باريس عجزت عن إخراجه.. المغرب ينجح في الإفراج عن ضابط استخباراتها في مالي
الرباط- لم يكن الإفراج عن ضابط الاستخبارات الفرنسي المحتجز في مالي مجرد نهاية لملف أمني حساس، بل كشف عن تحول أعمق في خريطة النفوذ داخل منطقة الساحل، حيث استطاع المغرب أن يظهر مرة أخرى باعتباره طرفاً قادراً على التواصل مع عواصم متخاصمة، والقيام بأدوار لا تستطيع القوى التقليدية في المنطقة القيام بها.
فبعد نحو عام من اعتقال يان فيزيلييه في باماكو، وإدانته في يونيو/حزيران الماضي بالسجن 20 عاماً بتهمة «المساس بأمن الدولة»، انتهى الملف بعفو رئاسي أصدره رئيس المرحلة الانتقالية في مالي الجنرال أسيمي غويتا.
لكن اللافت في التسوية لم يكن العفو بحد ذاته، وإنما الجهة التي ساهمت في الوصول إليه.
فالحكومة المالية شكرت «بلداً شقيقاً» على ما وصفته بـ«المساعي الحميدة» التي ساعدت على التوصل إلى العفو، فيما كشفت تقارير صحفية فرنسية أن المقصود هو المغرب، وأن الرباط شاركت في المفاوضات التي أفضت إلى الإفراج عن الضابط الفرنسي.
هنا تكمن أهمية القصة: المغرب استطاع أن يتوسط في ملف أمني شديد الحساسية بين مالي وفرنسا، رغم أن العلاقات بين باماكو وباريس وصلت إلى واحدة من أسوأ مراحلها.
فرنسا التي كانت تمتلك لعقود نفوذاً أمنياً وعسكرياً واسعاً في الساحل، أصبحت اليوم مضطرة إلى الاستفادة من علاقات دولة أخرى للحفاظ على مصالحها أو حل أزماتها مع بعض دول المنطقة
منذ وصول العسكريين إلى السلطة في مالي عام 2020، تدهورت العلاقات مع فرنسا بصورة متسارعة، وصولاً إلى خروج القوات الفرنسية من البلاد وتراجع النفوذ السياسي والأمني لباريس، بالتوازي مع تعزيز باماكو علاقاتها مع روسيا.
وكان من الصعب تصور أن تتمكن فرنسا نفسها من إدارة ملف أمني حساس مع السلطات المالية بالطريقة التي نجح بها المغرب.
لكن الرباط اتبعت طوال السنوات الماضية مقاربة مختلفة تجاه الساحل.
فهي لم تدخل في مواجهة مباشرة مع الأنظمة العسكرية الجديدة، ولم تقطع قنوات الاتصال معها، بل حافظت على علاقات سياسية وأمنية واقتصادية سمحت لها بالاحتفاظ بهامش من الثقة.
وهذا ما أعطى المغرب اليوم ورقة لا تملكها باريس: القدرة على الحديث مع باماكو من دون أن تكون جزءاً من الصراع الفرنسي-المالي.
ويرى الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية محمد الطيار أن أهمية الوساطة تتجاوز نجاحها في ملف واحد، لأنها تعكس تنامي قدرة المغرب على التحرك في ملفات أمنية شديدة الحساسية داخل الساحل، مستفيداً من شبكة علاقاته السياسية والأمنية وقنوات الاتصال التي حافظ عليها مع باماكو.
ما يميز المقاربة المغربية أن نفوذها في الساحل لا يقوم على القوة العسكرية المباشرة.
فالرباط تعتمد بصورة أكبر على مزيج من الدبلوماسية الهادئة والعلاقات التاريخية والثقافية والروحية، إلى جانب التعاون الأمني والمشاريع الاقتصادية والتنموية.
وهذا المزيج يمنحها قدرة على بناء علاقات مع أطراف مختلفة من دون الظهور كقوة تسعى إلى فرض وصايتها على دول المنطقة.
ويشير الطيار إلى أن العلاقات المغربية المالية لا تقوم فقط على المستوى الرسمي، وإنما تستند إلى روابط تاريخية وثقافية وروحية، بما يمنح الرباط هامشاً للتواصل والتأثير.
◄ الضابط يان فيزيلييه كان يعمل رسمياً سكرتيراً ثانياً في السفارة الفرنسية في باماكو، لكنه كان في الوقت نفسه ضابطاً في جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية
وهذه القوة الناعمة تتكامل مع الحضور الاقتصادي والتنموي للمغرب، وفي مقدمته المبادرة الملكية الهادفة إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي.
وبذلك يتحول النفوذ المغربي تدريجياً من مجرد علاقات سياسية إلى شبكة مصالح متداخلة تمنح الرباط أدوات للتأثير عندما تقع الأزمات.
السؤال الأهم هو: لماذا قبلت السلطات المالية تحديداً بالوساطة المغربية؟
الإجابة تكمن في موقع المغرب المختلف عن القوى الغربية.
فباماكو تنظر بحساسية شديدة إلى ما تعتبره تدخلاً غربياً في شؤونها الداخلية، خصوصاً بعد سنوات من الصدام مع فرنسا.
أما المغرب فلم يدخل معها في مواجهة حول خياراتها الجيوسياسية، ولم يشترط عليها التخلي عن علاقاتها الجديدة مع روسيا، بل حافظ على الحوار.
وهذا لا يعني أن الرباط وباماكو تتفقان في كل الملفات، وإنما يعني أن المغرب نجح في إبقاء مساحة مشتركة تسمح بالتفاوض عندما تتعقد الأمور.
وتزداد قيمة هذه المساحة عندما يتعلق الأمر بملف استخباراتي فرنسي.
فالضابط يان فيزيلييه كان يعمل رسمياً سكرتيراً ثانياً في السفارة الفرنسية في باماكو، لكنه كان في الوقت نفسه ضابطاً في جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية، بحسب المصادر الفرنسية.
واتهمته السلطات المالية بالمشاركة في محاولة لزعزعة استقرار النظام العسكري، وهي اتهامات نفتها باريس ووصفتها بأنها بلا أساس.
وبالتالي، لم يكن الملف قضية قنصلية عادية، بل قضية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي المالي والفرنسي.
ولا تبدو الوساطة الحالية حالة معزولة. فقد سبق للمغرب أن ساهم في الإفراج عن أربعة عناصر من جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية كانوا محتجزين في بوركينا فاسو لأكثر من عام، بعد اعتقالهم في واغادوغو في ديسمبر/كانون الأول 2023.
وتكتسب هذه السابقة أهمية خاصة لأنها تعني أن نجاح الرباط في مالي لم يكن نتيجة ظرف استثنائي، بل ربما أصبح جزءاً من نمط أوسع في إدارة الملفات الحساسة بين فرنسا والأنظمة العسكرية في الساحل.
كما أن نجاح الوساطة الحالية جاء بعد محاولات من أطراف أخرى خليجية إضافة إلى مساع قام بها الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، بحسب التقارير الفرنسية. لكن تلك المساعي لم تؤد في وقتها إلى تسوية.
الرباط تعتمد بصورة أكبر على مزيج من الدبلوماسية الهادئة والعلاقات التاريخية والثقافية والروحية، إلى جانب التعاون الأمني والمشاريع الاقتصادية والتنموية
وهذا يطرح سؤالاً بالغ الأهمية: ما الذي يجعل الرباط قادرة على الوصول إلى حيث تعجز عواصم أخرى؟
الإجابة ليست بالضرورة في امتلاك المغرب أوراق ضغط مباشرة على باماكو، وإنما في امتلاكه شيئاً أكثر أهمية في مثل هذه الملفات: الثقة وقنوات الاتصال.
تكشف القضية أيضاً عن مفارقة جيوسياسية لافتة.
فرنسا التي كانت تمتلك لعقود نفوذاً أمنياً وعسكرياً واسعاً في الساحل، أصبحت اليوم مضطرة إلى الاستفادة من علاقات دولة أخرى للحفاظ على مصالحها أو حل أزماتها مع بعض دول المنطقة.
وهذا لا يعني أن المغرب يحل محل فرنسا في الساحل. فالمملكة لا تمتلك الحضور العسكري الفرنسي السابق، ولا تسعى بالضرورة إلى ملء هذا الفراغ بالطريقة نفسها. لكن الرباط تقدم نموذجاً مختلفاً للنفوذ: نفوذ لا يحتاج إلى قواعد عسكرية حتى يكون مؤثراً.
فحين تستطيع دولة أن تحافظ على علاقات مع حكومة تختلف جذرياً مع حليف تقليدي لها، ثم تستخدم تلك العلاقات في حل أزمة أمنية تخص ذلك الحليف، فإنها تكون قد بنت نوعاً مختلفاً من القوة.
ما يحدث في مالي جزء من تحول أكبر تشهده منطقة الساحل. فالنفوذ الفرنسي التقليدي يتراجع، بينما تتقدم روسيا وتركيا ودول عربية وإقليمية مختلفة، وتسعى دول أخرى إلى بناء حضور اقتصادي وسياسي جديد.
وفي هذا المشهد، يحاول المغرب تقديم نفسه باعتباره شريكاً لا يعتمد على منطق الوصاية.
وتبدو المبادرات الاقتصادية، والربط الأطلسي، والتعاون الأمني، والعلاقات الدينية والثقافية، عناصر ضمن استراتيجية أوسع لبناء حضور طويل الأمد في المنطقة.
وهنا تصبح الوساطات جزءاً من النفوذ، وليست مجرد نتيجة له.