هل يدفع صعود اليمين الأوروبي إلى هجرة عكسية نحو تونس؟
مع تواتر المؤشرات على صعود اليمين في أوروبا، وخاصة في فرنسا حيث تتوقع الاستطلاعات فوز مارين لوبان زعيمة أقصى اليمين بسباق الرئاسة السنة القادمة، يتساءل البعض عما إذا كان ذلك سيدفع مغتربي شمال إفريقيا ومنهم التونسيون نحو هجرة عكسية تعود بهم إلى بلدانهم الأصلية.
مثل هذه التساؤلات دفعت مصالح الهجرة الفرنسية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي العام الماضي إلى إعداد دراسة مفصلة حول الهجرة العكسية للمغتربين التونسيين من فرنسا ودواعيها. ومن البديهي أنه لا باريس ولا بروكسيل ما كانتا لتهتما بالموضوع لو لا انعكاساته الإستراتيجية المحتملة على مصالحهما.
استنتجت الدراسة أساسا أن هناك عدة أسباب قد تدفع أقلية من المهاجرين إلى التفكير في العودة إلى تونس ولكن الأغلبية المستقرة في فرنسا لا تبدو مهتمة بالعودة .
البراغماتية هي الصفة الأساسية التي تميز سياسات الهجرة من الجانبين التونسي والفرنسي لكن التطورات السياسية تفتح الباب على احتمالات قد تقفز على هذه البراغماتية
تتطابق نتيجة الدراسة مع الأرقام الصادرة في تونس نفسها والتي لا توحي بوجود توجه قوي نحو الهجرة العكسية.
مازالت موجات المهاجرين التونسيين تعزز صفوف المغتربين. يبلغ عدد هؤلاء حاليا 1,8 مليون أي تقريبا 15 في المائة من التونسيين.
ولا تبدو هذه الموجات مؤهلة للتوقف. ويؤكد الاستطلاع الأخير للبارومتر العربي أن ما لا يقل عن 67 في المائة من الشباب التونسي دون سن الثلاثين يرغبون في الهجرة إلى الخارج يدفعهم إلى ذلك عموما الوازع الاقتصادي.
كما تقول المعطيات الرسمية إن أعداد التونسيين في المهجر تزداد سنويا بنسبة 3,7 في المائة، في الوقت الذي لا يتجاوز فيه عدد العائدين من الخارج سنويا حوالي 4 ألاف تونسي، وذلك حسب الأرقام المتعلقة بالفترة من 2019 إلى 2024.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته منذ أشهر مؤسسة إمرود كونسيلتينغ المختصة أن ما يقارب 60 في المائة من المغتربين يرفضون فكرة العودة إلى تونس. كما جاء في استطلاع آخر قبل ذلك أن حوالي 4 في المائة فقط من المهاجرين التونسيين يفكرون في العودة.
قد يتغير مزاج المهاجرين بعد انتخابات 2027 إذا ما مهد الاقتراع الرئاسي الطريق أمام مارين لوبان كي تنفذ برامجها الرامية للتضييق على المهاجرين وخاصة منهم أفراد الأقليات العربية والمسلمة.
ولكنه من المحتمل أن يبقى تأثير هذه التضييقات —رغم كل المخاوف التي يثيرها— محدودا خاصة بالنسبة إلى المهاجرين من حاملي الجنسية الفرنسية أو الحاصلين على وثائق الإقامة الدائمة. فمعظم هؤلاء تحتاجهم فرنسا مثلما هم لا يرون مستقبلهم خارج المهجر.
بالإضافة إلى ذلك فإن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الكثير من هؤلاء للهجرة ما زالت قائمة. ولعل المصاعب التي واجهها التونسيون هذا الصيف نتيجة اضطراب التزود بالماء وانقطاع التيار الكهربائي في مناطق عدة من البلاد قد تركت انطباعا لدى الكثير من المغتربين الذين جاؤوا لقضاء إجازاتهم في تونس بأن الوقت لم يحن بعد للعودة النهائية إلى بلادهم.
هناك عدة أسباب قد تدفع أقلية من المهاجرين إلى التفكير في العودة إلى تونس ولكن الأغلبية المستقرة في فرنسا لا تبدو مهتمة بالعودة
قد يبحث البعض منهم عن حلول وسطى مثل بقاء عائل الأسرة الرئيسي في المهجر بحيث يحافظ على وظيفته وامتيازاته قي بلد الإقامة إذا ما أراد الوالدان أن يدرس أبناؤهم في تونس. أو ّأن يبحث البعض عن صيغ للعمل عن بعد -ولو جزئيا دون العودة نهائيا إلى البلد الأم. وهذه الحلول الوسطى تعكس في حد ذاتها رغبة في مواصلة البقاء في المهجر مع محاولة التخفيف من الضغوط الأسرية والعاطفية التي قد تدفعهم نحو الهجرة المعاكسة .
وبالرغم من هجرة الآلاف من المهندسين والأطباء وغيرهم من أصحاب الكفاءات ليس هناك ما يشير في الوقت الحالي إلى أن التشجيع على عودة المهاجرين هو ضمن أولويات السلطات التونسية التي تواصل إطلاق برامج التدريب والتعليم للاستجابة للحاجيات الأوروبية في ميدان التشغيل، كما هي تواصل التعويل على تحويلات المغتربين التي تبلغ حوالي ثلاثة مليار دولار سنويا لتعزيز رصيدها من العملة الصعبة التي تحتاجها البلاد لتمويل وارداتها وتسديد ديونها الخارجية.
بل إن أحد الوزراء التونسيين كان واضحا وصريحا في التعبير عن رغبة في استغلال النقص الذي تعاني منه عدة بلدان أوروبية في اختصاصات مهنية محددة من أجل إبرام اتفاقيات جديدة لتشغيل الكفاءات التونسية. أشار الوزير إلى أن السوق الأوروبية ستحتاج إلى نحو 10 ملايين مختص في ميدان تكنولوجيات المعلومات والاتصال بحلول سنة 2030، معتبرا ذلك “فرصة يمكن استثمارها عبر إعداد كفاءات تونسية قادرة على الاستجابة للطلب الخارجي”.
تبقى البراغماتية هي الصفة الأساسية التي تميز سياسات الهجرة من الجانبين التونسي والفرنسي. ولكن التطورات السياسية التي قد تغير من توجهات باريس، من جهة، والهواجس الأسرية والعاطفية التي تسكن قلوب المهاجرين التونسيين، من جهة أخرى، تفتح الباب على احتمالات قد تقفز على هذه البراغماتية.