الببغاء الذي أتقن النحو
لا يمر يوم اليوم دون حديث عن الذكاء الاصطناعي وقدراته في الطب والفن والعلوم والأعمال والاقتصاد والحروب وغيرها من مجالات، إلى الحد الذي قد يصل إلى الاعتقاد الأعمى بحتمية قدراته، يقابله نظريات أخرى في نقده، وفي الدعوة إلى مقاومة إلغائه للعنصر البشري. لكن الأمر يحتاج قراءة عميقة من الداخل لفهم الظاهرة.
العنوان في هذا الغلاف "خدعة الذكاء الاصطناعي" ليس وصفا لموضوع، بل حكم على فاعل. فالكلمة المحورية فيه، وهي لفظة الخدعة، لا تصف الآلة وإنما تصف من يبيعها. وأصل هذه اللفظة في الإنجليزية مأخوذ من لعبة الثقة، أي ذلك الضرب من الاحتيال الذي لا يتم إلا بتواطؤ الضحية وحسن ظنها.
وهكذا يقول عنوان كتاب إميلي م. بندر وأليكس هانا، الصادر عن دار هاربر، في كلمتين ما يفصله الكتاب في سبعة فصول: إن الخدعة ليست في البرنامج بل في الوعد المرفوع فوقه، وإنها محتاجة إلى تصديقنا كي تكتمل. أما العنوان الفرعي فيقطع شطرين: مواجهة التضخيم، وصناعة مستقبل بديل، وسيتبين للقارئ أن الشطر الأول أمتن في الكتاب من الثاني. ومما يستوقف في هذه العتبة أن اسم عالمة اللسانيات تقدم على اسم عالمة الاجتماع، وهو ترتيب دال، لأن حجة الكتاب لغوية في أساسها قبل أن تكون اقتصادية أو سياسية.
من يتكلم؟
في سنة 2021 نشرت إميلي بندر، أستاذة اللسانيات الحاسوبية بجامعة واشنطن، مع تيمنيت غيبرو وزميلتين لهما، ورقة صار عنوانها مثلا سائرا: في مخاطر الببغاوات الاحتمالية. والوصف دقيق في شقيه: ببغاء لأن النموذج يعيد ما مر به، واحتمالي لأنه يعيده بترتيب مرجح لا بترتيب محفوظ.
وقد كلفت تلك الورقة أصحابها ثمنا مهنيا، فقد خرجت غيبرو من غوغل، وتلتها أليكس هانا، عالمة الاجتماع التي صارت مديرة البحث في معهد البحث الموزع في الذكاء الاصطناعي. ومن هذا الموقع، موقع من كان في الداخل ثم غادر، كتب هذا الكتاب، وهو موقع يمنح صاحبه معرفة بالتفاصيل وميلا إلى الجدل في آن واحد.
في وصل الكتاب بنظرية الثقافة
خلاصة ما يذهب إليه المؤلفان أن عبارة الذكاء الاصطناعي ليست اسما لتقنية بعينها، بل مظلة تسويقية تجمع تحتها أنظمة متباينة الوظائف والقدرات، وأن وظيفة هذه المظلة أن تدفع السامع إلى أن ينسب إلى الآلة فهما وقصدا لا وجود لهما. ويصفان دورة تضخيم تتكرر بانتظام: وعد معلق في المستقبل يبرر في الحاضر انتزاع البيانات من أصحابها، واستخراج عمل بشري رخيص، واستبدال خدمات إنسانية بأخرى أقل كلفة، وتحويل عمل ذي معنى إلى عمل يعامل صاحبه معاملة الآلة. ومن ألطف ملاحظاتهما أن الخوف المفزع من الآلة والحماسة المفرطة لها وجهان لعملة واحدة، إذ يضخم الطرفان قدرتها، ويصب الاثنان في مصلحة من يبيعها.
وأصل الحجة عندهما لساني لا تقني: نحن مهيؤون، بحكم تكويننا التواصلي، لأن نفترض عقلا وراء كل كلام منسجم، لأننا لم نعرف قط في تاريخنا فصاحة بلا متكلم. فالمعنى لا يقيم في النص وحده، وإنما ينشأ في ذهن المتلقي الذي يملأ فراغاته ويقدر لصاحبه نية. وهنا مكمن الوهم في نظرهما: الآلة لا تخدعنا، بل نحن نتبرع لها بالمعنى ثم ننسبه إليها.
الخوف المفزع من الآلة والحماسة المفرطة لها وجهان لعملة واحدة، إذ يضخم الطرفان قدرتها، ويصب الاثنان في مصلحة من يبيعها
يقع هذا الكتاب في قلب موجة نظرية صاعدة تعرف اليوم بالدراسات النقدية للذكاء الاصطناعي، وهي تلتقي بأربعة خطوط كبرى في نظرية الثقافة الراهنة.
الخط الأول يقرأ الذكاء الاصطناعي بوصفه صناعة استخراجية لا فكرة مجردة، على نحو ما فعلت كيت كروفورد في أطلس الذكاء الاصطناعي، حين تتبعت سلسلة الأشياء من مناجم المعادن النادرة إلى مزارع الخوادم وما تستهلكه من ماء وطاقة. ومؤدى ذلك أن الثقافة الرقمية مسألة مادية قبل أن تكون رمزية، وأن كل استعارة عن السحابة تخفي جغرافيا ثقيلة.
الخط الثاني هو ما سماه نيك كولدري وأوليسيس ميخياس الاستعمار البياني: أن يتحول مجموع ما ننتجه من كلام وصور وعلاقات إلى مورد خام يستولى عليه من غير مقابل ولا إذن، على مثال ما جرى للأرض في الاستعمار القديم. وهذه هي الحلقة التي تصل الكتاب بموضوع القراءة مباشرة، فمكتباتنا ودورياتنا ومدونات تراثنا هي المادة الخام لهذه النماذج، وقد أخذت قبل أن يسأل أحد أهلها.
الخط الثالث هو ما يعرف بالعمل الشبح، كما وصفته ماري غراي وسيدهارث سوري: أن خلف كل أتمتة تبدو سحرية بشرا يصنفون ويشذبون ويصححون، في ظروف هشة وفي أطراف العالم غالبا. فما نسميه ذكاء اصطناعيا كثيرا ما يكون عملا إنسانيا أحسن إخفاؤه، وهذه ملاحظة سوسيولوجية تنسف الاستعارة كلها.
الخط الرابع هو ما يسميه بيونغ تشول هان أزمة السرد: أن المعلومة أزاحت الحكاية، وأن ما يوزع علينا اليوم شذرات لا تتراكم في معنى. والنموذج اللغوي في هذا الأفق آلة معلومات كاملة الفصاحة، بلا سرد ولا ذاكرة ولا انتماء إلى تاريخ يروى. ويضاف إلى هذه الخطوط ما سبقت الإشارة إليه من إيكولوجيا الانتباه عند إيف سيتون، إذ تصير القراءة الطويلة ممارسة مقاومة لا ترفا.
مدخل عربي إلى الجدل
وفي وسع القارئ العربي أن يدخل هذا النقاش من باب لا يملكه غيره. فحين عرف ابن جني اللغة قال إنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، فجعل الغرض ركنا في الحد لا زينة فيه. وحين بنى عبد القاهر الجرجاني نظرية النظم رد الفصاحة لا إلى الألفاظ في ذاتها، بل إلى توخي معاني النحو في ترتيبها، أي إلى قصد ناظم يرتب. وحين بحث الأصوليون في الدلالة جعلوا مدارها على مراد المتكلم لا على ظاهر اللفظ وحده.
والذي بين أيدينا اليوم جهاز ينتج نظما بلا ناظم، وفصاحة بلا غرض، وكلاما لا يقوم وراءه شاهد يسأل عما قال. وهذا في ميزان تراثنا اللغوي ليس كلاما ناقصا يكمل، بل هو جنس آخر يشبه الكلام ولا يكونه. ولعل أدق ما يوصف به أنه أثر كلام لا كلام، كما يكون أثر القدم في الرمل دليلا على ماش ولا يكون مشيا.
مآخذ لا بد منها
على أن الإنصاف يقتضي تسجيل ثلاثة مآخذ. أولها أن صورة الببغاء الاحتمالي صيغت سنة 2021، وقد تغيرت قدرات النماذج بعد ذلك تغيرا يستدعي تفسيرا لا مجرد استبعاد، وقد لاحظ غير ناقد أن الكتاب يمر على هذا الاعتراض مرورا سريعا. وثانيها أن القول بأن مطابقة الأنماط لا تنتج فهما يحتاج إلى تحديد صارم لمعنى الفهم، وإلا انقلبت الحجة على الإنسان نفسه، فهو أيضا يتعلم بالتكرار والاستقراء.
وثالثها أن الكتاب في هدم التضخيم أقوى منه في بناء البديل، فالعنوان الفرعي يعد بمستقبل نريده، ولا يمنح القارئ منه إلا خطوطا عامة في التنظيم والمقاومة. والمسألة في جوهرها مفتوحة بين أهل الاختصاص، وليس من شأن مقال ولا من شأن كتاب واحد أن يحسمها.
يبقى لهذا الكتاب فضل نادر، هو أنه يعيد السؤال إلى موضعه الصحيح. ليس السؤال المهم هل تفكر الآلة، فذلك جدل قد يطول قرنا، وإنما السؤال: من المستفيد من إقناعنا بأنها تفكر، وما الذي يمرر تحت هذا الإقناع من انتزاع ومن استبدال. وفي هذا يلتقي الكتاب بسؤال القراءة الذي شغلنا: حين نترك للآلة أن تلخص لنا ما لم نقرأه، فنحن لا نوفر وقتا فحسب، بل نتنازل عن موقع الشاهد الذي يقرأ فيتحمل ما قرأ. والثقافة لا تقوم بمردد مهما بلغت فصاحته، وإنما تقوم بشاهد يقول ما يعني، ويحمل تبعة ما قال.