اللعبة باقية، الأدوات تغيرت
لم تمت «لعبة الأمم» التي كتب عنها مايلز كوبلاند، ولم تغادر القوى الكبرى غرف الخرائط، ولم تتوقف الإمبراطوريات عن حساب المسافات بين الموانئ والحقول والمضائق والعواصم. الذي تغير هو شكل الطاولة، ونوعية القطع، وسرعة الحركة. كانت الإمبراطوريات في القرن العشرين تقيس قوتها بعدد حاملات الطائرات والقواعد والجيوش، أما القرن الحادي والعشرون فقد أضاف إلى المدفع رقاقة إلكترونية، وإلى البارجة خوارزمية، وإلى الحصار العسكري عقوبة مصرفية، وإلى الجغرافيا الطبيعية جغرافيا أخرى من البيانات والكابلات والأقمار الصناعية ومراكز الحوسبة.
قال فرانكلين روزفلت عشية دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية إن أميركا يجب أن تصبح «الترسانة العظيمة للديمقراطية». كان الرجل يرى ما وراء الدخان؛ يعرف أن الحرب لا تُربح في الخنادق وحدها، وإنما في المصانع التي تنتج أسرع، والموانئ التي تشحن أكثر، والاقتصاد الذي يستطيع أن يطعم الجبهة من دون أن ينهار ظهره في الداخل.
بعد أكثر من ثمانية عقود، ما زالت أميركا «ترسانة»، غير أن ترسانتها أصبحت أكبر من مخازن السلاح.
الدولار سلاح، والرقاقة سلاح، والعقوبات سلاح، وشركة التأمين سلاح، والقمر الصناعي سلاح، والمنصة الرقمية سلاح، ومركز البيانات سلاح، والذكاء الاصطناعي أصبح العقل الذي يستطيع مضاعفة فاعلية كل هذه الأدوات في وقت واحد.
الذكاء الاصطناعي أصبح مضاعف القوة يختصر زمن الاستخبارات ويربط الاقتصاد بالعسكر لكنه يعيدنا إلى أقدم حقائق النفوذ: الطاقة والممرات البحرية
ومن هنا يبدو وصف العالم بأنه «متعدد الأقطاب» صحيحاً في ظاهره وناقصاً في جوهره. فالصين قطب صناعي واقتصادي وتكنولوجي هائل، وروسيا قوة نووية وعسكرية وطاقوية، والاتحاد الأوروبي كتلة اقتصادية وتنظيمية يصعب تجاوزها، غير أن وجود أقطاب متعددة لا يعني وجود مراكز متساوية للقوة.
السؤال الحقيقي ليس: كم قطباً في العالم؟
السؤال: من يستطيع أن يحول قوته الوطنية إلى قواعد يضطر الآخرون إلى العيش داخلها؟
هنا ما زالت الولايات المتحدة تقف في مساحة مختلفة. الصين تنافسها، روسيا تتحداها، أوروبا تفاوضها، لكن واشنطن ما زالت القوة الأقدر على أن تضع الدولار والبارجة والرقاقة والقمر الصناعي والخوارزمية وشبكة التحالفات فوق الطاولة نفسها، ثم تحركها باتجاه هدف واحد.
وجاء الذكاء الاصطناعي ليضاعف هذه الأفضلية.
فالذكاء الاصطناعي ليس صناعة جديدة تضاف إلى الصناعات القديمة، إنه مضاعف للقوة نفسها؛ يختصر زمن الاستخبارات، ويقرأ صور الأقمار الصناعية، ويربط البيانات الاقتصادية بالعسكرية، ويراقب البحار، ويطور الحرب السيبرانية، ويمنح القرار سرعة كانت تحتاج في زمن كوبلاند إلى غرف ممتلئة بالمحللين والخرائط والملفات.
لكن المفارقة المدهشة أن أكثر تقنيات المستقبل تقدماً تعيد العالم إلى أقدم حقائق القوة: الطاقة.
فالخوارزمية لا تعمل في الفراغ. خلف كل مركز بيانات محطة كهرباء، وخلف كل قدرة حاسوبية هائلة طلب هائل على الطاقة، وخلف الثورة الرقمية مصانع ومعادن ومياه تبريد وشبكات نقل. وهكذا تعيدنا شاشة الذكاء الاصطناعي المضيئة إلى برميل النفط وأنبوب الغاز والمفاعل النووي والممر البحري.
وهنا تصبح الجيواقتصاد مفتاحاً لفهم حركة النظام العالمي.
لم تعد السيطرة تعني أن ترفع علمك فوق حقل النفط، وإنما أن تضمن ألا يستطيع خصمك استخدام ذلك الحقل ضدك. ولا تحتاج القوة العظمى إلى امتلاك كل برميل، يكفيها أن تمنع منافسها من التحكم في البرميل الذي يحتاج إليه العالم، وأن تبقى قادرة على حماية الطريق الذي يعبر منه.
لهذا يبدو مضيق هرمز أكبر من خرائطه.
هرمز ليس ممراً بين ضفتين فقط؛ إنه عقدة تربط حقول الخليج العربي بمصانع آسيا، والناقلة بشركة التأمين، وشركة التأمين بالمصرف، والمصرف بالدولار، والدولار بالقرار السياسي. وإذا تحركت قطعة واحدة في هذه السلسلة اهتزت أسعار الطاقة في قارات بعيدة.
الحصار في القرن الحادي والعشرين لم يعد سوراً.
الحصار أصبح شبكة.
ومن هرمز تمتد الخريطة غرباً عبر بحر العرب وخليج عدن حتى تصل إلى العقدة الأخرى التي لا تقل حساسية: باب المندب.
من يقرأ هرمز من دون باب المندب يقرأ نصف كتاب الجغرافيا.
فباب المندب هو البوابة التي يدخل منها المحيط الهندي إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس والبحر المتوسط. وعندما يضطرب هذا الممر لا تتوقف سفينة أمام اليمن فقط؛ ترتفع كلفة التأمين في لندن، وتتغير مسارات الناقلات، وتتأخر البضائع في أوروبا، وتضطرب حسابات الطاقة والتجارة بين آسيا والغرب.
وهنا ستعيد الجغرافيا تقديم لاعبين ربما يكون دورهما في العقود المقبلة أكبر كثيراً من حجمهما الاقتصادي الراهن: دولة الجنوب العربي وصوماليلاند.
◄ بعد أكثر من ثمانية عقود، ما زالت أميركا "ترسانة"، غير أن ترسانتها أصبحت أكبر من مخازن السلاح.
فعدن والمكلا وسقطرى ليست أسماء معلقة على ذاكرة تاريخية، وبربرة ليست ميناء أفريقياً بعيداً عن مركز العالم. هذه نقاط ارتكاز على واحد من أهم الشرايين البحرية للكوكب. وإذا استقرت التحولات السياسية بما يسمح ببناء مؤسسات موثوقة وقوى أمنية محترفة، فإن الضفتين الآسيوية والأفريقية لخليج عدن تستطيعان إنتاج منظومة متقدمة لصيانة المنطقة والقرن الأفريقي من الإرهاب والقرصنة وتهريب السلاح والشبكات العابرة للحدود.
الجغرافيا هنا تمنح دولة الجنوب العربي وظيفة تتجاوز حدودها. فالدولة المستقرة على ساحل يمتد من باب المندب إلى بحر العرب لن تكون رقماً سياسياً جديداً في شبه الجزيرة العربية فقط؛ يمكن أن تصبح ركناً من أركان الأمن البحري العالمي، وشريكاً في حماية الطريق الذي يصل آسيا بأوروبا.
وعلى الضفة الأخرى، تستطيع صوماليلاند أن تقدم الوظيفة ذاتها من بوابة بربرة والقرن الأفريقي.
فالقرن الجديد لن يحمي بحاره بالأساطيل الكبرى وحدها. ستصبح الدول المطلة على الممرات هي خطوط الدفاع الأولى، بينما تقدم القوى الكبرى الاستخبارات والتكنولوجيا والردع والقدرات التي لا تستطيع الدول الأصغر امتلاكها منفردة.
ومن هنا يجب إعادة فهم الحديث عن “الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط”.
أميركا تستطيع سحب جندي، لكنها لا تستطيع سحب الجغرافيا.
لا تستطيع قوة عالمية تنافس الصين أن تغادر منطقة تحتوي على هرمز وباب المندب وقناة السويس، وتمتلك جزءاً هائلاً من احتياطيات الطاقة، وتقع بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. ما تستطيع واشنطن فعله هو تغيير طريقة وجودها.
قال دوايت آيزنهاور إن «عنصراً حيوياً في حفظ السلام هو مؤسستنا العسكرية»، قبل أن يحذر في خطابه الوداعي نفسه من النفوذ غير المبرر للمجمع العسكري الصناعي. وبين الفكرتين توجد معادلة أميركية ما زالت قابلة للحياة: امتلاك القوة من دون تحويل استخدامها الدائم إلى غاية.
وهذا ما يمكن أن نراه في الشرق الأوسط المقبل: أميركا أقل حضوراً في الخطوط الأمامية، وأكثر وجوداً في السماء والبحر والفضاء والاقتصاد والتكنولوجيا والاستخبارات. حلفاؤها في المقدمة، وهي خلفهم تمنح شبكة الأمن قدرتها على الردع.
وهنا تكتسب التحالفات البينية قيمتها الحقيقية.
فالأمن الإقليمي المستدام لا يمكن أن يبقى خدمة أميركية تستهلكها دول المنطقة. يجب أن يتحول إلى منتج إقليمي تصنعه دول تمتلك مصلحة في حماية الاستقرار، فيما توفر واشنطن المظلة الاستراتيجية والتكنولوجيا والقدرات النوعية.
ومن هذه الزاوية تصبح الاتفاقيات الإبراهيمية أكبر من فكرة التطبيع نفسها.
إنها، إذا تطورت، نواة محتملة لشبكة مصالح في التجارة والتكنولوجيا والطاقة والأمن البحري والدفاع الجوي والذكاء الاصطناعي، مع ضرورة بقاء التسوية العادلة للقضية الفلسطينية عنصراً ضرورياً لاستقرار أي بناء إقليمي طويل الأمد.
فالتحالف الأكثر بقاء ليس الذي يجمع الدول حول عدو فقط، وإنما الذي يجعل السلام نفسه مصلحة يصعب التخلي عنها.
قال ونستون تشرشل في هارفارد عام 1943: «ثمن العظمة هو المسؤولية». والقوة الأميركية في القرن الحادي والعشرين ستُختبر في قدرتها على ممارسة المسؤولية من دون العودة في كل أزمة إلى الاحتلال والحروب المفتوحة.
من هرمز إلى باب المندب تتحدد معادلات الأمن العالمي فالممرات ليست خطوطًا جغرافية فقط بل شبكات تربط النفط بالدولار والتأمين بالقرار السياسي
وهنا قد تكون الاتفاقيات الإبراهيمية، مدعومة أميركياً، جزءاً مركزياً من هندسة أوسع تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج العربي، ومن هرمز إلى باب المندب، ومن شبه الجزيرة العربية إلى القرن الأفريقي.
ليست نسخة جديدة من حلف بغداد، ولا مظلة عسكرية كلاسيكية تحمل توقيع القرن الماضي. إنها، في صورتها الأكثر نضجاً، شبكة مصالح؛ موانئ مرتبطة، اقتصادات متداخلة، دفاعات تتبادل المعلومات، بحار تحرسها الدول المطلة عليها، واستثمارات تجعل تكلفة إشعال الحرب أعلى من أرباحها.
وهنا يعود الشرق الأوسط إلى لعبة الأمم، لكن بصورة مختلفة.
لا بوصفه رقعة تحرك القوى الكبرى فوقها قطعها، وإنما منطقة تستطيع دولها أن تصبح جزءاً من صناعة قواعد اللعبة نفسها.
فالعالم القادم لن يحكمه من يمتلك أكبر جيش فقط، ولا من ينتج أكبر اقتصاد فقط. ستذهب الأفضلية لمن يستطيع جمع الطاقة والحوسبة والمال والجغرافيا والبيانات والتحالفات والسردية داخل منظومة واحدة.
وقد تكون هذه هي الحقيقة التي ستحدد العقود المقبلة.
العالم متعدد الأقطاب، نعم، لكنه لم يصبح متعدد القوة بالتساوي.
والولايات المتحدة، ما دامت قادرة على جمع البرميل والدولار والرقاقة والبارجة والخوارزمية والحليف داخل معادلة واحدة، ستبقى في قلب النظام الذي يحاول الآخرون إعادة تشكيله.
لقد تغيرت لعبة الأمم.
لم تعد القطع وحدها تتحرك فوق الخريطة.
الخريطة نفسها أصبحت تتحرك، ومن لا يعرف موقعه عليها قد يكتشف متأخراً أنه لم يكن لاعباً في اللعبة، وإنما كان إحدى قطعها.