زعماء النفخة الكذابة
ليست كل زعامةٍ زعامة، وليس كل من استطاع أن يحشد مئات الآلاف في الساحات، وأن يجعل الجماهير تهتف باسمه، يستحق أن يدخل التاريخ من باب القادة الكبار.
فهناك زعامات نفخية تشبه الطبل: كبيرة في ظاهرها، عالية الصوت، لكنها جوفاء من الداخل. تعيش على الخطب والشعارات والصور والهتافات، وتعرف كيف تخاطب العاطفة، وكيف تبلف السذج، وكيف تجعل المواطن يصدق أن زعيمه أكبر من وطنه، وأن صوته أقوى من جيوش العالم، وأن الهزيمة ليست هزيمة ما دام المذيع يعلن أنها انتصار.
ومن هذا النوع، في رأيي، جمال عبدالناصر، ومعمر القذافي، وصدام حسين، وعلي عبد الله صالح.
كان جمال عبد الناصر، مثلاً، صاحب حضور جماهيري استثنائي، ومشروع سياسي تجاوز حدود مصر إلى العالم العربي كله. حقق تأميم قناة السويس، وارتبط عهده بالإصلاح الزراعي والتوسع في التعليم وبناء السد العالي، وأصبح رمزاً للتحرر العربي عند ملايين الناس. لكن الزعامة لا تُقاس بحجم التصفيق وحده.
ففي عهده وقعت هزيمة حزيران 1967، واحتلت إسرائيل سيناء وغزة والضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان خلال ستة أيام. وهنا ظهر التناقض المؤلم بين ضخامة الخطاب وقسوة الواقع.
أما معمر القذافي فقد ذهب أبعد في صناعة الزعيم الاستثنائي. اخترع نظريته وكتابه ولجانه وألقابه، وأنفق عقوداً وهو يقدم نفسه للعالم مفكراً وقائداً للثورة وملكا لملوك القارة، بينما بقيت ليبيا، على الرغم من ثروتها النفطية الهائلة وقلة عدد سكانها، دولة مرتبطة بشخص الحاكم أكثر من ارتباطها بمؤسسات مستقرة تستطيع حمايتها بعده.
وصدام حسين صنع واحدة من أضخم آلات صناعة الزعيم في التاريخ العربي الحديث. صوره في المدارس والمصانع والدوائر والشوارع، وتماثيله في الساحات، وخطبه في الإذاعة والتلفزيون، وألقابه التي لا تنتهي.
ثم جاءت النتائج. حرب مع إيران استمرت ثماني سنوات، ثم غزو الكويت، ثم حرب وحصار، ثم حرب أخرى، وانتهى الأمر بسقوط النظام والاحتلال الأميركي للعراق، بينما اختفت في أيام تلك الصورة الأسطورية للقائد الذي قيل للعراقيين طويلاً إنه لا يُهزم.
وعلي عبد الله صالح امتلك نوعاً مختلفاً من الزعامة. لم يكن صاحب مشروع أيديولوجي ضخم بقدر ما كان بارعاً في إدارة التحالفات والخصومات والتوازنات القبلية والعسكرية والسياسية. وظل يحكم اليمن أكثر من ثلاثة عقود، حتى أصبحت مهارة البقاء في السلطة بديلاً عن بناء دولة تستطيع البقاء من دون صاحبها.
وفي الطرف الآخر من التاريخ نجد نوعاً مختلفاً من الزعماء. زعماء لم يحتج الواحد منهم إلى أن يقول كل صباح إنه عظيم، لأن ما فعله كان كافياً ليقول إنه عظيم.
الزعامة الحقيقية لا تُقاس بالهتاف ولا بالصور، بل بما يتركه القائد من دولة ومؤسسات، أما النفخة الكذابة فتنفجر عند أول اختبار.
حين انهارت فرنسا أمام ألمانيا النازية عام 1940، رفض شارل ديغول التسليم بالهزيمة. خرج إلى لندن، وأطلق نداءه الشهير، وقاد «فرنسا الحرة»، ثم عاد مع تحرير بلاده. ولم تنته قصته هناك.
فعندما دخلت فرنسا أزمة سياسية عميقة عام 1958، عاد إلى الحكم، وأسهم في تأسيس الجمهورية الخامسة ونظامها الدستوري الجديد.
لكن أجمل ما في قصة ديغول ربما لم يكن عودته إلى السلطة، بل خروجه منها.
ففي عام 1969 ربط بقاءه بنتيجة استفتاء، وحين صوّت الفرنسيون ضد المقترح الذي طرحه، استقال. لم يقل إن فرنسا ستنهار بدونه. ولم يعتقل الذين صوتوا ضده. ولم يعلن أن نتيجة الاستفتاء مؤامرة أجنبية. فقط حمل نفسه وغادر.
ونيلسون مانديلا يقدم نموذجاً أكثر إثارة. قضى سبعةً وعشرين عاماً في السجن بسبب نضاله ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
كان يستطيع، بعد كل تلك السنوات، أن يخرج ممتلئاً بالحقد والرغبة في الانتقام.
لكنه خرج وهو يفكر في شيء أصعب بكثير من الانتقام. كيف يبني وطناً يستطيع فيه السجّان والسجين أن يعيشا معاً؟
أطلق الرئيس فريدريك دي كليرك سراحه عام 1990، وبدأت مفاوضات طويلة ومعقدة لإنهاء نظام الفصل العنصري.
وفي انتخابات عام 1994، وهي أول انتخابات وطنية يشارك فيها المواطنون من مختلف الأعراق على قدم المساواة، فاز المؤتمر الوطني الأفريقي بأغلبية كبيرة، وانتُخب مانديلا رئيساً لجنوب أفريقيا. وكان يستطيع أن يبقى. كان بطلاً قومياً، وزعيماً يتمتع بشعبية هائلة، وكان بوسعه أن يجد ألف مبرر للتمسك بالكرسي. لكنه حكم فترة رئاسية واحدة، ثم تنحى عام 1999.
وهنا تكمن عظمة الزعامة. ليس في الوصول إلى الكرسي فقط، بل في معرفة اللحظة التي ينبغي فيها مغادرته.
ويمكن أن نضيف نموذجاً آخر هو جورج واشنطن الذي قاد حرب استقلال الولايات المتحدة، وأصبح أول رئيس للجمهورية الجديدة. وكانت مكانته تسمح له، في ذلك الزمن، بأن يحاول البقاء طويلاً في الحكم.
لكنه ترك الرئاسة طوعاً بعد فترتين. وبذلك ساعد، بسلوكه قبل النصوص، على ترسيخ فكرة شديدة الأهمية، الرئيس موظف مؤقت، أما الدولة فدائمة.
وهناك في آسيا نموذج مختلف يستحق الوقوف عنده، إنه مهاتير محمد الذي ارتبط اسمه بالتحول الاقتصادي الكبير في ماليزيا.
تولى رئاسة الحكومة عام 1981، في بلد نامٍ يعتمد بدرجة كبيرة على بيع المواد الأولية وعلى الزراعة، وعمل خلال أكثر من عقدين على دفع ماليزيا نحو التصنيع، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع التعليم، وبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية جعلت البلاد واحدة من أبرز الاقتصادات الصاعدة في جنوب شرق آسيا.
لم تكن زعامته قائمة على القول إن ماليزيا دولة عظمى، بل على محاولة جعلها دولة أقوى بالفعل.
والأهم أن مهاتير، بعد اثنين وعشرين عاماً في رئاسة الحكومة، ترك منصبه عام 2003.
الزعيم الزائف يقنع شعبه أنه لا وطن بدونه، بينما الزعيم الحقيقي يبني وطناً يستمر بعده، وتظل إنجازاته شاهدة عليه حتى بعد رحيله.
وحين نقارن تجربة ماليزيا بتجارب دول عربية امتلكت النفط والمال والسكان والموقع الجغرافي، ثم استنزفت مواردها في الحروب والمغامرات وصناعة تماثيل الزعيم، يظهر الفرق بين حاكم يسأل: كيف أبني بلدي؟ وحاكم يسأل: كيف أجعل بلدي يهتف باسمي؟
وفي العالم العربي أيضاً نجد تجربة تستحق التأمل، هي تجربة الحبيب بورقيبة في تونس، ولكن من زاوية مختلفة.
كان من أبرز قادة الاستقلال، وبنى دولة حديثة وحقق إصلاحات مهمة، ولا سيما في التعليم ووضع المرأة. لكنه قدم لنا في الوقت نفسه درساً معاكساً. فالزعيم الذي يبدأ مشروعه ببناء الدولة يمكن أن ينتهي إلى إضعاف إنجازه إذا اقتنع بأنه وحده القادر على حمايته.
بقي بورقيبة في السلطة حتى أصبح رئيساً مدى الحياة، وانتهى حكمه بإزاحته عام 1987.
وهكذا يجتمع في الرجل الواحد أحياناً الزعيم الحقيقي والزعيم الذي يقع أسيراً لزعامته.
إذن، ما الذي يجعل الزعيم عظيماً؟ ليس عدد صوره. ولا طول خطاباته. ولا عدد المرات التي يذكر فيها الإعلام اسمه. ولا عدد الملايين التي تهتف له في الساحات.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما نسأل، ماذا ترك وراءه؟ هل ترك دولة أم ترك فراغاً؟ هل ترك مؤسسات تستطيع العمل من دونه، أم ترك نظاماً ينهار بمجرد اختفائه؟ هل جعل شعبه أكثر أمناً وحرية وتعليماً وازدهاراً؟ وهل كان قادراً، في النهاية، على أن يقول: انتهى دوري، وليأتِ غيري؟
الزعيم الزائف يريد أن يقنع شعبه بأنه لا وطن بدونه. أما الزعيم الحقيقي فيعمل، طوال سنوات حكمه، لكي يجعل الوطن يستمر بدونه.
الطبل يحتاج لمن يضرب عليه لكي يُسمع، أما الزعيم الحقيقي، فإن إنجازاته تظل تهتف بحياته، بعد أن يموت.