محمد القرفي: فنان تونسي تخصص في إعادة قراءة النصوص الموسيقية الخالدة
ودعت تونس فنانها الكبير المايسترو محمد القرفي، الذي وافته المنية اليوم الأحد 13 سبتمبر 2026، عن عمر يناهز 78 سنة، ومسيرة فنية وإبداعية ثرية امتدت لعقود، أسهم خلالها في إثراء الموسيقى التونسية والعربية.
وعُرف عن القرفي، العازف والمؤلف الموسيقي والقائد الأوركسترالي والباحث الأكاديمي في تاريخ الموسيقى، اهتمامه بمجال الهرمنة الموسيقية، أو ما يُعرف بالتناغم الموسيقي أو الهارموني، وهو العلم الذي يُعنى بدراسة تركيب الأصوات الموسيقية المختلفة التي تُعزف معًا في الوقت نفسه، لإنتاج تأثير صوتي متناسق ومريح للأذن.
والقرفي من مواليد تونس العاصمة في 17 نوفمبر 1948. اهتم بعالم الفن والموسيقى منذ نعومة أظفاره، وتخصص فيه أكاديميًا من خلال دراسته بالمعهد العالي للموسيقى بتونس ومدرسة «كانتوروم» في باريس، التي تقع في الحي اللاتيني بالعاصمة الفرنسية، وصولًا إلى جامعة السوربون، التي حصل منها على شهادة الدراسات المعمقة والدكتوراه في علم الموسيقى.
ونعت وزارة الشؤون الثقافية التونسية الفنان الراحل، الذي قالت عنه: «إنه بدأ مسيرته الموسيقية سنة 1969 عازف ألتو ضمن الأوركسترا السنفونية التونسية، ثم أسّس مجموعة 71، وتولّى لاحقًا قيادة وإدارة فرقة مدينة تونس للموسيقى».
ووجد القرفي آنذاك في الشاعر الراحل عبد الحميد خريف أفضل من يصوغ أفكاره شعرًا في عدد من الأوبرات التي برزت من خلالها أصوات ثامر عبد الجواد وعزيزة بوترعة وأحمد زروق وفاطمة بن عرفة وغيرهم.
كما وجد القرفي في الفنان المسرحي البشير الدريسي خير من يتوافق معه في رؤيته الفنية، التي جسدها على الركح عبر تصميم وإخراج الأوبرات والمسرحيات التي قدمها خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ومن بينها «الغصون الحمر» و«قصائد حب إلى لبنان» و«قصائد من الوطن المحتل» و«حكاية قرطاج».
تعامل القرفي مع الرحابنة ومارسيل خليفة وجوليا بطرس وعلي الحجار ضمن برنامج «أصوات الحرية»، وعمل على إعادة توزيع جملة من الألحان والأناشيد الوطنية لكبار الفنانين العرب، على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب وفيروز.
كما كان له تعاون مع عدد من كبار الشعراء، من بينهم الفلسطينيان محمود درويش وسميح القاسم، والتونسيون أبو القاسم الشابي وعبد الحميد خريف ومنور صمادح وسويلمي بوجمعة، والمصري أحمد فؤاد نجم، واللبنانيان سعيد عقل ومنصور الرحباني.
وعُرف عن القرفي اهتمامه الخاص بالقضايا القومية والإنسانية، ومنها القضية الفلسطينية، وكان ينطلق في تجربته من إيمانه العقائدي بوحدة الفن العربي.
وقالت وزارة الثقافة التونسية: «بفقدان محمد القرفي، تفقد الساحة الثقافية والفنية التونسية فنانًا مجددًا ومؤلفًا موسيقيًا وقائد أوركسترا، أسهم في إثراء المشهد الموسيقي والمسرحي التونسي والعربي، وترك أثرًا مميزًا في الذاكرة الفنية الوطنية».
وكان القرفي قد افتتح دورة العام 1984 من مهرجان قرطاج الدولي بالمسرحية الغنائية «حكاية من قرطاج»، سيناريو سمير العيادي، أشعار عبد الحميد خريّف، موسيقى محمد الڤرفي، إخراج البشير الدريسي، وتنفيذ فرقة مدينة تونس للموسيقى العربية، إدارة محمد الڤرفي، بمشاركة الممثلين القديرين عمر خلفة ومحمد المورالي و120 عنصرًا بين عازفين ومنشدين وراقصين وكومبارس. إنه الزمن الجميل حقًا.
في 19 يوليو 2025، وخلال الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي، قدم القرفي آخر عرض موسيقي أوبرالي في مسيرته الفنية، يحمل عنوان «من قاع الخابية»، بمشاركة الأوركستر السمفوني التونسي وكورال أصوات أوبرا تونس، إلى جانب الفرقة الوطنية للفنون الشعبية، مع الفنانين حمزة فضلاوي وشكري عمر الحناشي والشاذلي الحاجي والممثل جمال مداني.
وحول خصوصية هذا العرض ومحتواه، أوضح القرفي أن عنوان العمل «من قاع الخابية» يحيل إلى عمق الهوية الموسيقية التونسية، ويعكس مسيرة طويلة من الاشتغال على التراث بأساليب معاصرة.
وقال: «نحاول أن نعيد بناء ما قمنا به خلال خمسين سنة، ونقدمه اليوم في إطار سمفوني يجمع بين الأصالة والتجديد، ونسعى من خلاله إلى تكريم رموز الموسيقى التونسية الذين ساهموا في الحفاظ على هوية موسيقية وطنية في فترات مختلفة»، مشددًا على أهمية إعادة الاعتبار إلى الأسماء التي أثرت الساحة الموسيقية التونسية، على غرار المونولوجيست صالح الخميسي (13 ديسمبر 1912 – 10 يوليو 1958)، الذي كان صوتًا صادقًا عبّر عن الواقع الاجتماعي التونسي من خلال الأغنية الفكاهية، وهو أسلوب غنائي يعكس نبض الناس وقضاياهم، وفق تقديره.
كما قدم القرفي ولسنوات متتالية العرض الفني «زخارف عربية»، بمشاركة نخبة من الأصوات التونسية البارزة التي اعتاد التعاون معها في إعادة توزيع وتقديم عيون الطرب التونسي والعربي. وتخصص في إعادة توزيع وقراءة الأعمال الفنية التونسية والعربية الخالدة وتقديمها بروح أوبرالية.
وإلى جانب تجربته الفنية، خلّف محمد القرفي عددًا من المؤلفات والدراسات في الموسيقى، من بينها «الأشكال الآلاتية في الموسيقى الكلاسيكية بتونس» (1996)، و«صفحات من الموسيقى العالمية» (1997)، و«المسرح الغنائي العربي» (2009)، إلى جانب ترجمة حول الموسيقى العربية لأنطونان لافاج سنة 2006.
وفي مجال الموسيقى التصويرية، وضع القرفي الموسيقى لعدد من الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزية، من بينها فيلم «وغدًا…؟» للمخرج إبراهيم باباي، وفيلم «نزهة رائقة»، أحد أجزاء الفيلم الجماعي «في بلاد الطررني»، كما قدم البرنامج التلفزيوني «صدفة وميعاد».