صِدام صَدام حسين
نعم، كان في إمكان صدام حسين تلافي الصدامات الثلاثة: مع إيران والكويت وأمريكا. فهي لم تكن قدراً محتوماً فرضته الجغرافيا، بل كانت، في معظمها، نتيجة قراراته وحساباته الخاطئة وطريقته في الحكم.
مع إيران، كان يستطيع احتواء الخلافات الحدودية والسياسية بعد الثورة الإيرانية بالمفاوضات والوساطات العربية والدولية. لكنه ظنّ أن إيران، بعد سقوط الشاه واضطراب جيشها، أصبحت لقمة سهلة، وأن حرباً قصيرة ستمنحه نصراً سريعاً وزعامة عربية. فتحولت المغامرة إلى حرب استمرت ثماني سنوات، وانتهت تقريباً عند النقطة التي بدأت منها، ولكن بعد مئات الآلاف من الضحايا وخسائر اقتصادية هائلة.
ومع الكويت، كان تجنب الكارثة أسهل بكثير. فقد كانت الخلافات المتعلقة بالديون والنفط والحدود قابلة للتفاوض والتحكيم. وحتى لو شعر صدام بأن الكويت ظلمت العراق اقتصادياً، لم يكن ذلك يبرر غزو دولة مستقلة وضمها. كان يستطيع قبول الوساطة السعودية والعربية، أو الضغط السياسي والاقتصادي، لكنه اختار الغزو، فحوّل خلافاً مالياً إلى كارثة عراقية وعربية ودولية.
أما مع أمريكا، فقد كان الطريق إلى الصدام مرتبطاً بغزو الكويت أساساً. قبل ذلك كانت واشنطن تتعامل معه، بل مالت خلال الحرب العراقية الإيرانية إلى دعمه بصورة غير مباشرة ضد إيران. لكنه بعد احتلال الكويت تجاهل التحذيرات والمهل الدولية، ورفض الانسحاب، فدخل حرباً كان يعرف، أو ينبغي أن يعرف، أنه لا يستطيع الانتصار فيها.
◄ الصدامات الثلاثة كانت قابلة للتجنب لكن صدام كان ينظر إلى التراجع باعتباره ضعفاً وإلى التفاوض باعتباره تنازلاً مهيناً وإلى المغامرة باعتبارها دليلاً على الشجاعة
وبعد عام 1991، كان يستطيع تخفيف الحصار وحماية العراق بالتعاون الكامل والواضح مع المفتشين، وبتقديم تنازلات سياسية تمنع إعطاء خصومه الذرائع. غير أن أسلوب المراوغة والتحدي وطرد المفتشين ثم إعادتهم جعل العراق يبدو كأنه يخفي أسلحة خطرة، مع أنه لم يكن يمتلك مخزوناً فاعلاً من أسلحة الدمار الشامل عند غزو عام 2003.
ومع ذلك، لا يمكن تحميله وحده مسؤولية حرب 2003؛ فإدارة جورج بوش كانت قد اتجهت بقوة نحو إسقاط النظام، واستخدمت معلومات خاطئة ومبالغاً فيها لتبرير الغزو. وربما لم تكن تنازلات صدام المتأخرة كافية لمنع الحرب بعدما اتُّخذ القرار السياسي الأمريكي. لكنه هو الذي صنع، خلال سنوات طويلة، الظروف والذرائع التي سهّلت ذلك القرار.
الخلاصة أن الصدامات الثلاثة كانت قابلة للتجنب، لكن صدام كان ينظر إلى التراجع باعتباره ضعفاً، وإلى التفاوض باعتباره تنازلاً مهيناً، وإلى المغامرة باعتبارها دليلاً على الشجاعة. وكانت مأساته أنه أخطأ في قراءة إيران، ثم أخطأ في تقدير رد العالم على غزو الكويت، وأخيراً أخطأ في فهم تصميم أمريكا على إسقاطه.
لقد كان يستطيع أن يجنب العراق الحروب والحصار والاحتلال، لو أدرك أن شجاعة الحاكم لا تُقاس بعدد الحروب التي يشعلها، بل بعدد الحروب التي يستطيع منعها.