العراق بعد التحالف…

السيادة لا تتحقق عندما يخرج الآخرون من أرضك فقط، وإنما عندما تصبح الدولة قادرة على منع أي طرف آخر من أن يحكم قرارك من داخلها
الأحد 2026/08/30
السيادة لا تُبنى بالسلاح وحده

يقف العراق في هذه اللحظات الفاصلة من خريف عام 2026 على عتبة مرحلة جيوسياسية بالغة الحساسية، تتكثف فيها الخيوط الأمنية والسياسية والاقتصادية لتشابك لا مثيل له. فمع اقتراب الموعد النهائي لإنهاء مهام التحالف الدولي في الثلاثين من سبتمبر المقبل، تتسابق في بغداد دوافع إثبات السيادة الوطنية مع هواجس الاستقرار الداخلي والإقليمي. وبينما تؤكد القيادة العسكرية العراقية جاهزيتها لتولي الملف الأمني كاملاً، تراقب واشنطن وطهران مرحلة الانتقال كلٌّ من زاويته، فيما تبقى معضلة حصر السلاح بيد الدولة، والمناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان، ورخاوة الحدود الغربية، الاختبارات الأكثر حساسية لمعنى السيادة العراقية.

ولا يمكن فصل هذا التحول الأمني عن الضغوط الاقتصادية والمالية التي تحاصر بغداد، من هشاشة الموازنة والاعتماد على النفط، إلى تحديات القطاع المصرفي ومتطلبات الامتثال المالي الدولي. وفي المقابل تتحرك الدبلوماسية العراقية لبناء شبكة أمان إقليمية تمنع تحويل العراق إلى ساحة صراع، بينما تتزايد هواجس الشارع بشأن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المعيشية والخدمية. وهكذا لا تبدو معركة العراق المقبلة معركة انسحاب عسكري فحسب، بل اختباراً شاملاً لقدرة الدولة على إنتاج السيادة والاستقرار معاً.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الجيش العراقي قادراً على تولي مسؤولياته الأمنية، وإنما ما إذا كانت الدولة قادرة على تحويل هذه المسؤولية إلى سيادة كاملة على القرار الوطني.

فخروج التحالف لا يعني اختفاء النفوذ الدولي. والأرجح أن تنتقل العلاقة مع واشنطن من الوجود العسكري المباشر إلى أشكال أخرى من التعاون الأمني والاستخباري والسياسي والاقتصادي. وبذلك يصبح التحدي أمام بغداد هو تحقيق معادلة دقيقة: إنهاء الدور العسكري الأجنبي من دون الوقوع في العزلة، والحفاظ على الشراكات الدولية من دون التنازل عن استقلال القرار.

إذا كان الانسحاب اختباراً خارجياً للسيادة، فإن السلاح خارج الدولة هو اختبارها الداخلي.

المشكلة لا تكمن في وجود فصائل مسلحة فقط، بل في تعدد مصادر القرار الأمني. فالدولة الحديثة لا تستطيع احتكار قرار الحرب والسلم إذا بقيت قوى تمتلك السلاح والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة.

وهنا تتقاطع بغداد مع طهران. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى التخلي عن نفوذها، لكنها تواجه عراقاً يحاول إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل. وقد ينتقل النفوذ الإيراني تدريجياً من الاعتماد على القوة المسلحة وحدها إلى مزيج من السياسة والاقتصاد والشبكات الاجتماعية، مع الاحتفاظ بالفصائل كورقة استراتيجية.

خروج التحالف لا يعني اختفاء النفوذ الدولي والأرجح أن تنتقل العلاقة مع واشنطن من الوجود العسكري إلى أشكال أخرى من التعاون الأمني والاستخباري والاقتصادي

لذلك فإن مستقبل العلاقة العراقية–الإيرانية سيتحدد جزئياً بقدرة بغداد على فرض قاعدة بسيطة: العلاقة بين دولتين، لا بين دولة وشبكة قوى مسلحة.

لا تكتمل معركة السيادة في بغداد. فالمناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان تمثل اختباراً حساساً لقدرة الدولة على إدارة التعدد الداخلي ومنع الفراغ الأمني.

ومع انتهاء مهمة التحالف، ستصبح مسؤولية الأمن أكثر اعتماداً على المؤسسات العراقية نفسها، خصوصاً في المناطق التي تتقاطع فيها الحسابات السياسية والأمنية والجغرافية.

أما الحدود الغربية، فتمثل الاختبار الآخر. فالعراق محاط ببيئة إقليمية مضطربة، وأي رخاوة حدودية يمكن أن تحول أراضيه إلى ممر للجماعات المسلحة أو منصة لصراعات الآخرين.

وهنا تصبح القاعدة واضحة: كلما زادت قدرة الدولة على ضبط حدودها، تراجعت قدرة الآخرين على استخدام العراق كساحة صراع.

لكن السيادة لا تُبنى بالسلاح وحده.

الدولة التي تريد احتكار القرار الأمني تحتاج إلى اقتصاد يمول مؤسساتها، ونظام مصرفي قادراً على التعامل مع العالم، وخدمات تمنح المواطن سبباً للثقة بالدولة.

اعتماد العراق الكبير على النفط يجعل الموازنة عرضة لتقلبات الأسواق، بينما تضيف مشكلات القطاع المصرفي والامتثال المالي ضغوطاً أخرى على قدرة الاقتصاد على الحركة.

ولهذا فإن الإصلاح الاقتصادي ليس ملفاً منفصلاً عن الأمن القومي؛ إنه جزء من السيادة نفسها. فالدولة التي تملك السلاح لكنها تعجز عن تمويل مؤسساتها أو توفير الخدمات تظل سيادتها ناقصة.

لهذا تتحول الدبلوماسية إلى خط دفاع أول. فبغداد تحتاج إلى علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران ودول الخليج وتركيا، وإلى منع استخدام أراضيها في الصراعات الإقليمية.

ويمتلك العراق موقعاً يمكن أن يحوله من ساحة صراع إلى مساحة توازن؛ لكنه لا يستطيع لعب هذا الدور ما لم يثبت أولاً أنه قادر على إدارة جغرافيته وقراره.

مستقبل العلاقة العراقية–الإيرانية سيتحدد جزئياً بقدرة بغداد على فرض قاعدة بسيطة: العلاقة بين دولتين لا بين دولة وشبكة قوى مسلحة

المعادلة الجديدة بسيطة: إذا نجحت بغداد في منع الآخرين من استخدام العراق، استطاعت استخدام موقع العراق لمصلحتها.

أمام العراق ثلاثة مسارات: الأول، تثبيت الدولة عبر ضبط السلاح، وإدارة العلاقة مع القوى الخارجية، وتعزيز السيطرة على الحدود، وإطلاق إصلاح اقتصادي حقيقي.

والثاني، وهو الأكثر احتمالاً في المدى القريب، السيادة الجزئية: تنتهي مهمة التحالف، وتتولى القوات العراقية المسؤولية الرسمية، لكن تبقى مراكز القوة موزعة بين الدولة وقوى سياسية ومسلحة واقتصادية.

أما الثالث فهو إعادة إنتاج الفراغ إذا تضافرت الضغوط الاقتصادية والتوترات السياسية والتصعيد الإقليمي لإضعاف مؤسسات الدولة.

لا يمثل الثلاثون من سبتمبر نهاية مهمة عسكرية فقط، بل بداية اختبار لمعنى الدولة العراقية.

فالسيادة لا تتحقق عندما يخرج الآخرون من أرضك فقط، وإنما عندما تصبح الدولة قادرة على منع أي طرف آخر من أن يحكم قرارك من داخلها.

وهنا يقف العراق أمام فرصة تاريخية وخطر تاريخي في آن واحد: إما أن تتحول نهاية التحالف إلى لحظة تأسيس لدولة أكثر استقلالاً، أو أن يتحول الفراغ الذي يتركه إلى مساحة جديدة للتنافس على قرار العراق.

المعركة الحقيقية إذن ليست معركة خروج القوات الأجنبية، بل معركة من يملك العراق عندما تخرج.

3