لما يلتقي الفن بالسياسة

حادثة ماكلمور أظهرت كيف يتحول الفن إلى منصة سياسية عالمية حيث تتجاوز كلمات قصيرة حدود المسرح لتصبح قضية رأي عام تتصدر الأخبار الدولية.
الجمعة 2026/09/25
امتزاج الفن بالسياسة ليس أمرا جديدا

أخيرا هدأت العاصفة التي أثارها مغني الراب الأميركي ماكلمور بعد ظهوره في افتتاح حفل أحياه نجم الغناء البريطاني ايد شيران خلال الأسبوع الأول من شهر سبتمبر في أحد ملاعب ولاية نيوجرسي الأميركية.

بدأ مسلسل الأحداث وردود الفعل الموالية بصعود ماكلمور على الركح بوصفه ضيف شرف مرددا شعار “فلسطين حرة” ومفسرا أسباب مناهضته للحرب المدمرة في القطاع.
لم تدم مداخلة ماكلمور سوى دقيقتين لكن الفنان الأمريكي استغل كل ثانية منها للتعبير بحماس عن موقفه، بالكلمات والفيديو والغناء.

تتالت ردود الفعل وردود الفعل المعاكسة إثر ذلك. بدأت بقرار شيران تعليق مشاركة ماكلمور في بقية محطات جولته الفنية وذلك تحت ضغط الممولين. تلت ذلك موجة انتقادات شديدة لشيران أجبرته في نهاية المطاف على الاعتذار على “أخطائه” والإقرار بأن الوضع الإنساني في غزة “كارثي” و”غير قابل للتبرير”.

في نفس الوقت حظي ماكلمور بحملة تضامن واسعة، ولكنه تعرض أيضا لاتهامات “بمعاداة السامية” صدرت عن عدد من المنظمات والشخصيات الموالية لإسرائيل.

كل هذه الأحداث تعرضت لها وسائل الإعلام العالمية بالتفصيل، بما أخرجها من ركن الفن والموسيقى ووضعها في صدارة الأخبار العالمية لأيام عديدة.

◄ وسائل التواصل الاجتماعي ضاعفت تأثير المداخلة إذ جعلت مقطع الفيديو أداة ضغط على الفنانين والممولين وأجبرت الجميع على اتخاذ مواقف سياسية واضح

أثار ذلك جملة من التساؤلات أولها هو لماذا انتشرت الحادثة وما تلاها من تطورات انتشار النار في الهشيم و ذلك رغم أن مداخلة مغني الراب الأميركي كانت وجيزة ومواقفه من قضية غزة معروفة من قبل.

سلطت الواقعة الضوء على ظاهرة أصبحت ترافق كل تداخل بين الفن والسياسة في أميركا وخارجها.

امتزاج الفن بالسياسة ليس أمرا جديدا. شهد العالم العربي مثلا على مدى العقود مدارس مختلفة للفن الملتزم جسمتها أغاني سيد درويش والشيخ إمام ومرسيل خليفة وفيروز وناس الغيوان والهادي قلة وغيرهم.

وفي أميركا تعود الأغاني الملتزمة على الأقل إلى بداية القرن الثامن عشر. رافقت الأغاني الحركات النقابية ثم الحركات الاحتجاجية المناهضة لحرب فيتنام والميز العنصري والمناصرة لحقوق المرأة والأقليات وغيرها من القضايا التي أثمرت أغاني رددها أمثال وودي غثري وبوب ديلن وجوان باياز وغيرهم.

شملت أغاني الفنانين الأميركيين كذلك قضايا خارج الولايات المتحدة مثل التنديد بنظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا والتضامن مع الصومال زمن المجاعة.

كل ذلك مدوّن في تاريخ الفن. ما حدث خلال العقد الأخير هو تطور نوعي للعلاقة بين الفن والسياسة في أميركا وفي العالم نتيجة عدة عوامل من أهمها دخول مواقع التواصل الاجتماعي على الخط.

حولت منصات التواصل الاجتماعي ملعب نيوجرسي إلى منبر عالمي بلا حدود. تضاعف حجم الجمهور المتابع بعد انتشار مقاطع الفيديو (التي سجلتها هواتف الحاضرين) بأكثر بآلاف المرات من الثمانين ألفا الذين حضروا الحفل.

غيرت المنصات الإلكترونية قانون اللعبة إذ غذّت النقاش حول القضايا المحلية والعالمية بشكل غير مسبوق ومكنت الأجيال الصاعدة بالخصوص من متابعة الأحداث وتكوين قناعات شخصية بخصوص مجرياتها دون حاجة لوسطاء سواء كانوا من أهل الصحافة والسياسة أو من مجموعات التأثير المختلفة.

فتحت المنصات الإلكترونية أكثر من أية وسيلة أخرى مجال التعبير أمام الفنانين وسلطت عليهم ضغوطا لا تنتهي لاتخاذ مواقف سياسية واضحة حول كل القضايا الراهنة. ووضعت كل من يريد البقاء على الحياد في موقف صعب.

◄ الواقعة أبرزت حدود رأس المال أمام قوة الرأي العام، فحتى المليارديرات اضطروا للاعتراف بالمأساة الإنسانية في غزة تحت ضغط الضوء الإعلامي العالمي

هناك مثلا ما يشبه الإجماع أميركيّا ضد الحرب الروسية في أوكرانيا. لكن ليس هناك إجماع حقيقي على موقف ما تجاه الحرب في غزة، وإن ارتفعت نسبة التعاطف مع الفلسطينيين منذ تلك الحرب. ولكنه وحتى في غياب الإجماع بقي الضغط على كل النخب بما فيها الفنانين لاتخاذ مواقف بشأنها.

لم تعد المواقف السياسية حكرا على نخبة من الفنانين اختارت سبيل الالتزام السياسي وقبلت بدفع الثمن الذي يتطلبه ذلك الالتزام.

في أميركا بالذات هناك خصوصية إضافية إذ أن “الحروب الثقافية” وحالة الاستقطاب السياسي التي شقت وتشق صفوف المجتمع دفعت أعدادا أكبر من الفنانين إلى الخوض في الشأن السياسي حتى إن كان إلمامها بمختلف القضايا سطحيا.

أظهر تدخل الملياردير روبرت كرافت المعروف بولائه لإسرائيل من أجل منع ماكلمور من مواصلة المشاركة في حفلات شيران حجم التأثير الذي يمكن أن يمارسه أصحاب رأس المال من أجل محاولة حجب المواقف التي لا تروق لهم. وهم يذكّرون دوما من هو في حاجة للتذكير بأن المواقف السياسية لها تبعاتها المادية.

لكنه لا يغيب عنهم مع تطور المجتمعات أن لتأثير ضغوطاتهم حدود.

فضغوطات كرافت لم تثن شيران عن التنديد بالمحاولات الرامية للجم حرية التعبير. ولم تمنعه من التعبير لاحقا عن موقف واضح ضد المأساة الإنسانية التي يشكلها الوضع في غزة.

ورغم الاستقطاب السياسي حول قضية غزة فقد تلا التجاذبات بخصوص حفل شيران الإعلان عن إطلاق جملة من التبرعات لفائدة قطاع غزة كان أول المساهمين فيها رجل الأعمال الأمريكي الموالي لإسرائيل روبرت كرافت نفسه.

والواضح هنا أنه نتيجة للمناخ الذي يخلقه أحيانا تقاطع الفن والسياسة لا أحد- ولو كان مليارديرا- يستطيع مقاومة الإحراج الذي يخلقه الضوء المسلط على مأساة في حجم مأساة غزة حتى إن كانت مواقفه السياسية منحازة لمعسكر آخر.