلة انتقالية جديدة.

لقد جربت ليبيا تغيير الحكومات والمجالس والأسماء. لكن تغيير الاسم لا يعني تغيير النظام. وإذا انتقلنا من حكومة إلى حكومة، ومن مجلس إلى مجلس، ومن ترتيب مؤقت إلى ترتيب مؤقت، بينما تبقى قواعد اللعبة غامضة والمؤسسات منقسمة، فإننا نكون قد غيرنا الأشخاص من دون أن نغير المشكلة.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي حول مبادرة بولس لا ينبغي أن يتوقف عند: من سيحصل على أي منصب؟

السؤال الأهم هو: ماذا سيأتي بعد هذه المناصب؟

إذا كانت الترتيبات الحالية مجرد جسر إلى الانتخابات، فما الضمانات التي تجعل الجسر يقود فعلاً إلى الانتخابات ولا يتحول إلى طريق جديد مفتوح بلا نهاية؟

هذه النقطة تحديداً هي ما ينبغي أن يشغل المواطن الليبي. فهو الذي ينتظر الكهرباء والسيولة والخدمات وفرص العمل والأمن، وليس معنياً كثيراً بعدد الاجتماعات التي تعقدها النخب السياسية أو بعدد الشخصيات التي تجلس حول الطاولة. المواطن يريد أن يعرف متى تنتهي المرحلة الانتقالية، ومن يقرر نهايتها، وما الضمانات التي تمنع من يصل إلى السلطة اليوم من البحث غداً عن مبررات للبقاء فيها.

لذلك لا ينبغي قياس نجاح أي مبادرة بعدد الاجتماعات التي عقدت، ولا بعدد الشخصيات التي شاركت فيها، ولا حتى بعدد البيانات التي صدرت عنها. المعيار الأكثر أهمية هو أبسط من ذلك كله: هل اقتربت ليبيا من الدولة، أم اقتربت من مرحلة انتقالية جديدة؟

نجاح أي مبادرة لا يُقاس بالاجتماعات أو الأسماء بل بالنتائج؛ هل اقتربت ليبيا من بناء دولة مستقرة أم من مرحلة انتقالية جديدة بلا نهاية؟

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مساري بولس والتأسيسي باعتبارهما مسارين متداخلين أكثر منهما متعارضين بالضرورة. فالمبادرة الأميركية، وفق ما يظهر من التحركات المعلنة، تركز على تقريب مراكز القوة القائمة وتوحيد المؤسسات والدفع نحو الانتخابات. أما المسار التأسيسي فيركز على القواعد التي تقوم عليها الدولة نفسها، بحيث لا تكون الانتخابات مجرد وسيلة لاختيار أشخاص، وإنما جزءاً من بناء نظام سياسي قادر على الاستمرار.

ولا حاجة إلى وضع المسارين في مواجهة مصطنعة. فقد يكون توحيد المؤسسات شرطاً للوصول إلى الانتخابات، وقد تكون الانتخابات شرطاً لاكتساب المؤسسات شرعيتها. لكن يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: ما القواعد التي تحكم هذه العملية كلها؟

لأن توحيد المؤسسات من دون قواعد واضحة قد ينتج سلطة موحدة، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تكون هذه السلطة قابلة للتداول. وإجراء الانتخابات من دون معالجة القواعد الأساسية للدولة قد ينتج مؤسسات منتخبة، لكنه لا يضمن وحده أن تتوقف الصراعات على الشرعية أو أن تقبل الأطراف بنتائج الصندوق.

ربما تكون اللحظة الحالية فرصة للخروج من لغة الأشخاص إلى لغة الدولة. لا نحتاج إلى أن نسأل فقط من جاء من الشرق ومن جاء من الغرب، ولا إلى تحويل النقاش إلى اتهامات متبادلة بالفساد أو الفشل من دون أدلة. المطلوب هو أن نسأل عن النتائج والضمانات والقواعد التي ستحدد مستقبل الدولة.

السياسي الذي يدخل مرحلة انتقالية يجب أن يعرف منذ اليوم الأول أن مهمته ليست البقاء في السلطة، وإنما إنهاء المرحلة التي جاء من أجلها. والمواطن يجب أن يعرف منذ اليوم الأول متى تنتهي المرحلة، وكيف تنتهي، ومن يملك حق انتخاب من سيأتي بعدها.

وهنا يعود المسار التأسيسي إلى صلب النقاش: قبل أن نتنافس على من يحكم ليبيا، علينا أن نتفق أولاً على كيف تُحكم ليبيا.

فإذا نجح أي اتفاق في توحيد المؤسسات وفتح الطريق أمام انتخابات حقيقية وانتقال سلمي للسلطة، فسيكون خطوة باتجاه الدولة. أما إذا أصبح «المؤقت» مجرد عنوان جديد لمرحلة أخرى بلا نهاية واضحة، فإن ليبيا ستجد نفسها مرة أخرى أمام المشكلة القديمة نفسها، حتى لو تغيرت الأسماء والمواقع.

وفي النهاية، لا يتعلق السؤال بالشرق أو الغرب، ولا بشخص أو عائلة، ولا بمبادرة أميركية أو تفاهم ليبي. إنه سؤال الدولة الليبية نفسها: من يضمن أن الذين يتفقون اليوم على تقاسم السلطة سيتفقون غداً على تسليمها؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي صفقة، وأي مبادرة، وأي مرحلة انتقالية مقبلة.

فليبيا لا تحتاج إلى مؤقت جديد يطول عمره، وإنما إلى مرحلة تعرف منذ ولادتها متى تبدأ، وماذا تنجز، ومتى تنتهي، ومن يملك حق إنهائها.