لما يفلت الذكاء الاصطناعي من عقاله
تواترت خلال الفترة الأخيرة تحذيرات الخبراء والمسؤولين الدوليين من خطر خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.
آخرهم جيفري هنتن الملقب “بالأب الروحي” للذكاء الاصطناعي والفائز بجائزة نوبل للفيزياء سنة 2024.
نبه هنتن إلى أن الإنسان لن يستطيع مواصلة التعويل على تفوقه في الذكاء على الذكاء الاصطناعي بشكل يضمن له السيطرة على هذه التكنولوجيا إلى الأبد.
بل إنه حذر من أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قد تقضي على البشرية في نهاية المطاف. وليس هو الوحيد الذي أطلق هذا التحذير.
تلاه فولكر تورك المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان الذي نبّه إلى ما أسماه “الخطر الوجودي” الذي يمثله الذكاء الاصطناعي بالنسبة للبشرية.
الكثيرون يأخذون مثل هذه التحذيرات مأخذ الجد بعد أن تعددت الحوادث خلال الفترة الأخيرة التي تظهر احتمال خروج الذكاء الاصطناعي عن النص المرسوم له والقيام بأعمال لم تطلب منه بما فيها أعمال القرصنة الإلكترونية ومشاكسة المهندسين المشرفين عليه.
ليس هناك من ينكر الفوائد التي يمكن أن تجنيها البشرية من الذكاء الاصطناعي. استخدامات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي مثلا تفتح آفاقا غير مسبوقة نحو الدقة في التشخيص وتطوير الأدوية واستنباط العلاجات الناجعة. وهناك من يقول إن الذكاء الاصطناعي سينهي كل الأمراض والأوبئة في ظرف عشرة أعوام. وسيمكن البشرية من مجابهة أكثر نجاعة لحالات الكوارث والطوارئ.
التحذيرات تكشف أن الذكاء الاصطناعي قد يفلت من السيطرة، محولاً فوائده الطبية والتقنية إلى تهديد وجودي للبشرية إذا غابت الضوابط الأخلاقية
ولكن الذكاء الاصطناعي فتح الباب على مصراعيه على عالم مواز يحاكي عالمنا ولكنه مبني على التزييف والتزوير. تنتشر كل يوم آلاف الصور والفيديوهات المختلقة تحكي أحداثا لم تقع أبدا وتقدم تصريحات لم يدل بها أصحابها. المشكلة التي يتعاظم خطرها كل يوم أنّ تطور التكنولوجيات المستعملة يجعل التمييز بين الصحيح والمزور أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا لعامة الناس.
الأخطر هو ما يوفره الذكاء الاصطناعي للمؤسسة العسكرية والأمنية في العالم من استخدامات متطورة دون حدود تمثل تهديدا للقيم الأخلاقية بشكل قد يعيد البشرية إلى ما يشبه قانون الغاب.
وما يخشاه الكثير من الخبراء المهتمين بالشأن العسكري على وجه التحديد هو نشوء جيل جديد من الأسلحة ذاتية التحكم تتخذ قراراتها بنفسها خلال المعارك. يصبح عندها احترام القانون الدولي مسألة ثانوية بالمقارنة مع الأهداف التي يسعى إليها أنصار فرض إرادة الدول والجماعات بالقوة. ويرى الكثيرون أن حرب غزة شكلت حقل تجارب مرعب لاستعمالات الذكاء الصناعي.
ويعرض الشريط الوثائقي “نازا” -الذي قدمه مخرجان إسرائيليان في مهرجان البندقية الدولي للسينما – شهادات عن استعمال الجيش الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي لمراقبة الفلسطينيين بشكل جماعي أثناء حرب غزة ومن ثمة استهداف من يعتبرهم من بينهم أعداء لإسرائيل، سواء بالطائرات أو بالمسيرات.
وقد برهن مقتل الآلاف والآلاف من الفلسطينيين الأبرياء على الطبيعة العشوائية لهذا الاستهداف وعلى فشل الذكاء الاصطناعي في أن يثبت ذكاءه في هذا المجال وإن أثبت قدرته على القتل والتنكيل بين أيد لا تعطي الحياة البشرية قيمة. والمثير للانشغال الشديد هو أن الحروب القادمة في العالم لن تكون أكثر إنسانية أو أقل دمارا في توظيفها الجامح للذكاء الاصطناعي.
يدعو البعض إلى أدراج ما يشبه الضوابط الأخلاقية ضمن التعليمات التي تعطى للذكاء الاصطناعي ومراجعة المعايير القيمية التي يرثها الذكاء الاجتماعي من البيانات التي يتشبع بها خلال فترة تطويره.
الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي يثير قلقاً عميقاً إذ قد تنشأ أسلحة ذاتية التحكم تتجاهل القانون الدولي وتعيد العالم إلى منطق القوة وقانون الغاب
لكن المشكل الحقيقي يبقى غياب الضوابط الأخلاقية لدى الإنسان نفسه وقصر النظر لديه أمام التنافس المحموم بين المخابر المدعومة برأس المال من أجل تحقيق إنجازات واختراقات نوعية تضمن الربح السريع.
وقد قال المفوض الأممي السامي في تبريره للتحذير الذي أطلقه من خطر الذكاء الاصطناعي إنّ “بضعة أفراد” يمتلكون نفوذًا هائلًا على التكنولوجيا الجديدة بما يؤثر بصورة متزايدة في حياة مليارات الأشخاص، في وقت لا تزال فيه قواعد الحوكمة والرقابة تتطور بوتيرة أبطأ من التكنولوجيا نفسها.
وكان تورك يلمّح بذلك الى التنافس دون قيود ولأغراض ربحية بين شركات ومخابر القطاع الخاص، دون ضوابط.
لم يسم تورك الأفراد أو أصحاب المخابر المسيطرين على اللعبة. ولكن بعض موظفي هذه المخابر السابقين ما انفكوا يقرون بصحة موقفه.
خلال الأيام الماضية دق خبير الذكاء الاصطناعي الشاب جيكوب كوكسن —الذي كان يعمل في مخابر “اوبن اي” و “انثروبيك” —ناقوس الخطر قائلا:” كلا الشركتين لا تتصرفان بمسؤولية. إنهم كلهم يتسابقون نحو تجسيم نماذج الذكاء الخارق القادر على التطور الذاتي. إنهم يقامرون بحياتنا”.
ومما يذكر أن مفهوم الذكاء الخارق يعني بالنسبة للخبراء المرحلة التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي مستوى الذكاء البشري.
ويعترف أحد مسؤولي السلامة في شركة انثروبيك نفسها – متحدثا وكأنه يكتب سيناريو فيلم جديد من سلسلة أفلام فرانكشتاين- أن هناك خطرا بنسبة 10 في المائة كي يقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية خلال العشر سنوات القادمة.
سيناريو مرعب مماثل قد يكتبه الساسة المتطرفون الذين يحلمون بجعل الذكاء الاصطناعي سندا لهم من أجل وضع أجنداتهم موضع التنفيذ.
غياب الضمير البشري أمام سباق المخابر والشركات نحو الربح السريع يجعل خطر الذكاء الاصطناعي أكبر محولاً العلم دون قيم إلى دمار شامل محتمل
وآخر مثال على ذلك الاستخدام العنصري الذي يدعو إليه متطرفو أقصى اليمين في ألمانيا كوسيلة لتنفيذ برامجهم المعادية للمهاجرين، وذلك بالرغم من حاجة بلادهم لليد العاملة الشابة وأصحاب المهارات القادمين من بلدان الجنوب في وقت تسير فيه بلادهم نحو التهرم.
يقترح حزب البديل لألمانيا— الذي حقق تقدما كبيرا في الانتخابات المحلية لمقاطعة ساكسونيا انهال— الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من أجل التخلص من المهاجرين وذلك في إطار سياسة يصفها الحزب “بالهجرة المعاكسة” ولكن المستشار الألماني فريديريش ميرتز يرى فيها “تطهيرا عرقيا على أساس لون البشرة والبلاد الأصلية”.
وحذر ميرتز من أنه إذا تم تطبيق أفكار أقصى اليمين إزاء المهاجرين “لن تبقى أية دار من دور رعاية المسنين أو المستشفيات أو المطاعم مفتوحة”.
منذ القرن السادس عشر تنبأ الكاتب الفرنسي فرانسوا رابلي بالمأزق البشري القادم بعد قرون، عندما نبّه إلى أن “العلم دون ضمير هو دمار للروح”.
وقد تكون نتيجة “العلم دون ضمير” في الواقع دمارا للجسد والروح معا ولكل ما بنته البشرية، إذا لم يستفق الجميع في الإبان وينتبهوا إلى ما قد يعنيه إفلات الذكاء الاصطناعي من عقاله.