عندما يصبح صمام نفط صغير صماماً للدولة الليبية

العبث بأي جزء من هذا الشريان لا يهدد قطاع النفط وحده، بل يكشف هشاشة النظام الذي تقوم عليه الدولة.
الخميس 2026/09/24
إغلاق صمام نفطي واحد يكشف هشاشة الدولة الليبية

صمام صغير على خط أنابيب يمكن أن يتحول إلى خبر سياسي، ثم إلى أزمة إنتاج، ثم إلى تهديد للإيرادات العامة، ثم إلى ضغط على سعر الصرف، وفي النهاية إلى مشكلة يشعر بها المواطن في سعر الوقود والكهرباء والسلع.

إنها المفارقة الليبية التي تجعل النفط أكثر من مجرد مورد طبيعي، لذلك فإن العبث بأي جزء من هذا الشريان لا يهدد قطاع النفط وحده، بل يكشف هشاشة النظام الذي تقوم عليه الدولة.

في 21 سبتمبر، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن مجموعة مسلحة أغلقت الصمام رقم 7 على خط أنابيب ينقل خام حقل الشرارة إلى ميناء الزاوية، ما أدى إلى خفض كبير في تدفقات الخام من أحد أهم حقول البلاد. لم يكن الحدث مجرد عطل فني يمكن لفرق الصيانة أن تعالجه ثم تعود الأمور إلى طبيعتها. فحين يستطيع إغلاق صمام في منشأة إستراتيجية أن ينعكس على إنتاج بلد يعتمد اقتصادياً ومالياً على النفط، تصبح المسألة في جوهرها مسألة دولة: من يملك حق التحكم في المورد؟ ومن يملك سلطة حماية المنشآت؟ ومن يقرر متى يستمر الإنتاج ومتى يتوقف؟ والأهم، من يتحمل كلفة القرار عندما يصبح النفط رهينة للتجاذب الأمني أو السياسي؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن تتجاوز عندها ليبيا القراءة اليومية للحادثة. فالمشكلة ليست في الصمام رقم 7 وحده، ولا في المجموعة التي أغلقته وحدها، بل في النظام الذي يسمح لصمام واحد بأن يتحول إلى أداة تأثير على اقتصاد بأكمله.

فالنفط الليبي لا يعيش داخل قطاع اقتصادي مستقل عن الدولة؛ الدولة نفسها تعيش إلى حد بعيد داخله. وتلك واحدة من أكثر حقائق الاقتصاد الليبي قسوة. ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، بنحو 48 مليار برميل وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أي نحو 41 في المائة من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في القارة وفق بيانات بداية 2024. ومع ذلك، لا تزال البلاد تكافح في تأمين الكهرباء والوقود وإدارة ماليتها العامة وتحقيق استقرار مستدام في سعر صرف عملتها.

لا توجد مفارقة أكثر ليبية من هذه: بلد يجلس فوق بحر من النفط، لكنه يستطيع أن يجد نفسه في طوابير الوقود؛ بلد يصدّر خاماً عالي الجودة إلى الأسواق الخارجية، لكنه يستورد كميات كبيرة من المنتجات النفطية التي يحتاج إليها في الداخل؛ بلد يمكن أن ترتفع إيراداته عندما ترتفع أسعار النفط، لكن ارتفاع الإيرادات نفسه قد لا يعني بالضرورة أن الخدمات العامة ستتحسن أو أن الاقتصاد سيصبح أكثر إنتاجية.

هذه ليست مفارقة جغرافية أو قدرية، بل نتيجة لنموذج اقتصادي تراكمت داخله الاختلالات على مدى سنوات.

الدولة التي تعتمد على النفط تحتاج إلى حماية النفط لكن الدولة التي تريد البقاء لا بد أن تحمي نفسها من الاعتماد على النفط

فقد أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن ليبيا، رغم امتلاكها طاقة تكريرية اسمية تبلغ نحو 380 ألف برميل يومياً عبر خمس مصافٍ، كانت تنتج في 2023 نحو 130 ألف برميل يومياً فقط من المنتجات النفطية، أي قرابة ثلث القدرة الاسمية، بسبب الأضرار التي لحقت بالمصافي وبطء إعادة تأهيلها. وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال المصافي. لماذا تصدّر ليبيا المادة الخام وتستورد جزءاً مهماً من القيمة التي كان يمكن أن تضيفها إلى اقتصادها في الداخل؟

الجواب يقود مباشرة إلى أزمة الدولة.

فالاقتصاد الذي يصدر الخام ثم يستورد المنتجات المكررة لا يعاني فقط من نقص في البنية التحتية. إنه يعاني من نموذج اقتصادي يستهلك الريع أسرع مما يبني القدرة الإنتاجية. وقد أصبحت فاتورة الطاقة نفسها واحدة من أكثر الأمثلة وضوحاً على هذه المفارقة. وبحسب صندوق النقد الدولي، بلغت فاتورة دعم الطاقة المباشر في 2024 نحو 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما قُدرت فاتورة دعم الطاقة الأوسع، عند احتساب النفط الخام المكرر محلياً والغاز المستخدم في توليد الكهرباء، بنحو 17 مليار دولار، أي نحو 35 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

عند هذه النقطة يصبح النفط مرآة للدولة بأكملها.

وهو ما يعكس قدرة الدولة على جمع الإيرادات، لكنه يعكس أيضاً قدرتها على إنفاقها. يعكس قدرتها على حماية المنشآت، لكنه يكشف في الوقت نفسه حدود سلطتها الأمنية. يوفر العملة الأجنبية، لكنه يجعل الاقتصاد شديد الحساسية لأي اضطراب في الإنتاج أو الأسعار. ويمكن أن يمول التنمية، لكنه يستطيع أيضاً أن يتحول إلى وسيلة لإدامة الاعتماد على الإنفاق العام.

ولهذا فإن المشكلة الحقيقية في ليبيا ليست أن النفط مهم أكثر مما ينبغي فحسب، بل أن الدولة لا تزال مرتبطة به بطريقة تجعل كل اضطراب في النفط اضطراباً محتملاً في الدولة.

توضح أرقام البنك الدولي مدى عمق هذه العلاقة. ففي 2024 شكلت المحروقات نحو 65 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، و93 في المائة من الصادرات، و72 في المائة من الإيرادات، بينما ظل القطاع الخاص ضعيفاً، ولم يتجاوز نصيبه نحو 14 في المائة من قوة العمل.

قد تبدو الزيادة في الإنتاج هدفاً بديهياً لبلد نفطي. لكن ليبيا تحتاج إلى أن تسأل سؤالاً مختلفاً قبل أن تسأل: كم برميلاً نستطيع أن ننتج؟

السؤال هو: ماذا سنفعل بهذا البرميل عندما ننتجه؟

فإذا كان المزيد من النفط يعني مزيداً من الإنفاق الجاري، ومزيداً من الوظائف العامة، ومزيداً من الدعم، ومزيداً من الاعتماد على الواردات، فإن زيادة الإنتاج قد تؤجل المشكلة بدلاً من حلها. أما إذا تحول النفط إلى رأسمال يبني الطرق والموانئ والمصانع والطاقة والتعليم والصحة والتكنولوجيا والقطاع الخاص، فإنه يمكن أن يصبح نقطة انطلاق نحو اقتصاد أقل اعتماداً عليه.

الأزمة ليست في أن ليبيا بلد نفطي.الأزمة أن النفط ما زال قادراً على أن يقرر وحده تقريباً متى تتنفس الدولة ومتى تختنق

وهذا الفرق هو الفاصل بين الدولة التي تستخدم النفط والدولة التي يستخدمها النفط.

في الحالة الأولى، يصبح النفط أداة للتنمية. وفي الثانية، تصبح الدولة جهازاً لإدارة الريع وتوزيعه.

ومن هنا أيضاً تأتي العلاقة الحساسة بين النفط والدينار.

عندما تدخل إيرادات النفط إلى الاقتصاد، فإنها لا تعني فقط زيادة دخل الدولة؛ إنها تعني تدفقات من العملة الأجنبية يمكن أن تؤثر في سوق الصرف، وفي قدرة المصرف المركزي على تلبية الطلب على النقد الأجنبي، وفي استقرار الدينار، وفي أسعار السلع المستوردة. وعندما يتعطل الإنتاج أو تتراجع الإيرادات أو ترتفع النفقات بصورة لا تتناسب مع الموارد المتاحة، تتسع الاختلالات.

وقد حذر صندوق النقد الدولي في مراجعته لعام 2026 من أن الاختلالات المالية الليبية أصبحت مصدراً رئيسياً لضغوط سعر الصرف والاحتياطيات والتضخم. فقد بلغ العجز المالي نحو 30 في المائة من الناتج في 2025، وارتفع الدين العام إلى نحو 146 في المئة من الناتج، بينما ظل الفرق بين سعر الصرف الرسمي والموازي كبيراً نتيجة استمرار الطلب الزائد على العملة الأجنبية. وحذر الصندوق من أن الاعتماد على خفض قيمة العملة أو استنزاف الاحتياطيات لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح المالية العامة.

وهنا تظهر الحقيقة التي كثيراً ما تضيع وسط النقاش السياسي اليومي: النفط لا يدخل الاقتصاد الليبي من باب واحد.

يدخل أولاً بوصفه إنتاجاً وصادرات. ثم يتحول إلى إيرادات عامة. ثم يصبح إنفاقاً. ثم يتحول جزء منه إلى طلب على الواردات والعملات الأجنبية. ثم يظهر أثره في سعر الصرف والأسعار والاحتياطيات. وبعد ذلك يعود أثر كل هذه السلسلة إلى المواطن.

أي أن الصمام الموجود في حقل نفطي بعيد ليس بعيداً فعلياً عن جيب المواطن.

عندما يتوقف النفط، لا يتوقف رقم في تقرير المؤسسة الوطنية للنفط فقط. تتأثر قدرة الدولة على تمويل الإنفاق. وعندما تتأثر المالية العامة، تظهر ضغوط على العملة. وعندما تتأثر العملة، ترتفع تكلفة الاستيراد. وعندما ترتفع تكلفة الاستيراد، يشعر المواطن بذلك في الغذاء والدواء والسلع والخدمات. وبين الصمام والسوق مسافة جغرافية شاسعة، لكنها اقتصادية قصيرة جداً.

لهذا تبدو حماية المنشآت النفطية جزءاً من حماية الاقتصاد الوطني، لا مجرد مهمة أمنية.

لكن حماية النفط لا تعني فقط وضع المزيد من الحراس حول الأنابيب والحقول. إنها تعني إزالة النفط من دائرة المساومة السياسية قدر الإمكان. فإذا ظل الإنتاج قابلاً للتعطيل كلما نشأ خلاف حول الرواتب أو الصلاحيات أو الترتيبات الأمنية أو توزيع الموارد، فإن المستثمر سيحسب المخاطر، والمصرف سيحسب المخاطر، والمواطن سيدفع ثمنها في النهاية.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين: الدفاع عن حق العاملين والمناطق والمؤسسات في المطالبة بحقوقها، وبين تحويل المنشآت النفطية إلى أدوات ضغط على الاقتصاد الوطني. الأول جزء من السياسة العامة والمجتمع، أما الثاني فيجعل الاقتصاد كله رهينة لميزان قوة متغير.

وهذا ما يجعل المؤسسة الوطنية للنفط أكثر من شركة تنتج الخام. إنها، في الواقع، إحدى آخر المؤسسات التي يتوقف عليها استمرار تدفق المورد الذي يمول الدولة. ولذلك فإن استقلالها المهني، ووضوح قواعدها، وحماية منشآتها، وشفافية عملياتها، ليست مسائل إدارية ثانوية، بل عناصر من الأمن الاقتصادي الليبي.

بلد يملك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا يعاني من نقص الوقود ويستورد منتجات مكررة رغم تصديره خامًا عالي الجودة

لكن المؤسسة الوطنية للنفط لا تستطيع وحدها إصلاح ما هو أكبر منها.

فالمشكلة موزعة بين الإنتاج والإنفاق والعملة والرقابة. وهنا تظهر أهمية المؤسسات المالية الليبية، وفي مقدمتها المصرف المركزي ووزارة المالية وديوان المحاسبة، إلى جانب المؤسسة الوطنية للنفط وغيرها من أجهزة الدولة. المطلوب ليس أن تنتصر مؤسسة على أخرى، بل أن تعمل هذه المؤسسات داخل منظومة واحدة يمكنها أن تجيب عن الأسئلة الأساسية: كم دخل من النفط؟ كم أنفق؟ أين ذهب؟ ما الذي تم تمويله؟ وما الذي أضيف إلى الاقتصاد في مقابل كل دينار أو دولار أنفقته الدولة؟

هذه الأسئلة قد تبدو بيروقراطية، لكنها في الحقيقة أسئلة سياسية واقتصادية من الدرجة الأولى.

فالشفافية في اقتصاد نفطي ليست ترفاً. إنها إحدى أدوات حماية النفط من التحول إلى مصدر للصراع.

كما أن الإصلاح المالي لا يمكن أن يكون مجرد محاولة لتقليص النفقات بطريقة محاسبية. فصندوق النقد الدولي يرى أن الأجور ودعم الطاقة يمثلان أعباء استثنائية على المالية العامة، إذ يعادل بند الأجور نحو 30 في المئة من الناتج، بينما يبلغ دعم الطاقة نحو 20 في المئة منه. الإصلاح الحقيقي هنا لا يعني ببساطة خفض الإنفاق، بل إعادة تعريف وظيفة الدولة: ما الذي يجب أن تموله؟ وما الذي يجب أن يترك للقطاع الخاص؟ وكيف يمكن تحويل جزء من الإنفاق الجاري إلى استثمار منتج؟

هذه هي المعركة التي ينبغي أن تخوضها ليبيا بعد أن تتجاوز أزمة الصمام رقم 7.

الصمام الذي يجب أن تعمل ليبيا على حمايته ليس الصمام الموجود على خط الأنابيب فقط.

إنه الصمام الاقتصادي الذي يمنع الريع من التحول إلى إنفاق بلا نهاية.

صمام يربط الإيراد بالاستثمار، والإنفاق بالإنتاج، والعملة بالاستقرار، والثروة العامة بالمصلحة العامة.

وإذا نجحت ليبيا في بناء هذا الصمام، فلن تصبح أقل نفطية بالضرورة، لكنها ستصبح أقل ارتهاناً للنفط.

وهذا هو الهدف الحقيقي للتنويع.

ليس أن تتوقف ليبيا عن استخراج النفط، بل أن يصبح النفط واحداً من مصادر القوة في الدولة، لا الدولة نفسها.

فالبلد الذي يملك 48 مليار برميل من الاحتياطيات يستطيع أن يبني ثروة هائلة، لكن الثروة ليست هي البراميل الموجودة تحت الأرض. الثروة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع الدولة تحويل تلك البراميل إلى مدارس وموانئ ومصانع وشبكات كهرباء ومؤسسات وقطاع خاص وفرص عمل ومدخرات للأجيال المقبلة.

عندها فقط يتحول النفط من صمام للشرارة إلى صمام للاقتصاد.

وعندها فقط يمكن أن يصبح إغلاق صمام واحد حادثاً في قطاع النفط، لا حادثاً في الدولة كلها.

وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تفهمها ليبيا قبل أن تضطر إلى تعلمها مرة أخرى بالطريقة الأصعب: الدولة التي تعتمد على النفط تحتاج إلى حماية النفط، لكن الدولة التي تريد البقاء لا بد أن تحمي نفسها من الاعتماد على النفط.

فالأزمة ليست في أن ليبيا بلد نفطي. الأزمة أن النفط ما زال قادراً على أن يقرر، وحده تقريباً، متى تتنفس الدولة ومتى تختنق.