فريز أبوظبي.. يعيد رسم خريطة الفن في المنطقة
أبوظبي- تستعد أبوظبي لاستقبال الدورة الافتتاحية من معرض «فريز أبوظبي» خلال الفترة من 19 إلى 22 نوفمبر المقبل في منارة السعديات، في حدث فني دولي يطمح إلى ترسيخ حضور العاصمة الإماراتية ضمن أبرز المحطات العالمية للفن المعاصر، مستفيدًا من المشهد الثقافي المتنامي الذي تشهده المدينة خلال السنوات الأخيرة.
ويشارك في المعرض 84 صالة عرض قادمة من 63 مدينة في 36 دولة، بما يعكس اتساع الشبكة الفنية التي يسعى «فريز أبوظبي» إلى بنائها منذ دورته الأولى، ويمنحه طابعًا يتجاوز حدود المعرض التجاري التقليدي إلى فضاء يلتقي فيه الفنانون وصالات العرض وجامعو الأعمال والمؤسسات الثقافية والجمهور.
تبادل فني وثقافي
يقام المعرض بالشراكة مع دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، ويمثل امتدادًا لمسيرة «فن أبوظبي» التي استمرت 17 عامًا وأسهمت في بناء مجتمع فني جمع أطرافًا متعددة من المشهد التشكيلي، من الفنانين وصالات العرض إلى جامعي الأعمال والمؤسسات الفنية في المنطقة. ومن هذا التراكم ينطلق «فريز أبوظبي» ليضيف طبقة جديدة إلى التجربة الفنية في العاصمة، ويضعها في اتصال مباشر مع حركة المعارض الدولية.
ولا يقتصر حضور الأعمال في المعرض على الفن المعاصر، إذ تمتد المشاركة الفنية من العصور القديمة إلى الممارسات الفنية الحديثة، في محاولة لفتح حوار بين الأزمنة والتجارب والمدارس المختلفة.
ويشارك في الحدث عدد من صالات العرض الإقليمية والدولية البارزة، من بينها «غاغوسيان» و«بيس جاليري» و«تادييوس روباكس» و«تيموثي تايلور»، إلى جانب صالات من دولة الإمارات والمنطقة.
ويحمل هذا التنوع في المشاركات أهمية خاصة بالنسبة إلى أبوظبي، التي تعمل على بناء بيئة ثقافية لا تكتفي باستضافة الأعمال والمؤسسات العالمية، بل تسعى إلى وضع الإنتاج الفني المحلي والإقليمي في سياق دولي أوسع. فوجود صالات من المنطقة إلى جانب أسماء دولية يمنح الفنانين والمشهد الفني المحلي فرصة للتفاعل مع أسواق واتجاهات وممارسات مختلفة.
ويعتمد «فريز أبوظبي» في دورته الأولى على أربعة أقسام رئيسية، صُممت لتقديم تجارب متعددة داخل المعرض. ويأتي في مقدمتها القسم الرئيسي، إلى جانب «فضاءات»، المخصص للصالات الناشئة، بما يتيح حضورًا لتجارب أقل رسوخًا في السوق ويمنحها مساحة للتعريف بأعمالها وتجارب فنانيها.
أما قسم «رواد فريز أبوظبي»، فيتجه إلى استكشاف التبادل الثقافي عبر المحيط الهندي، وهي زاوية تفتح المجال أمام قراءة العلاقات التاريخية والثقافية التي تشكلت بين مناطق متعددة عبر حركة البشر والتجارة والأفكار والفنون. وبدوره يقدم قسم «آفاق» عروضًا فردية لفنانين من أجيال ومناطق جغرافية متنوعة، بما يسمح بتركيز أكبر على التجربة الفنية الفردية ومساراتها الخاصة.
مشهد ثقافي آخذ في الاتساع
ويكتمل البرنامج بمجموعة من المبادرات التي تتجاوز عرض الأعمال إلى دعم الفنانين وتعزيز الحوار حول الممارسات الفنية. ومن أبرزها إطلاق «جائزة الفنان المبدع فريز أبوظبي»، إلى جانب «فريز للمنحوتات» و«تبادل»، فضلًا عن سلسلة من الحوارات التي تتناول موضوعات تتصل باقتناء الأعمال الفنية، والمشهد المؤسسي، والممارسات الفنية.
وتشير هذه البرامج إلى رغبة المعرض في بناء تجربة ثقافية تتجاوز فكرة المشاهدة إلى النقاش والتفاعل وتوسيع المعرفة بالفن وآليات إنتاجه واقتنائه وتداوله. كما أن حضور الحوارات إلى جانب صالات العرض والأعمال الفنية يضيف بعدًا معرفيًا إلى الحدث، ويمنح الجمهور فرصة لفهم السياقات التي تتحرك داخلها الأعمال والمؤسسات الفنية.
ويأتي إطلاق «فريز أبوظبي» في لحظة تشهد فيها المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات توسعًا لافتًا في حضور المؤسسات الفنية والثقافية الكبرى. فإلى جانب «فريز أبوظبي»، تضم المنطقة مؤسسات عالمية مثل متحف اللوفر أبوظبي ومتحف زايد الوطني ومتحف جوجنهايم أبوظبي، المقرر افتتاحه في ديسمبر المقبل.
ويضع هذا التراكم أبوظبي أمام مشهد ثقافي يتشكل على أكثر من مستوى: متاحف كبرى، ومعارض دولية، وصالات عرض، وفنانون، وجامعو أعمال، وبرامج تعليمية وحوارية. وفي هذا السياق، لا يبدو «فريز أبوظبي» حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مشروع أوسع يهدف إلى جعل المدينة نقطة التقاء بين المشهد الفني العالمي والتجارب الفنية في المنطقة.
كما يمنح توقيت المعرض، مع اقتراب افتتاح مؤسسات ثقافية جديدة، الدورة الأولى منه أهمية رمزية، إذ تأتي ضمن مرحلة تتوسع فيها البنية الثقافية لأبوظبي وتزداد معها قدرتها على استضافة الفعاليات الفنية الكبرى وربط الجمهور المحلي والدولي بتجارب فنية متنوعة.
ومن خلال 84 صالة عرض، وأربعة أقسام، وبرامج فنية وحوارية متعددة، يطرح «فريز أبوظبي» منذ دورته الأولى سؤالًا يتجاوز حجم المشاركة وعدد الدول والمدن: كيف يمكن لمدينة خليجية أن تتحول من محطة لاستضافة الفن العالمي إلى مساحة فاعلة في إنتاج الحوار حوله؟
الإجابة ستتبلور مع انطلاق المعرض في نوفمبر، لكن المؤشرات الأولى توحي بأن أبوظبي لا تتعامل مع الحدث بوصفه معرضًا عابرًا، وإنما باعتباره جزءًا من مشهد ثقافي آخذ في الاتساع، يسعى إلى الجمع بين البعد العالمي والخصوصية الإقليمية، وبين السوق الفنية والمؤسسات الثقافية، وبين مشاهدة العمل الفني وفهم السياقات التي تمنحه معناه.