التعدد الثقافي في فزان.. ثروة ليبيا المنسية

ماذا يعني أن يكون الإنسان فزانياً؟ وهل يمكن أن يكون الاختلاف الثقافي مصدراً للقوة الوطنية بدلاً من أن يتحول إلى مادة للصراع؟
الجمعة 2026/09/11
فسيفساء الجنوب الليبي

الرمال التي تفصل فزان عن بقية ليبيا هي نفسها التي حملت القوافل، وانتقلت عبرها السلع والأفكار والقصص والأنساب، وصاغت على امتداد قرون مجتمعاً لا يمكن فهمه من خلال هوية واحدة أو رواية منفردة. هناك، في ذلك الامتداد الصحراوي الواسع، تداخلت مسارات التبو والطوارق والعرب، وتشابكت مصالحهم وعلاقاتهم وذاكراتهم، حتى أصبحت فزان واحدة من أكثر المناطق الليبية تعبيراً عن حقيقة كثيراً ما يجري تجاهلها: ليبيا ليست هوية أحادية، وإنما وطن تشكل من تعدد تاريخي عميق.

ولهذا فإن السؤال عن فزان ليس سؤالاً عن القبائل وحدها، ولا عن التوزيع السكاني أو النفوذ السياسي. إنه سؤال عن الانتماء نفسه. ماذا يعني أن يكون الإنسان فزانياً في مجتمع تتجاور فيه ثقافات ولغات وذاكرات مختلفة؟ وهل يمكن أن يكون الاختلاف الثقافي مصدراً للقوة الوطنية بدلاً من أن يتحول إلى مادة للصراع؟ وهل تستطيع الدولة الليبية أن تنتقل من إدارة التنوع باعتباره مشكلة أمنية إلى التعامل معه باعتباره ثروة اجتماعية وثقافية وسياسية؟

فزان تقع في قلب ليبيا، لكنها تقع أيضاً عند تقاطع حدودي حساس مع تشاد والنيجر والجزائر، وتضم طرقاً تاريخية للتجارة والحركة والهجرة، كما ترتبط بمصادر الطاقة والمياه ومساحات واسعة من الأراضي. ومن ثم فإن ما يحدث في الجنوب لا يبقى جنوبياً. اضطراب فزان يمكن أن يتحول إلى مشكلة وطنية، كما أن استقرارها يمكن أن يصبح أحد مفاتيح استقرار ليبيا كلها.

لكن اختزال المجتمع الفزاني في ثلاث تسميات ــ التبو والطوارق والعرب ــ قد يكون مضللاً إذا تحول إلى تصنيف مغلق. فهذه المكونات ليست كيانات صلبة تعيش كل منها داخل حدود منفصلة، بل مجتمعات متداخلة تشكلت علاقاتها عبر الزمن من خلال التجارة والهجرة والمصاهرة والجوار والتحالف والصراع والتعاون. القبيلة في الصحراء لم تكن دائماً مجرد رابطة دم، بل كانت أيضاً شبكة حماية ومجالاً اقتصادياً ووسيلة لتنظيم الحركة والوصول إلى الماء والموارد وتأمين طرق التجارة. ولذلك فإن فهم البنية الاجتماعية لفزان يحتاج إلى تجاوز الصورة السطحية التي تجعل القبائل مجرد وحدات سياسية متنافسة.

لقد كانت القافلة في تاريخ الصحراء مؤسسة اجتماعية بقدر ما كانت وسيلة نقل فهي تحمل التجارة لكنها تحمل معها اللغة والخبر والعادات والأفكار

التبو، مثلاً، يمثلون أحد المكونات التاريخية الكبرى في المجال الصحراوي الليبي الممتد جنوباً نحو تشاد والنيجر. والطوارق بدورهم ينتمون إلى فضاء ثقافي واسع تجاوز الحدود الحديثة التي رسمتها الدول الاستعمارية، بينما تشكلت الجماعات العربية في فزان من استقرار قبائل وعائلات ومسارات هجرة متعاقبة، تفاعلت مع السكان المحليين وأصبحت جزءاً من النسيج الاجتماعي للمنطقة. الحدود السياسية الحديثة لم تكن موجودة عندما كانت هذه المجتمعات تبني علاقاتها، ولذلك فإن محاولة قراءة تاريخها حصراً من خلال حدود الدولة الحالية تؤدي بالضرورة إلى سوء فهم كثير من حركتها وذاكرتها.

لقد كانت القافلة، في تاريخ الصحراء، مؤسسة اجتماعية بقدر ما كانت وسيلة نقل. فهي تحمل التجارة، لكنها تحمل معها اللغة والخبر والعادات والأفكار. وكان الطريق الصحراوي مساحة للاتصال بين مجتمعات مختلفة أكثر منه جداراً يفصل بينها. ومن هذه الزاوية تبدو فزان أقرب إلى ملتقى حضاري منها إلى أطراف بعيدة عن المركز.

ولعل هذا ما يفسر استمرار التنوع الثقافي واللغوي في المنطقة. فالتبو والطوارق والعرب لا يشتركون في كل شيء، ولا ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك. لكل جماعة ذاكرتها، ولهجتها أو لغتها، وأغانيها، وملابسها، وطقوسها، ورواياتها الشعبية، وأنماطها الخاصة في التعبير عن الانتماء. لكن الاختلاف لا يلغي وجود مساحات واسعة من التلاقي. فالموسيقى والحكاية والاحتفال والمجالس والضيافة والعائلة والارتباط بالأرض والصحراء عناصر تستطيع أن تصنع جسراً بين الثقافات حتى عندما تختلف اللغات.

وهنا تحديداً تكمن واحدة من أهم ثروات فزان التي لم تُستثمر بما يكفي. فالتعدد الثقافي لا ينبغي أن يُدار باعتباره ملفاً أمنياً يظهر فقط عندما تقع مواجهة، ولا باعتباره مسألة انتخابية تظهر عندما تبحث القوى السياسية عن أصوات ومقاعد. الثقافة أعمق من السياسة اليومية، وهي قادرة على بناء مساحات للتواصل لا تستطيع الاتفاقات السياسية وحدها بناءها.

المشكلة تبدأ عندما تفشل الدولة في الاعتراف بهذا التنوع، أو عندما تعجز عن توفير شروط المواطنة المتساوية. عندها يصبح الانتماء المحلي أكثر جاذبية من الانتماء الوطني، ليس بالضرورة لأن القبيلة أقوى من الدولة بطبيعتها، وإنما لأن الإنسان يبحث عن إطار يوفر له الحماية والاعتراف عندما لا يجد ذلك في مؤسسات الدولة. وحين يشعر مكوّن اجتماعي بأن حضوره السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أقل من غيره، تصبح الهوية الجماعية وسيلة للدفاع عن الحقوق، وقد تتحول مع الوقت إلى أداة للمنافسة والصراع.

وهذا هو أحد الدروس الكبرى التي ينبغي أن تتعلمها ليبيا من تجربتها خلال السنوات الماضية. فالانقسامات التي شهدتها البلاد لم تكن كلها نتاجاً للخلاف الأيديولوجي أو السياسي المباشر. في كثير من الأحيان كان وراءها شعور أعمق بالتهميش أو الخوف من فقدان النفوذ أو عدم المساواة في توزيع الموارد والتمثيل. وفي الجنوب، تتداخل هذه المشاعر مع صعوبة الحياة اليومية، وضعف الخدمات، وتراجع فرص العمل، وتوترات الحدود، والهجرة غير النظامية، وانتشار السلاح، وضعف حضور المؤسسات العامة.

◄ فزان ليست فقيرة في الموارد بقدر ما هي فقيرة في الاستثمار السياسي والاجتماعي في الإنسان. وهذه مفارقة قاسية

عندما تغيب الدولة عن المدرسة والمستشفى والطريق والجامعة ومؤسسات الثقافة، فإنها لا تستطيع أن تطلب من المواطن أن يثق بها عندما يتعلق الأمر بالانتخابات أو الأمن. المواطنة تُبنى في التفاصيل اليومية. والمساواة لا تُقاس فقط بعدد المقاعد في البرلمان، وإنما أيضاً بقدرة طفل في سبها أو مرزق أو أوباري أو غات على الحصول على التعليم نفسه الذي يحصل عليه طفل في طرابلس أو بنغازي، وبقدرة شاب من التبو أو الطوارق أو العرب على بناء مستقبله من دون أن تكون هويته عائقاً أمامه.

من هنا يصبح الحديث عن فزان حديثاً عن عقد اجتماعي ليبي جديد. عقد لا يطلب من التبو أن يتخلوا عن خصوصيتهم، ولا من الطوارق أن يتخلوا عن ثقافتهم، ولا من العرب أن ينظروا إلى عروبتهم باعتبارها امتيازاً سياسياً، وإنما يقول للجميع إن الدولة هي الإطار الذي تتساوى داخله الهويات المختلفة.

وهذه النقطة بالغة الأهمية: الاعتراف بالتعدد لا يعني تقسيم الدولة.

العكس قد يكون صحيحاً. الدولة التي تعترف بتنوعها تستطيع أن تكون أكثر وحدة، لأنها لا تطلب من مواطنيها الاختيار بين هويتهم الثقافية وهويتهم الوطنية. أما الدولة التي تحاول فرض هوية واحدة بوصفها النموذج الوحيد للمواطنة، فإنها تدفع الهويات الأخرى إلى الاحتماء بذاتها.

فزان قادرة على تقديم نموذج مختلف. يمكن أن تصبح المنطقة مختبراً ليبيا لإدارة التنوع، لا ساحة لصراع الهويات. وهذا يحتاج إلى سياسات تتجاوز البيانات السياسية. التعليم يمكن أن يكون نقطة البداية، من خلال إدخال تاريخ الجنوب وثقافاته ومكوناته في المناهج، بحيث يتعلم الطفل الليبي أن التبو والطوارق والعرب ليسوا فصولاً منفصلة من كتاب ليبيا، بل أجزاء من تاريخها المشترك. والإعلام المحلي يستطيع أن يؤدي دوراً مشابهاً إذا تحول من نقل أخبار الصراع إلى اكتشاف المجتمع نفسه، بلغاته ولهجاته وذاكرته وفنونه.

ويمكن للمشروعات الثقافية المشتركة أن تكون أكثر تأثيراً مما تبدو عليه. مهرجانات تجمع الموسيقى الشعبية، ومشروعات لتوثيق الرواية الشفوية، وبرامج لترجمة الأدب المحلي، وأرشفة الأغاني والحكايات، ودعم الصناعات التقليدية، وإنتاج أفلام ووثائقيات عن تاريخ الصحراء، كلها ليست أنشطة هامشية. إنها جزء من بناء الذاكرة الوطنية.

بل إن فزان تستطيع أن تحول موقعها الصحراوي إلى فرصة اقتصادية وثقافية. فالسياحة الصحراوية والتراثية، إذا توفرت لها البنية الأساسية والأمن، يمكن أن تجعل من المدن والواحات الجنوبية جسوراً بين ليبيا ومحيطها الأفريقي والمتوسطي. كما يمكن للجامعات ومراكز الدراسات أن تجعل من فزان مركزاً لدراسة التاريخ الصحراوي والهجرات واللغات والعلاقات الأفريقية والعربية، بدلاً من أن تبقى المنطقة موضوعاً للدراسات القادمة من الخارج.

الانقسامات التي شهدتها البلاد لم تكن نتاجاً للخلاف الأيديولوجي أو السياسي المباشر في كثير من الأحيان كان وراءها شعور أعمق بالتهميش أو الخوف من فقدان النفوذ

وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى، ولكن من دون استنساخها. فالمغرب، على سبيل المثال، قدم خلال العقود الماضية نموذجاً للاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغية داخل الإطار الدستوري للدولة، وهو ما يطرح فكرة مهمة عن إمكانية الجمع بين الهوية الوطنية الجامعة والخصوصيات الثقافية. وفي منطقة الساحل، تكشف تجارب مالي والنيجر، رغم اختلاف ظروفها ونتائجها وتعقيداتها، عن الوجه الآخر للمسألة: عندما تعجز الدولة عن بناء الثقة مع المجتمعات الطرفية، يمكن أن يتحول التنوع من ثروة إلى هشاشة أمنية وسياسية.

لكن ليبيا ليست المغرب، وليست مالي أو النيجر. ولها تاريخها الخاص وتركيبتها الخاصة. ولذلك فإن المطلوب ليس استيراد نموذج جاهز، وإنما بناء صيغة ليبية تنطلق من حقيقة أن البلاد عرفت دائماً تعدداً في مناطقها ومجتمعاتها، وأن المشكلة لم تكن في وجود هذا التعدد بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي تعاملت بها السلطة المركزية معه.

وهنا تظهر مسألة أخرى لا تقل أهمية: العلاقة بين القبيلة والدولة. فالقبيلة ليست بالضرورة نقيض الدولة، كما أن الدولة ليست بالضرورة عدواً للقبيلة. المشكلة تبدأ عندما تحاول أي منهما احتكار المجال العام. القبيلة يمكن أن تكون شبكة اجتماعية وتضامنية وثقافية مهمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل دائم عن المؤسسة العامة. والدولة تستطيع أن تستفيد من البنى الاجتماعية المحلية، لكنها لا ينبغي أن تستخدمها كأداة للسيطرة أو لتوزيع الامتيازات.

الهدف إذن ليس إلغاء القبيلة، فهذا غير ممكن ولا مرغوب، وإنما نقلها من موقع المنافس للدولة إلى موقع الشريك الاجتماعي داخلها. وهذا يتطلب دولة قوية، لكن القوة هنا لا تعني القبضة الأمنية؛ تعني دولة عادلة وقادرة على تقديم الخدمات وحماية الحدود وتطبيق القانون وضمان الحقوق.

ولعل فزان هي المكان الذي يمكن أن تختبر فيه ليبيا هذه المعادلة بصورة أوضح من أي منطقة أخرى. فحين يشعر المواطن بأن الدولة تحميه ولا تهدده، وتمنحه حقه ولا تمنّ عليه به، وتتعامل معه كمواطن لا كعضو في قبيلة أو مكوّن، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالهويات الضيقة. أما عندما تصبح الدولة نفسها جزءاً من الصراع على الهوية والنفوذ، فإن كل جماعة ستبحث عن قوتها الخاصة.

وهنا يجب ألا تتحول قضية التعدد إلى خطاب مثالي منفصل عن السياسة. فالجنوب يحتاج إلى تمثيل حقيقي في مؤسسات الدولة، وإلى عدالة في توزيع الموارد، وإلى أمن حدودي فعال، وإلى تنمية اقتصادية، وإلى حضور جامعي وثقافي وإعلامي، وإلى مشاركة محلية في تحديد أولويات التنمية. الهوية لا تعيش على الشعارات. إنها تحتاج إلى بنية مادية تحميها.

فزان ليست فقيرة في الموارد بقدر ما هي فقيرة في الاستثمار السياسي والاجتماعي في الإنسان. وهذه مفارقة قاسية. منطقة تقع في قلب الثروات والمساحات والحدود، لكنها كثيراً ما تشعر بأنها تقع خارج اهتمام الدولة. ولذلك فإن إعادة الاعتبار إلى الجنوب ليست منّة على أهله، وإنما استثمار في وحدة ليبيا نفسها.

تتحدث الرمال بلغات متعددة، لكنها تبحث في النهاية عن وطن واحد يسعها جميعاً.

3