ماذا تريد أنقرة من ليبيا؟

زيارة هاكان فيدان إلى بنغازي قد تكون أهم من مجرد صورة دبلوماسية. إنها اختبار لمرحلة جديدة في السياسة التركية.
الخميس 2026/08/13
اختبار لمرحلة جديدة في السياسة التركية

ما كان لصورة هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، في بنغازي أن تمر مرورا عابرا. فالرجل الذي تتحرك بلاده في ليبيا منذ سنوات باعتبارها واحدة من القوى الأكثر تأثيرًا في معادلة الغرب الليبي، وصل إلى المدينة التي كانت، قبل سنوات قليلة فقط، عنوانًا للخصومة الأشد بين أنقرة ومعسكر خليفة حفتر. والأكثر دلالة أن زيارة فيدان إلى ليبيا جاءت في لحظة شديدة الحساسية: تصعيد أمني في الزاوية، هجمات بطائرات مسيرة على منشآت النفط والكهرباء، ومقتل مسؤول أمني رفيع في بنغازي، بالتزامن مع جهود دولية وإقليمية متزايدة لدفع الليبيين نحو صيغة جديدة لتوحيد المؤسسات.

هنا تحديدًا تصبح زيارة فيدان أكثر من جولة دبلوماسية. إنها تعبير عن تحول في موقع تركيا نفسه داخل الأزمة الليبية. فأنقرة التي تدخلت عسكريًا عام 2019 لتغيير ميزان الحرب لم تعد تبدو راغبة في البقاء أسيرة لذلك الميزان. وهي اليوم تحاول، على ما يبدو، الانتقال من دور القوة التي ساعدت طرفًا على منع سقوط طرابلس، إلى دور القوة التي تستطيع التواصل مع طرابلس وبنغازي معًا.

وهذا ليس تحولًا عاطفيًا ولا تنازلًا عن المصالح التركية. إنه، قبل كل شيء، إعادة تعريف للمصلحة.

لقد كانت ليبيا بالنسبة إلى تركيا، طوال سنوات الحرب، ملفًا أمنيًا وجيوسياسيًا واقتصاديًا في آن واحد. اتفاقات ترسيم الحدود البحرية، والمصالح في شرق المتوسط، والعقود الاقتصادية، والنفوذ العسكري، والعلاقة مع حكومة طرابلس، كلها جعلت أنقرة طرفًا مباشرًا في الصراع. وفي عام 2019، عندما كان الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر يتقدم نحو طرابلس، تدخلت تركيا عسكريًا إلى جانب حكومة الوفاق، وساهم الدعم التركي في تغيير مسار المعركة ومنع سقوط العاصمة.

لكن الحرب شيء، وإدارة ما بعد الحرب شيء آخر.

فالانتصار العسكري لا ينتج بالضرورة دولة مستقرة. وهذه هي المعضلة التي تبدو تركيا أكثر إدراكًا لها اليوم. لقد استطاعت أنقرة أن تكون عاملًا حاسمًا في منع الحسم العسكري لمصلحة حفتر، لكنها لا تستطيع أن تبني وحدها دولة ليبية موحدة. كما أن استمرار الانقسام بين الشرق والغرب لا يخدم مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية على المدى الطويل.

لذلك يبدو أن السؤال التركي تغير من: من ينتصر في ليبيا؟ إلى: كيف تحافظ تركيا على نفوذها إذا لم ينتصر أحد؟

والجواب الذي تقدمه التحركات التركية الأخيرة هو الانفتاح على الجميع.

زيارة فيدان إلى طرابلس وبنغازي في يومين متتاليين تحمل رسالة واضحة: أنقرة تريد التعامل مع ليبيا باعتبارها دولة واحدة، حتى وإن كانت مؤسساتها منقسمة. وقد أكدت المصادر التركية أن الزيارة تركز على التعاون السياسي والطاقة والدفاع والتجارة والاستقرار الإقليمي، في إطار سياسة أطلقت عليها أنقرة عمليًا مفهوم “ليبيا الواحدة”.

الحرب شيء وإدارة ما بعد الحرب شيء آخر: هل تستطيع القوة التي غيّرت ميزان الحرب أن تستخدم نفوذها الآن لتغيير ميزان السلام؟

لكن التحول الأهم ليس في زيارة بنغازي وحدها. ففي تموز/يوليو الماضي، التقى فيدان في أنقرة بصدام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي، بعد لقاءات سابقة بين مسؤولين أتراك وشخصيات من معسكر الشرق. وقبل ذلك، كان رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين قد التقى صدام حفتر في بنغازي، في مؤشر إضافي إلى أن قنوات الاتصال بين أنقرة والشرق لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من سياسة محسوبة.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية.

الرجل الذي كان ابنه، أو بالأحرى المعسكر الذي ينتمي إليه، جزءًا من القوة التي حاربتها تركيا في 2019، أصبح اليوم طرفًا تتحدث معه أنقرة عن مستقبل ليبيا.

هذا لا يعني أن تركيا أصبحت حليفة لحفتر، ولا أنها تخلت عن علاقاتها العميقة مع طرابلس. بل يعني أن مفهوم الحليف نفسه بدأ يتغير. في مرحلة الحرب، كانت أنقرة تحتاج إلى طرف تعتمد عليه في الميدان. أما في مرحلة التسوية، فهي تحتاج إلى قنوات مع كل من يستطيع التأثير في مستقبل الدولة الليبية.

وهذا هو جوهر الانتقال من ميزان الحرب إلى ميزان السلام.

فالاقتصاد التركي، قبل أي شيء، يحتاج إلى ليبيا مستقرة. الشركات التركية لا تستطيع العمل بكفاءة في بيئة تنقسم فيها المؤسسات، وتتغير فيها موازين القوة المسلحة، وتصبح منشآت النفط والكهرباء أهدافًا عسكرية. وما يحدث في الزاوية يقدم مثالًا صارخًا على ذلك: سلسلة هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت حيوية، من المصفاة إلى محطة الكهرباء، وأجبرت شركة جنرال إلكتريك على سحب موظفيها بسبب المخاطر الأمنية.

في مثل هذه البيئة، لا تصبح القوة العسكرية وحدها مصدر النفوذ؛ يصبح الاستقرار نفسه سلعة استراتيجية.

ومن هنا يمكن فهم التقارب التركي المصري في الملف الليبي أيضًا. فالقاهرة وأنقرة كانتا، خلال سنوات الأزمة، على طرفي معادلة إقليمية متعارضة إلى حد كبير. لكن العلاقات بينهما تحسنت بصورة ملموسة، وأصبحت ليبيا أحد الملفات التي يلتقي فيها البلدان حول الحاجة إلى الأمن والاستقرار ووحدة الدولة. وفي يونيو، شارك فيدان في القاهرة في اجتماع ضم وزراء خارجية مصر والسعودية ومسؤولًا أمريكيًا رفيعًا، وكان الملف الليبي ضمن الملفات الرئيسية المطروحة. كما أكدت القاهرة وأنقرة لاحقًا استمرار التنسيق بشأن ليبيا والحفاظ على وحدتها وسيادتها ومؤسساتها.

هذه ليست تفصيلات دبلوماسية. إنها جزء من إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بليبيا.

فإذا كانت تركيا قد دخلت ليبيا عام 2019 في بيئة إقليمية تقوم على الاستقطاب، فإنها تتحرك في 2026 داخل بيئة مختلفة نسبيًا: مصر وتركيا تتقاربان، والسعودية تشارك في أطر تشاورية معهما، والولايات المتحدة تكثف انخراطها في الملف، بينما تتنافس قوى دولية على الطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار.

وهنا تصبح تركيا أمام فرصة، ولكن أيضًا أمام اختبار.

الفرصة هي أن تمتلك ما لا تملكه معظم القوى الأخرى: القدرة على التواصل مع الغرب الليبي والشرق الليبي في الوقت نفسه، فضلًا عن نفوذ عسكري واقتصادي متراكم. أما الاختبار فهو: هل تستطيع أن تستخدم هذا النفوذ لإنتاج تسوية، أم ستكتفي باستخدامه لحماية مصالحها الخاصة؟

الفرق بين الأمرين كبير.

في عام 2019 كانت الأولوية منع سقوط طرابلس أما في عام 2026 فإن الأولوية الأكثر واقعية هي منع سقوط ليبيا كلها في دائرة جديدة من الفوضى

إذا أرادت أنقرة أن تتحول من لاعب إلى وسيط، فعليها أن تقبل بأن مصالحها طويلة المدى لا يمكن فصلها عن قيام مؤسسات ليبية موحدة. فلا يمكن حماية الاتفاقات الاقتصادية إلى الأبد عبر تحالفات أمنية مؤقتة، ولا يمكن ضمان الاستثمارات إذا ظل القرار السياسي موزعًا بين الحكومات والمجموعات المسلحة.

لكن هناك أيضًا خطر آخر. فقد تتحول فكرة “التوازن التركي” إلى مجرد توزيع للنفوذ بين أطراف ليبية متنافسة بدل توحيد الدولة. وإذا أصبحت أنقرة تتعامل مع الشرق والغرب باعتبارهما مركزَي قوة مستقلين، فقد تساعد من حيث لا تريد على تثبيت الانقسام بدل تجاوزه.

لذلك فإن نجاح السياسة التركية لن يقاس بعدد اللقاءات التي يعقدها فيدان، ولا بعدد الاتفاقات التي توقعها الشركات التركية، ولا حتى بقدرة أنقرة على إبقاء نفوذها العسكري في طرابلس. المعيار الحقيقي سيكون مختلفًا: هل تستطيع تركيا أن تجعل نفوذها أداة لتوحيد المؤسسات الليبية، أم أنها ستصبح جزءًا من نظام التوازن بين مراكز القوة؟

وهنا تبرز أهمية اللحظة الحالية.

فليبيا لا تواجه فقط انقسامًا سياسيًا. إنها تواجه هشاشة أمنية متجددة، كما أظهرت هجمات الزاوية، واضطرابات في الشرق، وتنافسًا متزايدًا على النفط والطاقة. وفي الوقت نفسه، تحاول الولايات المتحدة الدفع نحو صيغة لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، بينما تسعى قوى أوروبية ودول أخرى إلى حماية مصالحها في قطاع الطاقة وإعادة الإعمار.

كل ذلك يجعل تركيا أمام خيارين.

الأول أن تحافظ على نموذج النفوذ الذي عرفته ليبيا منذ 2019: حضور عسكري، اتفاقات ثنائية، حلفاء محليون، ونفوذ اقتصادي مرتبط بموازين القوة.

والثاني أن تنتقل إلى نموذج أكثر طموحًا: استخدام هذه الأوراق نفسها لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية وطنية، وتوحيد المؤسسات، ودمج الترتيبات الأمنية، وتهيئة الطريق أمام انتخابات حقيقية.

الخيار الثاني أكثر صعوبة، لكنه أيضًا أكثر استدامة.

فتركيا لا تحتاج إلى ليبيا موالية لها بقدر ما تحتاج إلى ليبيا مستقرة. ولا تحتاج إلى شرق ضعيف أو غرب قوي، بل إلى دولة تستطيع أن تتعامل معها من موقع الدولة إلى الدولة. وهذه هي النقطة التي تجعل الانفتاح على بنغازي منطقيًا بالنسبة إلى أنقرة، حتى لو كان مؤلمًا لذاكرة الصراع القديمة.

لقد تغيرت ليبيا، وتغيرت معها تركيا.

في 2019، كانت الأولوية منع سقوط طرابلس. أما في 2026، فإن الأولوية الأكثر واقعية هي منع سقوط ليبيا كلها في دائرة جديدة من الفوضى.

ولهذا فإن زيارة هاكان فيدان إلى بنغازي قد تكون أهم من مجرد صورة دبلوماسية. إنها اختبار لمرحلة جديدة في السياسة التركية: هل تستطيع القوة التي غيّرت ميزان الحرب أن تستخدم نفوذها الآن لتغيير ميزان السلام؟

إذا نجحت، فقد تتحول تركيا من طرف في الأزمة الليبية إلى أحد صانعي تسويتها. وإذا فشلت، فقد تجد نفسها مضطرة، عاجلًا أو آجلًا، إلى العودة إلى اللعبة القديمة؛ لعبة حماية النفوذ عبر القوة، في بلد أثبتت السنوات الماضية أن القوة تستطيع منع الهزيمة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الدولة.

3