سر هدوء صدام في لحظة الإعدام

الطاغية كثيراً ما يعيد تسمية جرائمه: يسمّي القتل حزماً، والقمع حماية للدولة، والحرب دفاعاً عن الوطن، وإبادة الخصوم تنفيذاً لإرادة التاريخ أو القدر.
الثلاثاء 2026/09/01
صورة “القائد الشجاع” الذي لا يتراجع ولا ينكسر

هدوء صدام حسين وهو يصعد إلى المشنقة لا يثبت أنه كان بلا خوف، ولا أنه كان مرتاح الضمير. فالإنسان قد يبدو ثابتاً في الخارج، بينما يعيش خوفاً شديداً في داخله، خصوصاً عندما يعلم أن الكاميرات وخصومه والتاريخ يراقبون لحظاته الأخيرة.

ويمكن تفسير هدوئه بعدة عوامل متداخلة.

أولها أنه أمضى حياته يصنع لنفسه صورة «القائد الشجاع» الذي لا يتراجع ولا ينكسر. وكان انهياره أمام خصومه في اللحظة الأخيرة سيهدم الصورة التي بناها طوال عقود.

وثانيها أنه، بعد صدور الحكم ونفاد فرص النجاة، ربما انتقل من مقاومة الموت إلى تقبّله بوصفه أمراً محسوماً لا يستطيع تغييره.

وثالثها أن ردوده على هتافات خصومه داخل غرفة الإعدام تدل على أنه ظل يؤدي دور الرئيس ويتحدى جلاديه حتى النهاية، لا أنه كان خالياً بالضرورة من الخوف.

ورابعها أنه ربما أراد تحويل إعدامه من نهاية حاكم مدان إلى مشهد «استشهاد» يستثمره أنصاره بعد موته.

لقد واجه صدام موته بهدوء لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو: هل واجه ضميره بالهدوء نفسه أم إنه لم يقتنع يوماً بوجود شيء اسمه الضمير؟ الله أعلم

وخامسها أن طول احتكاكه بالعنف والموت، وإصداره أوامر القتل طوال سنوات، ربما جعلاه أكثر تبلداً أمام مشهد موته الشخصي.

لكن الاحتمال الأعمق، في تقديري، هو أنه ظل مقتنعاً بأنه لم يخطئ، وأن كل ما فعله كان ضرورياً أو مقدّراً. فالطاغية كثيراً ما يعيد تسمية جرائمه: يسمّي القتل حزماً، والقمع حماية للدولة، والحرب دفاعاً عن الوطن، وإبادة الخصوم تنفيذاً لإرادة التاريخ أو القدر.

وفي كتابي (دولة الإذاعة) رويت حكاية قديمة تكشف أن هذه الفكرة لم تولد لدى صدام بعد وصوله إلى الحكم، بل كانت حاضرة في تفكيره منذ شبابه.

كان مدرسنا في الصف الثاني المتوسط بثانوية تكريت، كاكه عزيز، قد صفع صدام ذات يوم. فقرر صدام الانتقام منه، وجاءه ليلاً وأطلق عليه الرصاص بقصد قتله، لكن الرصاصة أصابت شقيقه البريء، كاكه بهزاد.

وبعد مدة أخبرني صدام بنفسه بأنه هو الذي أطلق النار، وأنه أعاد الفرس والبندقية إلى قرية العوجة مع دحّام، ابن خالته ليلى، في الليلة نفسها، ثم خلد إلى النوم بهدوء.

لكن الأخطر من إطلاق النار كان التبرير الذي ساقه وهو ما يزال يافعاً.

قال إنه لا يعتبر نفسه مخطئاً أو معتدياً، حتى لو قتل عزيزاً أو أخاه البريء؛ لأن ما فعله لا يكون خطيئة إلا في نظر السلطة والمحكمة والقانون، وهذه كلها، كما كان يرى، مؤسسات وضعية من اختراع الإنسان.

لم يكن صدام قد قرأ ميكافيلي ولا عرف كتابه الأمير لكنه كان قد ابتكر لنفسه فلسفة أشد خطورة: أن الإنسان يستطيع ارتكاب الجريمة ثم ينقل مسؤوليتها من نفسه إلى القدر

أما «الحقيقة» في اعتقاده، فهي أن القدر وضع الرجل في طريقه ودفعه إلى قتله، أو إلى إصابة أخيه، لحكمة لا يستطيع العقل البشري المحدود إدراكها.

لم يكن صدام، يومها، قد قرأ ميكافيلي، على الأرجح، ولا عرف كتابه (الأمير)، لكنه كان قد ابتكر لنفسه فلسفة أشد خطورة: أن الإنسان يستطيع ارتكاب الجريمة، ثم ينقل مسؤوليتها من نفسه إلى القدر.

وبهذه الفلسفة يستطيع القاتل أن ينام هادئاً، لا لأنه بريء، بل لأنه أقنع نفسه بأنه مجرد أداة لتنفيذ إرادة أعلى لا تُسأل ولا تُحاسب.

ومن هنا يمكن فهم هدوئه وهو يصعد إلى المشنقة. ربما لم يكن هدوء الشجاع الذي تصالح مع ضميره، بل هدوء رجل عاش حياته كلها وهو يرفض الاعتراف بمسؤوليته، ويحمّل القدر والتاريخ والوطن مسؤولية ما اختاره هو بإرادته.

لقد واجه صدام موته بهدوء، لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو: هل واجه ضميره بالهدوء نفسه، أم إنه لم يقتنع يوماً بوجود شيء اسمه الضمير؟ الله أعلم.