داعش بعد داعش… من يملك حق العفو وحق المحاسبة؟

في زمن الحرب كان السؤال من يقاتل من، أما في زمن الدولة فيصبح السؤال من يتحمل المسؤولية، ومن يستحق العفو
السبت 2026/09/26
لا أحد فوق القانون، ولا أحد يُدان بلا دليل

ربما يكون السؤال الأكثر استفزازاً في سوريا اليوم هو أيضاً السؤال الذي يصعب الهروب منه: هل انتهى زمن داعش، أم أن بعض أسئلة داعش بدأت الآن فقط؟ فحين تنتهي الحرب لا تنتهي بالضرورة الأسئلة التي خلفتها الحرب، ولا تختفي الأسماء التي ظهرت في سنوات الفوضى، ولا يصبح الماضي أقل أهمية لمجرد أن السلطة تغيرت أو أن البنادق صمتت. ما يتغير هو طبيعة السؤال نفسه: في زمن الحرب كان السؤال من يقاتل من، أما في زمن الدولة فيصبح السؤال من يتحمل المسؤولية، ومن يستحق العفو، ومن تجب محاسبته، ومن يملك أصلاً حق اتخاذ القرار في الحالتين.

هذا هو المعنى الأوسع للجدل الذي أثارته إعادة محمد صبحي الناشف إلى منصبه مديراً للإعلام الرقمي في محافظة الرقة، بعد أن كان قد عُيّن في يوليو الماضي ثم أُحيل إلى التحقيق على خلفية شكاوى واتهامات تتعلق بماضيه خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة. وتقول منصة «تأكد»، نقلاً عن مصدر حكومي، إن التحقيق الذي أجرته جهات في الأمن الداخلي وقسم مكافحة الإرهاب انتهى إلى عدم كفاية الأدلة لإثبات الاتهامات، ولذلك صدر قرار بإعادته إلى منصبه. وفي المقابل، تحدث ناشطون عن عمله السابق مصوراً أو مراسلاً لصالح وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، بينما ينفي الناشف انتماءه إلى داعش، ويقول إن الصورة القديمة المتداولة التي يظهر فيها في محيط مشهد يضم رؤوساً مقطوعة لا تثبت انضمامه إلى التنظيم. ولذلك فإن تحويل هذه القضية إلى حقيقة محسومة سيكون تجاوزاً لما هو متاح من أدلة منشورة؛ لكن تحويلها في الاتجاه المقابل إلى مجرد حملة تشويه لا يقل خطورة، لأن أصل القضية يتعلق بسؤال عام يتجاوز الشخص نفسه: كيف تحقق الدولة الجديدة من ماضي شاغلي المناصب العامة؟

والسؤال هنا ليس ما إذا كان تنظيم داعش تنظيماً إرهابياً أم لا. هذه ليست منطقة رمادية في النظام الدولي القائم؛ فمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يدير منذ سنوات نظام جزاءات خاصاً بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف باسم داعش، والقاعدة والجهات والأفراد المرتبطين بهما، وتشمل التدابير تجميد الأصول وحظر السفر وحظر الأسلحة بالنسبة إلى المدرجين على القائمة. وقد جرى تحديث القائمة في سبتمبر 2026. لكن السؤال الأكثر أهمية هو ماذا نفعل بالأشخاص الذين مروا، بدرجات مختلفة، في تلك التنظيمات عندما تنتهي الحرب وتبدأ الدولة في بناء مؤسساتها؟

العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن تختصر الطريق فهي مطالبة بالتمييز بين المسؤولية الفردية والجماعية وبين العفو المشروع والمحاسبة الضرورية لضمان الشرعية

هنا يجب التمييز بين أمرين كثيراً ما يختلطان في النقاش العام: التنظيم شيء، والمسؤولية الفردية شيء آخر. وجود تنظيم مصنف ضمن منظومة الجزاءات الدولية لا يعني أن كل شخص عاش في منطقة سيطر عليها التنظيم يصبح تلقائياً مجرماً بالمعنى القضائي نفسه، كما أن مجرد اتهام شخص بالانتماء لا يمكن أن يحل محل التحقيق والأدلة والمحاكمة. المسؤولية الجنائية لا تُبنى على الصور وحدها ولا على الشائعات ولا على الانتماء الجغرافي، وإنما على أفعال محددة وأدوار محددة وأدلة قابلة للفحص. وفي الاتجاه المقابل، فإن تحويل هذه القاعدة الضرورية إلى ذريعة لمحو الماضي يمكن أن يفرغ العدالة من معناها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص شاركوا فعلياً في العنف أو الدعاية أو التجنيد أو أجهزة القمع أو غيرها من الأفعال التي ارتكبها التنظيم.

وهنا تصبح سوريا أمام معادلة شديدة الحساسية. فالدولة التي تريد أن تفتح صفحة جديدة لا تستطيع أن تحكم على ملايين البشر وفق ماضيهم السياسي أو الاجتماعي أو حتى وفق مجرد الاشتباه، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تبني مؤسساتها الجديدة على قاعدة أن كل شيء حدث في الماضي أصبح خارج الحساب. المصالحة ليست مرادفاً للبراءة، وإعادة الاندماج ليست مرادفاً لإلغاء المسؤولية، والعفو السياسي ليس بديلاً دائماً عن العدالة الجنائية. والأهم أن الدولة التي تعفو يجب أن تكون قادرة على شرح من تعفو عنه، ولماذا، وبأي قانون، وبعد أي عملية تحقق.

هذه المسألة ليست خاصة بداعش وحده. التاريخ الحديث مليء بحركات مسلحة بدأت خارج النظام السياسي، ثم تحولت في لحظة ما إلى قوى تفاوض أو أحزاب أو حكومات. بعض هذه التحولات كان جزءاً من عمليات سلام ومصالحات وطنية، وبعضها جاء بعد انتصارات عسكرية، وبعضها فرضته موازين القوى الدولية. لكن انتقال الحركة المسلحة من الحرب إلى الحكم لا يعيد كتابة الماضي بأثر رجعي. فحين تتحول جماعة مسلحة إلى سلطة سياسية، فإن ذلك قد يغير موقعها في النظام السياسي، لكنه لا يحول الجرائم التي ارتكبها أفرادها إلى أفعال مشروعة. وفي الوقت نفسه، فإن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن كل عضو سابق فيها يجب أن يبقى خارج المجتمع إلى الأبد.

الفارق الحاسم إذن ليس بين «قديم» و«جديد»، ولا بين «مقاتل سابق» و«مسؤول حالي»، وإنما بين دولة تستخدم القانون لتحديد المسؤولية ودولة تستخدم الماضي كسلاح انتقائي. الدولة الحديثة لا تقول إن الماضي لا يهم، بل تقول إن الماضي لا يُحاكم إلا وفق قواعد. وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل قضية الناشف، بصرف النظر عن نتيجة ملفه الشخصي، اختباراً لمؤسسات الدولة أكثر مما هي اختبار لشخص واحد.

إذا كانت التحقيقات قد خلصت فعلاً إلى عدم كفاية الأدلة، فإن السؤال المشروع ليس لماذا لم تتم إدانته، وإنما ما المعايير التي استند إليها التحقيق؟ وهل تنطبق المعايير نفسها على كل شخص يشغل منصباً عاماً؟ وهل يمكن للرأي العام أن يعرف، بالقدر الذي تسمح به حماية التحقيقات والخصوصية، لماذا اعتُبرت الأدلة غير كافية؟ وهل توجد آلية مستقلة للطعن أو المراجعة؟ وهل هناك فرق واضح بين شخص كان يعيش تحت سلطة داعش، وشخص كان موظفاً في مؤسساتها، وشخص كان جزءاً من جهازها الأمني أو العسكري، وشخص شارك في جرائم ارتكبها التنظيم؟ هذه الفروق ليست تفاصيل قانونية هامشية، بل هي جوهر العدالة الانتقالية.

المصالحة ليست مرادفًا للبراءة وإعادة الاندماج لا تعني إلغاء المسؤولية بل تتطلب معايير شفافة وقوانين واضحة تضمن حقوق الضحايا وتبني ثقة المجتمع

ولعل هذا هو الاختبار الأصعب أمام سوريا في المرحلة الجديدة. فالأمم المتحدة تشير إلى أن البلاد بدأت بالفعل بناء مسارات للعدالة الانتقالية، مع إنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين، فيما قالت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة بشأن سوريا إن آلاف المشتبه بارتكابهم جرائم جرى توقيفهم، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن التقدم ما زال جزئياً وأن التحديات كبيرة. وفي سبتمبر 2026 أعلنت الآلية الدولية تعميق تعاونها مع المؤسسات السورية لدعم العدالة الانتقالية والمساءلة الجنائية.

وهذا مهم لأن سوريا لا تواجه مشكلة «داعش» منفردة، بل تواجه إرث حرب طويلة شاركت فيها أطراف متعددة وارتُكبت خلالها انتهاكات واسعة. وإذا أصبحت العدالة الانتقالية انتقائية، بحيث تحاسب طرفاً وتتجاهل طرفاً آخر، فإنها قد تتحول من وسيلة لبناء الدولة إلى أداة جديدة للصراع. أما إذا تعاملت مع المسؤولية وفق معايير واحدة، فإنها تستطيع أن تفصل بين العقوبة والانتقام، وبين المصالحة والنسيان.

ثمة خطر آخر لا يقل أهمية: أن تتحول الرغبة في الاستقرار إلى اختصار للطريق. الدول الخارجة من الحروب تميل أحياناً إلى القول إن الأولوية الآن هي بناء المؤسسات، وإن فتح ملفات الماضي يمكن أن يعيد إشعال الصراع. هذه الحجة مفهومة سياسياً، لكنها تحمل في داخلها تناقضاً عميقاً؛ لأن المؤسسات التي تقوم على تجاهل الضحايا قد تحقق هدوءاً مؤقتاً، لكنها تترك تحت سطح الدولة شعوراً دائماً بأن العدالة انتقائية وأن النفوذ أهم من الحقيقة.

وفي المقابل، فإن العدالة التي تتحول إلى عملية تطهير جماعي يمكن أن تكون مدمرة أيضاً. لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا أصبح كل شخص مطالباً بإثبات براءته من الماضي لمجرد أنه عاش في مدينة كانت تحت سيطرة جماعة مسلحة. ولا يمكن تحويل الانتماء السابق، حتى عندما يكون حقيقياً، إلى عقوبة أبدية من دون النظر إلى طبيعة الدور الذي أداه الفرد، وما إذا كان ارتكب جرائم، وهل غادر التنظيم، وهل شارك في أعمال المصالحة، وما إذا كانت هناك أدلة قابلة للمحاكمة.

لهذا السبب، فإن الدولة السورية تحتاج إلى شيء أكثر تعقيداً من قائمة سوداء وقائمة بيضاء. تحتاج إلى نظام تدقيق مؤسسي يفرّق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية، وبين الانتماء والمشاركة في الجريمة، وبين من ارتكب فعلاً ومن اتُّهم ولم تثبت إدانته. تحتاج إلى معايير معلنة للتعيين في المناصب الحساسة، خصوصاً في الإعلام والأمن والقضاء والتعليم، وإلى إجراءات تحقق يمكن مراجعتها، وإلى قضاء قادر على الفصل في الاتهامات بعيداً عن ضغط الشارع أو ضغط السلطة.

اختبار الدولة بعد داعش ليس عسكريًا فقط بل قانوني وأخلاقي؛ هل تستطيع أن تحاسب حين يجب وتعفو حين يكون العفو مشروعًا وفق قاعدة واحدة؟

الإعلام تحديداً يمثل حالة شديدة الحساسية. فحين يكون الشخص المتهم بماضٍ مرتبط بتنظيم متطرف مسؤولاً عن الإعلام الرسمي أو الرقمي في مدينة عانت من حكم التنظيم، فإن القضية لا تتعلق فقط بحقه الفردي في العمل، بل أيضاً بثقة المجتمع في المؤسسة. وقد يكون من حق الدولة، بعد التحقيق، أن تقول إن الأدلة غير كافية لمنع الشخص من العمل؛ لكن من حق المجتمع أيضاً أن يطلب تفسيراً شفافاً للمعايير التي بُني عليها القرار. فالشرعية لا تُبنى فقط على صحة القرار، وإنما على قدرة المؤسسة على إقناع الناس بأن القرار اتخذ وفق قاعدة يمكن أن تطبق على الجميع.

المشكلة، في النهاية، ليست هل نعطي شخصاً وظيفة أم نمنعه منها. المشكلة هي: من يملك النظام الذي يقرر ذلك؟ إذا كان القرار قائماً على القانون والأدلة والتحقيق المستقل، فإن النتيجة، أياً كانت، يمكن الدفاع عنها داخل دولة المؤسسات. أما إذا كان القرار قائماً على الولاء أو العلاقات أو الحاجة السياسية أو الرغبة في طي الملفات، فإن إعادة التعيين تصبح رسالة أخطر من الشخص نفسه، لأنها تقول إن الماضي يمكن أن يصبح قابلاً للتفاوض بحسب موقع صاحبه.

وسوريا، بعد كل ما عاشته، لا تحتاج إلى دولة تنتقم من الماضي، لكنها تحتاج أكثر إلى دولة لا تخاف من مواجهته. فالدولة التي تقول للضحايا إن عليهم أن ينسوا كي تبدأ البلاد من جديد لن تنجح في صناعة ذاكرة وطنية مشتركة، والدولة التي تقول لكل متهم إن ماضيه يحكم عليه إلى الأبد لن تستطيع بناء مصالحة. الطريق الأصعب هو الاعتراف بأن المجتمع يحتاج إلى الاثنين معاً: عدالة لا تتحول إلى انتقام، ومصالحة لا تتحول إلى تبرئة.

لهذا فإن السؤال الحقيقي بعد داعش ليس ما إذا كان التنظيم قد هُزم عسكرياً فقط، بل ما إذا كانت الدولة التي جاءت بعده قادرة على التعامل مع إرثه بلغة مختلفة عن لغته. داعش بنى منطقه على القوة والخوف وإلغاء الآخر، والدولة لا تستطيع أن تهزمه تاريخياً بمجرد تغيير الزي واللافتات، بل بإقامة قاعدة تقول إن لا أحد فوق القانون، ولا أحد يُدان بلا دليل، ولا أحد يُمنح حصانة لأن ماضيه أصبح محرجاً للسلطة. عندها فقط تصبح نهاية داعش أكثر من نهاية تنظيم مسلح؛ تصبح بداية اختبار الدولة نفسها، واختبار قدرتها على أن تعفو حين يكون العفو مشروعاً، وأن تحاسب حين تكون المحاسبة واجبة، وأن تفعل الأمرين وفق قاعدة واحدة لا تتغير بتغير الأشخاص والظروف.