الشرق الأوسط وحرب المضايق الثلاثة
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر نفطي يهدده الإيرانيون، ولا باب المندب مجرد مضيق يمني يهدده الحوثيون. لقد اندمجا في منظومة واحدة: قوس ضغط بحري مزدوج يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، ويضع العالم أمام احتمال لم يعرفه منذ أزمة السويس عام 1956: إغلاق شبه متزامن لشرياني الطاقة والتجارة الأعظمين.
ما يجري ليس تصعيداً يمنياً محلياً، ولا مجرد رد فعل إيراني على الحرب الأميركية–الإسرائيلية التي اندلعت في شباط/فبراير الماضي. إنه ترجمة عملية لعقيدة إيرانية قديمة: إذا ضُيّق عليك في هرمز، فافتح جبهة ثانية في باب المندب عبر الوكيل الأكثر انضباطاً وطاعة. الحوثيون لم يعودوا مجرد جماعة ميليشياوية تسيطر على صنعاء والحديدة، بل هم اليوم قوة قادرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
باب المندب أضيق من هرمز، وأقرب إلى خطوط الشحن الآسيوية–الأوروبية. جزيرة ميون (بريم) التي وصل إليها الحوثيون أو سيطروا عليها فعلياً، تقع في قلب الممر. السعودية التي حوّلت صادراتها عبر خط أنابيب الشرق–الغرب إلى ينبع، وجدت نفسها فجأة أمام الحصار نفسه الذي كانت تحاول الهروب منه. النفط السعودي الذي كان يتدفق غرباً، بات مهدداً من الجنوب.
الأرقام لا تحتاج إلى بلاغة: أسعار النفط تجاوزت مئة دولار، صادرات الرياض انخفضت إلى أدنى مستوى منذ ثلاثة عقود، وحركة العبور في هرمز تراجعت إلى سبع سفن في يوم واحد. أما في البحر الأحمر، فالتكلفة التأمينية ارتفعت، والسفن الكبرى بدأت تفكر جدياً في طريق رأس الرجاء الصالح مرة أخرى. الفرق هذه المرة أن البديل نفسه أصبح مهدداً.
اندماج هرمز وباب المندب في قوس ضغط بحري مزدوج يضع العالم أمام احتمال إغلاق شبه متزامن لشرايين الطاقة والتجارة مهدداً الاستقرار العالمي
وهنا تصبح مصر جزءاً أساسياً من المعادلة، لا طرفاً ثانوياً فيها، فهي تمسك بالمفتاح الشمالي لهذا الممر الاستراتيجي. قناة السويس ليست مجرد مصدر دخل لمصر؛ هي الرئة الاقتصادية التي تسمح للعالم بالتنفس بين آسيا وأوروبا. عندما يُضرب باب المندب، تُضرب السويس مرتين: مرة بانخفاض العبور، ومرة بتحويل السعودية نفطها إلى عين السخنة ثم سيدي كرير عبر خط الأنابيب، وهو حل جزئي مكلف ويضاعف زمن الرحلة إلى آسيا.
مصر تعرف جيداً أن أمنها القومي لا ينفصل عن حرية الملاحة في البحر الأحمر. فأي اضطراب طويل الأمد في باب المندب لا يهدد عائدات قناة السويس وحدها، بل يفرض ضغوطاً اقتصادية ومالية إضافية على القاهرة في وقت تصبح فيه موارد النقد الأجنبي أكثر أهمية. انخفاض حركة العبور يعني تراجعاً في الإيرادات، وتراجع الإيرادات يضيف عبئاً جديداً على الاقتصاد المصري، ويمنح المؤسسات المالية الدولية والدول الداعمة هامشاً أوسع للتأثير في خيارات القاهرة الاقتصادية.
وهنا تتضح الصورة الأكبر: المعركة لم تعد تدور حول مضيقين منفصلين، هرمز وباب المندب، بل حول ثلاثة مفاتيح بحرية مترابطة: هرمز، وباب المندب، وقناة السويس. فإذا كان هرمز بوابة الخليج، وباب المندب بوابة البحر الأحمر، فإن السويس هي المخرج الشمالي الذي يربط هذه الجغرافيا كلها بالمتوسط وأوروبا. وأي خلل في أحد هذه المفاتيح لا يبقى محصوراً في حدوده، بل تنتقل ارتداداته إلى الممرات الأخرى، فتتحول الأزمة المحلية إلى أزمة تجارة وطاقة عالمية.
ما فعله الحوثيون في الساحل الغربي ليس مغامرة عسكرية فحسب، إنه تطبيق لدرس استخلصته طهران من حرب الناقلات في الثمانينيات، ومن تجربتها في مضيق هرمز طوال عقود: السيطرة على نقطة الاختناق لا تحتاج إلى أسطول كبير، بل إلى قدرة على التهديد المستمر، وعلى إقناع شركات التأمين والأسواق بأن المخاطرة أصبحت غير مقبولة.
في هذا المسرح البحري المزدوج، تسعى واشنطن إلى إعادة فتح الممرات ومنع القوى الإقليمية ووكلائها من تعطيل تدفق الطاقة والتجارة العالمية، من دون الانزلاق إلى حرب برية مكلفة.
أما إيران، فلا تبحث عن البقاء فقط، بل عن إثبات أن الضربات التي تلقتها لم تسلبها قدرتها على الرد. وإذا كانت المواجهة في هرمز مباشرة، فإن الرد من باب المندب يمنحها فرصة لتوسيع ساحة المواجهة وتحويلها من صراع ثنائي إلى أزمة دولية. وهنا تكمن قوة الاستراتيجية الإيرانية: ليس من الضروري أن تنتصر عسكرياً على الولايات المتحدة، بل يكفي أن ترفع كلفة الصراع، وتدفع العالم إلى الشعور بأن استمرار الحرب أصبح أكثر خطورة من التفاوض.
مصر تواجه تحدياً استراتيجياً إذ إن أي اضطراب في باب المندب يضرب قناة السويس مرتين ويضاعف الضغوط الاقتصادية ويهدد أمنها القومي المباشر
هكذا تتحول الجغرافيا إلى حلبة صراع بين منطق السيطرة الجوية الأميركية ومنطق الإفساد البري–البحري الإيراني. والنتيجة واحدة: المنطقة كلها تدفع ثمن هذا الصراع، بينما يقف العالم على حافة اختناق مزدوج لم يعرفه منذ عقود.
العالم يواجه اليوم تحولاً في جغرافية القوة؛ فلم يعد أمن الطاقة يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على قدرة القوى غير النظامية على تعطيل الممرات بتكلفة منخفضة، بما يعيد تعريف مفهوم الردع ويضع دول المنطقة أمام خيارات أكثر صعوبة.
هل يستطيع الحوثيون إغلاق باب المندب تماماً؟ الجواب لا، على الأقل ليس بصورة دائمة ومطلقة. لكنهم يستطيعون جعل العبور مكلفاً وخطراً بما يكفي لدفع الشركات إلى تغيير مساراتها. وهذا يكفي. في عالم يعتمد على سلاسل الإمداد الدقيقة، لا تحتاج إلى إغلاق الممر؛ يكفي أن تشكك في استمراريته.
ما نراه اليوم ليس نهاية حرب يمنية قديمة، ولا مجرد فصل جديد في الصراع الأميركي–الإيراني. إنه بداية عصر تصبح فيه المضايق أدوات إستراتيجية بيد الدول القادرة على توظيف وكلائها المسلحين في حروب تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية. وهرمز وباب المندب والسويس ليست مجرد ممرات بحرية متجاورة، بل مفاتيح مترابطة لجغرافيا جديدة أصبحت فيها حركة التجارة والطاقة رهينة صراع يتجاوز حدود الدول والممرات التقليدية.
العالم يهتز، ليس لأن سفينة أُصيبت أو جزيرة سُيطِر عليها، بل لأن الجغرافيا نفسها بدأت تُستعمل كسلاح، ولأن القوى غير النظامية أصبحت قادرة على تغيير معادلات كانت، حتى وقت قريب، حكراً على الدول الكبرى. وفي هذه اللحظة، تقف مصر، صاحبة السويس، أمام سؤال لا يمكن تأجيله طويلاً: كيف تحمي شريان حياتها حين يصبح الشريان الجنوبي تحت رحمة قوة لا تملك دولة، لكنها تملك قرار التعطيل؟
فإذا كانت إيران قادرة على تهديد العالم من هرمز، والحوثيون قادرين على تحويل باب المندب إلى منطقة خطر، فمن يحمي السويس من أن تتحول إلى الضحية الثالثة في حرب المضايق؟