إعادة كتابة سردية القوة في الخليج العربي

لم تتخل أبوظبي عن السلام، وإنما أعادت تعريف القوة التي تحرسه، ولم تغلق الدبلوماسية، وإنما وضعت خلفها ميزاناً للكلفة.
الثلاثاء 2026/09/01
طهران تنتج الخطر والآخرون يدفعون كلفة احتوائه

لم تكن السردية السياسية الإماراتية تجاه إيران قائمة في أيّ مرحلة على إنكار الجغرافيا، فالجغرافيا لا تستجيب للرغبات ولا تتغير بالخطب والشعارات، وإيران ستبقى على الضفة الأخرى من الخليج العربي، دولة كبيرة بتاريخها وسكانها ومصالحها وطموحاتها ومشكلاتها أيضاً،  لهذا اختارت أبوظبي منذ سنوات طريقاً يبدو بسيطاً في ظاهره، شديد التعقيد في حساباته وهو أن تمتلك القدرة على حماية أمنها، وأن تترك باب السياسة مفتوحاً، وأن تفصل بين خلافها مع سلوك النظام الإيراني وبين علاقتها بالشعب الإيراني، كانت تلك واقعية دولة تعرف أن الجيران لا يملكون ترف اختيار جيرانهم، وأن السلام ليس قصيدة أخلاقية تُقرأ في المؤتمرات، وإنما هندسة دقيقة للمصالح والقوة والردع.

لهذا لم يكن الحوار الإماراتي مع طهران استرضاءً، ولم تكن التجارة تنازلاً، ولم يكن خفض التصعيد علامة ضعف، كانت أبوظبي تختبر فكرة سياسية مختلفة عن تلك التي حكمت الشرق الأوسط طويلاً وهي ماذا لو أصبحت التنمية أكثر جاذبية من الصراع؟، ماذا لو استطاعت المصالح أن تخفض حرارة الأيديولوجيا؟ وماذا لو تحولت المنطقة من خرائط للنفوذ إلى خرائط للاقتصاد والموانئ والممرات والتكنولوجيا والاستثمار؟

هذه فلسفة عميقة ليست مخفيّة فلطالما كان الدكتور أنور قرقاش المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات بارعاً في تقديمها عبر منشوراته في منصة إكس وحتى في مشاركته في جلسات المؤتمرات والندوات، وكذلك هي مكشوفة من مواقف الدولة على كافة المستويات السياسية.

في الجهة الأخرى كانت إيران تكتب سرديتها بطريقة مختلفة، بنت الجمهورية الإسلامية جزءاً مهماً من قوتها الإقليمية على فكرة أن الخوف منها رأسمال سياسي، ليس ضرورياً أن تطلق الصاروخ في كل مرة، يكفي أن يعرف الآخرون أنها تستطيع إطلاقه،  وليس ضرورياً أن تدخل الحرب مباشرة، فهناك وكلاء وساحات وأذرع ومساحات رمادية تستطيع من خلالها رفع الكلفة على خصومها، فيما تبقى الدولة الإيرانية خلف طبقات من الإنكار والمساومة والتفاوض.

كانت المعادلة الإيرانية تعمل لسنوات بأن طهران تنتج الخطر، والآخرون يدفعون كلفة احتوائه، لبنان يدفع، اليمن يدفع، العراق يدفع، البحر الأحمر يدفع، ودول الخليج العربي تنفق على الدفاع والحماية والتأمين وتحصين المنشآت والممرات البحرية، فيما تحتفظ إيران بمنافذ التجارة وتستخدم الاقتصاد الإقليمي للتخفيف من أثر العقوبات الدولية، هكذا أصبح التهديد نفسه مورداً من موارد السياسة الإيرانية، وكلما ارتفعت احتمالات الانفجار تحرك الوسطاء، وكلما ارتفعت النبرة بدأ البحث عن صفقة جديدة.

ماذا لو استطاعت المصالح أن تخفض حرارة الأيديولوجيا؟ وماذا لو تحولت المنطقة من خرائط للنفوذ إلى خرائط للاقتصاد والموانئ والتكنولوجيا والاستثمار؟

الحرب الأخيرة أصابت هذه السردية في مكان حساس عندما وصلت الهجمات الإيرانية إلى دول الخليج العربي لم تعد المسألة خلافاً حول برنامج نووي أو صراع نفوذ بعيداً عن المدن والمطارات والموانئ، انتقل السؤال إلى مستوى آخر وهو لماذا يجب أن تستمر العلاقات الاقتصادية الطبيعية مع دولة تجعل البيئة الأمنية غير طبيعية؟ ولماذا يحصل الاقتصاد الإيراني على مزايا السلام فيما تستخدم طهران أدوات الحرب؟

هنا جاءت الخطوة الإماراتية بوقف الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران لتقول شيئاً يتجاوز الأرقام والمصارف والشحنات التجارية،  أبوظبي لم تغلق باب السياسة، ولم تتخل عن فكرة الحوار، ولم تحول خلافها مع النظام الإيراني إلى خصومة مع الشعب الإيراني،  الذي تغير هو تعريف العلاقة بين الأمن والاقتصاد.

ومن هذه النقطة تبدأ سردية إماراتية جديدة هي السلام يحتاج إلى كلفة تحميه،  قد تكون هذه الجملة أهم من العقوبات نفسها، لأن إيران اعتادت أن تجعل الآخرين يفكرون في كلفة مواجهتها، فيما يبدأ التحول الجديد من سؤال معاكس وهو ما كلفة السلوك الإيراني على إيران نفسها؟

تهدد دولة فتخسر سوقاً، تطلق صاروخاً فتغلق قناة مالية، ترفع مستوى التصعيد فتتراجع حركة التجارة، تستخدم القوة للحصول على تنازل فتكتشف أن القوة أغلقت منفذاً كان اقتصادها يحتاج إليه، هنا يفقد التهديد جزءاً من قيمته السياسية..

تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بشأن الخطوة الإماراتية كشفت أن واشنطن قرأت هذا التحول سريعاً، ورأت فيه نموذجاً يمكن توسيعه،  لكن الخطأ سيكون اختزال القرار الإماراتي في استجابة لرغبة أميركية،  الأمن الوطني لا يحتاج إلى تعليمات من أحد عندما تصل الصواريخ إلى الجغرافيا الوطنية، والمصلحة الإماراتية سبقت أي تفسير خارجي لهاـ ما حدث أن المصالح الإماراتية والأميركية التقت عند نقطة واحدة وهي أنه لا يمكن لإيران أن تخوض الحرب وتحصل في الوقت ذاته على اقتصاد السلام.

وهذه المعادلة إذا انتقلت إلى دول وأسواق أخرى ستضع طهران أمام مأزق أكثر تعقيداً من خسارة معركة عسكرية، فالصاروخ يمكن تعويضه، والمنصة يمكن استبدالها، والمنشأة يمكن ترميمها، أما فقدان الثقة الاقتصادية فهو نزيف مختلف، الشركات تخشى المخاطر، المصارف تخشى العقوبات، المستثمرون يكرهون المجهول، وشركات التأمين تترجم السياسة إلى أرقام لا تعرف المجاملة.

إيران بنت جزءاً مهماً من قوتها الإقليمية على فكرة أن الخوف منها رأسمال سياسي ليس ضرورياً أن تطلق الصاروخ يكفي أن يعرف الآخرون أنها تستطيع إطلاقه

تبقى الصين الاختبار الأكبر لهذه المعادلة، تستطيع إيران البحث عن طرق التفافية، وناقلات ووسطاء وأسواق بديلة، لكن السؤال ليس ما إذا كانت ستبيع برميلاً إضافياً هنا أو هناك، السؤال هو ما إذا كان العالم الذي تحتاج إليه إيران سيجد أن التعامل معها يستحق الكلفة التي أصبحت تفرضها على شركائها.

وهنا قد تكتشف طهران خطأها الأكبر، لقد افترضت طويلاً أن دول الخليج العربي ستخشى غضبها إلى درجة تجعلها تحافظ على أبوابها مفتوحة مهما ارتفع مستوى التهديد، وربما لم تحسب أن الصاروخ الذي أطلق لإنتاج الخوف يمكن أن ينتج قراراً معاكساً، وأن السلاح الذي أراد إجبار الجيران على الحذر قد يقنعهم بأن الحذر وحده لم يعد سياسة كافية.

السردية الإماراتية لا تحتاج إلى إيران منهارة، فالفوضى على الضفة الأخرى من الخليج العربي ليست مصلحة لأحد، ولا تحتاج إلى إيران منتصرة تعود إلى تصدير فائض قوتها نحو جيرانها، ما تحتاج إليه المنطقة دولة إيرانية طبيعية تدرك أن ازدهارها يرتبط باستقرار جوارها، وأن الموانئ أكثر قيمة من منصات الصواريخ، وأن التجارة أطول عمراً من المغامرات العسكرية.

لهذا لم تتخل أبوظبي عن السلام، وإنما أعادت تعريف القوة التي تحرسه، ولم تغلق الدبلوماسية، وإنما وضعت خلفها ميزاناً للكلفة،  وهذه ربما تكون اللحظة التي تبدأ فيها إيران بمواجهة سؤال لم تعتد عليه: ليس كم يستطيع الآخرون تحمل تهديداتها، وإنما كم تستطيع هي أن تدفع ثمنها، فالدول تستطيع أن تصنع قوتها بالخوف زمناً، لكنها عندما تستهلك خوف الآخرين تبدأ باستهلاك قوتها نفسها.