لماذا يسقط اختبار السلاح في العراق؟

الميليشيا الحقيقية لم تعد تقف على تخوم الدولة، بل تقطن في قلبها، متغلغلة داخل مفاصل الحكم ومؤسساته التشريعية والرقابية.
الثلاثاء 2026/09/08
هيبة الدولة المؤجلة..

حين يتحول نزع السلاح من قرار سيادي حاسم إلى سلسلة من التواريخ المؤجلة والتبريرات المتخبطة، تتجاوز الأزمة حدود التمنع الفصائلي لتكشف عن خلل بنيوي في فكرة “الدولة” نفسها. فالسلاح خارج المؤسسات لم يعد مجرد تفصيل عسكري طارئ، بل غدا ركيزة صلبة في منظومة نفوذ متشعبة، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية، وتتداخل مع شرايين الإدارة والقرار السياسي والامتدادات الإقليمية.

كلما اقترب موعد مفترض لإعادة الأمور إلى نصابها، تراجع الخطاب الرسمي خلف صياغات ملطفة وتفسيرات مرنة، مرسخًا رسالة خطيرة مفادها أن الغلبة للميدان لا للقانون. ومن هنا تسقط المعادلات السطحية التي تصور المواجهة بين طرفين منفصلين؛ فالميليشيا الحقيقية لم تعد تقف على تخوم الدولة، بل تقطن في قلبها، متغلغلة داخل مفاصل الحكم ومؤسساته التشريعية والرقابية. هذا التداخل العضوي هو ما يفرغ أي ضغط من محتواه، ويحول الصراع مع السلاح المنفلت إلى استعراض موسمي لشعارات لا تجرؤ على الاقتراب من مراكز القوة الفعلية.

العراق يقف أمام اختبار وجودي حيث تحولت قضية السلاح المنفلت من ملف أمني مؤجل إلى أزمة بنيوية تهدد الدولة وتكشف تغلغل الميليشيات داخل مؤسساتها

التعامل مع هذا الملف كاستحقاق تقني أو جدول زمني إداري هو قمة الوهم. السلاح هنا ليس أداة دفاع عابرة، بل تحول إلى درع يحمي شبكات مصالح مالية واقتصادية ضخمة تعتاش على ضعف المؤسسات، وتترك المواطن وحده يدفع فاتورة هذا الاستنزاف اليومي في استقراره ومعاشه. والحل الأمني، رغم كونه شرطًا أوليًا لا غنى عنه لفرض الحد الأدنى من سيادة القانون، يظل عاجزًا بمفرده إذا لم يصاحبه تفكيك جذري لبنية النفوذ التي تغذي هذا السلاح وتمنحه الحصانة.

إن خطورة هذا التعايش المصلحي لا توقفها حدود العجز السياسي فحسب، بل تمتد لتغتال أي أفق حقيقي للتنمية والاستقرار. فحين تصبح مقدرات البلد رهينةً لتجاذبات القوة الباطشة، تفقد الدولة قدرتها على جذب الاستثمارات، وتتحول المشاريع العامة إلى أدوات لتمويل النفوذ لا لخدمة المجتمع. هذا الاستنزاف الممنهج يعمق الهوة بين المواطن ومؤسساته، ويزيد من هشاشة الوضع العام أمام أي هزات إقليمية أو أزمات داخلية مقبلة.

المعركة الحقيقية ليست في انسحاب القوات الأجنبية بل في استعادة الدولة لاحتكار أدوات القوة وإرجاع السلاح المحلي إلى غمد القانون، ضمانًا لسيادة الوطن

العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق وجودي؛ فإما أن يستعيد مفهوم الدولة الكاملة التي تحتكر أدوات القوة وتفرض سلطانها بعدالة على الجميع، أو يبقى رهينة لمعادلة مزدوجة تحكم فيها “سلطة الأمر الواقع” لا الشرعية الدستورية. هذا المأزق لن تحله البيانات الدبلوماسية ولا المهل المتلاحقة، بل شجاعة الانتقال من لغة التأجيل إلى أفعال سيادية تثبت أن قرار الوطن أثقل وزنًا من أي بندقية خارجه.

إن تاريخ الثلاثين من سبتمبر ليس سوى مرآة تكشف عجز الخطاب الرسمي عن مجابهة الحقيقة المرة؛ فالانسحاب الأميركي، مهما كانت دلالاته الإستراتيجية، سيبقى مجرد تغيير في ديكور المشهد إن لم يقترن بولادة حقيقية لسلطة لا تتقاسم سيادتها مع أحد. المعركة الحقيقية اليوم ليست في إخراج بندقية أجنبية من قاعدة عسكرية، بل في إرجاع السلاح المحلي إلى غمد الدولة، وعندها فقط يُكتب للمواطن العراقي أن يعيش في وطن يحميه القانون لا شريعة الأمر الواقع.