جدل تعدد الزوجات.. هل يقدر الرجل التونسي اليوم على أكثر من زوجة؟

الأجدر بالرجل، قبل أن يفكر في تلبية غرائزه واحتياجاته التي تدفعه للحلم بتعدد زيجاته، أن يتعلم الاكتفاء بزوجته وأسرته، والسعي إلى ضمان حياة كريمة لهما.
الثلاثاء 2026/08/11
مربع الشراكة والمواطنة

في الثامن من أغسطس (أوت) عام 1956، وقبل أيام قليلة من الإعلان الرسمي عن صدور مجلة الأحوال الشخصية في 13 أغسطس، وقف الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة ليعلن، في خطبة تاريخية جريئة، قرار منع وتجريم تعدد الزوجات في تونس، في خطوة فارقة هزت المشهد التونسي، لكنها أحدثت هزة أكبر وأشد قسوة في المشهد الاجتماعي والثقافي العربي والإسلامي آنذاك. ولا تزال هذه الخطوة إلى اليوم تلقي بثقلها على الواقع العربي.

لم يكن قرار بورقيبة خياراً سياسياً فقط، بل صاغه ضمن رؤية مقاصدية وإصلاحية استندت إلى التأويل العصري للنص القرآني، حيث اعتبر أن الشرط الذي وضعته الشريعة لإباحة التعدد، وهو «العدل»، شرط يتعذر على البشر تحقيقه، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. وبذلك يكون المنع، في فلسفته، انتصاراً للعدالة وحماية للبنية الأساسية للأسرة والمجتمع.

لقد شكل ذلك اليوم عتبة عبور نقلت المرأة التونسية من ضفاف التهميش والوصاية إلى مربع الشراكة والمواطنة، ليرتبط ذلك الإعلان بذاكرة دولة الاستقلال بوصفه رمزاً لجرأة التحديث القانوني والاجتماعي في المنطقة.

وكل عام، يتصاعد الجدل مجدداً بين من يؤيد استمرار العمل بقانون منع تعدد الزوجات ومجلة الأحوال الشخصية، وبين من يطالب بإلغائه وإعادة النظر في فصول المجلة، رغم أنها لا تزال تضمن للمرأة التونسية حقوقاً وتشريعات متقدمة وحداثية مقارنة بما هو معمول به في عدد من الدول العربية والإسلامية.

هذا العام، احتد الجدل بشكل أكبر. فمنذ أسبوع أو أكثر، تعالت بعض الأصوات المطالبة بإعادة طرح المسألة، مستفيدة من وسائل التواصل الاجتماعي شديدة التأثير في الجمهور، رغم أن المشرّع والقضاء التونسيين حسما المسألة قانونياً بصورة واضحة، حماية للأسرة والمجتمع، منذ عقود.

وبغض النظر عن الجانب القانوني المستقر، فإن طرح هذا الموضوع في الوقت الراهن يصطدم بواقع مركب يتجاوز مجرد الرغبات والافتراضات النبيلة أو النمطية، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى امتلاك الرجل التونسي اليوم للمقومات الفعلية التي تؤهله لإدارة وتأسيس أكثر من أسرة، في ظل الرهانات المعقدة التي يمر بها المجتمع.

على الصعيد الاقتصادي، يعيش الرجل التونسي على وقع ضغوط معيشية غير مسبوقة، تترجمها معدلات التضخم المرتفعة، وتراجع القدرة الشرائية، والغلاء المشهود في قطاعات السكن والتعليم والرعاية الصحية. فالفرد اليوم يجد صعوبة في تأمين احتياجاته وهو أعزب، وهناك عزوف كبير عن الزواج، وإن كان متزوجاً فهو يواجه صعوبات جسيمة في تأمين متطلبات بيت واحد وأسرة واحدة.

لم يكن قرار بورقيبة خياراً سياسياً فقط، بل صاغه ضمن رؤية مقاصدية وإصلاحية استندت إلى التأويل العصري للنص القرآني، حيث اعتبر أن الشرط الذي وضعته الشريعة لإباحة التعدد، وهو " العدل"، شرط يتعذر على البشر تحقيقه

لذلك يصبح التفكير في فتح بيت ثانٍ وتحمل مصاريف مضاعفة ضرباً من إرهاق الذات وإلحاق الضرر بالأبناء والزوجات على حد سواء، إذ إن الكفاية المالية ليست مجرد تأمين للمأكل والملبس، بل هي قدرة مستدامة على ضمان حياة كريمة لا يُسحق فيها أحد تحت وطأة الحاجة والديون.

والأجدر بالرجل، قبل أن يفكر في تلبية غرائزه واحتياجاته التي تدفعه للحلم بتعدد زيجاته، أن يتعلم الاكتفاء بزوجته وأسرته، والسعي إلى ضمان حياة كريمة لهما.

ومن الناحية الصحية والنفسية، فرضت التحولات الاجتماعية ونسق الحياة الحديثة المجهد مستويات عالية من التوتر والإجهاد المزمن والاضطرابات النفسية على الأفراد. ويدرك أي أب ملتزم تجاه عائلته أن إدارة شؤون الأسرة ومتابعة الأبناء تربوياً ونفسياً في هذا العصر تستنزف طاقة هائلة، وأن التعدد في هذا السياق يضاعف المسؤوليات الصحية والذهنية، مما يجعل الرجل عرضة للاحتراق النفسي والتشتت الأسري، ويضعف قدرته على القيام بواجباته الرعائية والنفسية والعاطفية تجاه أفراد عائلته بالشكل المطلوب.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الدعوات عن الواقع الإحصائي المقلق لظاهرة الطلاق في تونس، حيث تسجل البلاد ارتفاعاً كبيراً في حالات الانفصال الزوجي سنوياً. والمفارقة هنا تكمن في أن العديد من الدراسات والشهادات القضائية والطبية المتخصصة تشير إلى أن أحد أبرز الأسباب المسكوت عنها وراء هذه الطفرة في حالات الطلاق هو انتشار الضعف الجنسي والأزمات النفسية والجسدية لدى نسبة غير هينة من الرجال، نتيجة ضغوط الحياة وأسلوب المعيشة المجهد والأمراض المزمنة.

هذا الواقع يضعنا أمام تناقض صارخ: كيف لمن يعجز عملياً عن تلبية الاحتياجات البيولوجية والعاطفية الأساسية لشريكة حياة واحدة وتحقيق الاستقرار في بيته الأول، أن ينادي أو يفكر في فتح بيت ثانٍ وتحمل الأعباء المادية والعاطفية والجسدية لزواج آخر؟

أما من المنظور الاجتماعي والأخلاقي، فقد بُنيت الأسرة التونسية الحديثة على أساس الشراكة المتكافئة والمودة المتبادلة، حيث تسهم المرأة غالباً في معاضدة ميزانية المنزل وتحمل أعباء الحياة جنباً إلى جنب مع الرجل.

إن إدخال التعدد في هذه المعادلة يهدد هذا التوازن الإنساني، ويحدث خرقاً في ثقة الأبناء واستقرارهم النفسي، إذ أثبتت التجارب الاجتماعية أن صعوبة تحقيق العدل التام تؤدي غالباً إلى تفكك الروابط الأسرية ونشوء الخلافات والضغائن، مما يؤثر سلباً في تنشئة جيل متزن وقادر على مواجهة الحياة.

وحتى من المنظور الديني والمقاصدي، فإن القراءة العميقة للنصوص الشرعية لا تجعل من التعدد أصلاً مطلقاً أو رخصة بلا ضوابط، بل قرنته بشرط صارم هو العدل، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، ثم جاء التنبيه على تعذر العدل بين النساء في المشاعر والظروف في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.

ومن مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى حماية الأسرة ودفع الضرر عن الأفراد، ومن هذا المنظور يمكن قراءة حظر التعدد في التشريع التونسي بوصفه حماية لمفهوم الأسرة ومنعاً للجور والظلم الذي قد ينجم عن العجز عن استيفاء مقتضيات العدل.

ثم إن الموضع الذي تطرقت فيه الآيات القرآنية إلى مسألة التعدد جاء في سياق الحديث عن اليتامى، لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.

بدلاً من فتح سجالات منفصلة عن الواقع الاقتصادي والنفسي، البحث في كيفية دعم الشباب اقتصادياً وتأهيلهم نفسياً وفكرياً، لمساعدتهم على بناء أسر متماسكة ومستقر

ما يعني أن السياق القرآني الذي وردت فيه آية التعدد في سورة النساء ارتبط أساساً برعاية اليتامى والقسط فيهن في ظروف اجتماعية وإنسانية محددة، وليس إذناً مطلقاً لتتبع الأهواء وتهميش دور الأب والزوج في بناء أسرة قائمة على السكن والمودة والمسؤولية الكاملة.

وغالباً ما تكشف المطالبات الشديدة بالتعدد في عصرنا الراهن عن حالة من هشاشة الوعي وغياب النضج الإنساني لدى أصحابها، إذ تجد أغلب المنادين بالتعدد مفتقدين إلى القدرة المادية، وغير حاضرين بمسؤولية في حياة أبنائهم وزوجاتهم، ومفتقدين إلى الدور التربوي والرعائي الحقيقي الذي تتطلبه الأسرة المعاصرة، ليصبح التعدد لديهم، في جوهره، انسياقاً خلف الغريزة وتلبية لاحتياجات فردية تحت غطاء من الذرائع الشكلية.

لقد خلق الله عز وجل الغريزة في الإنسان، وطالبه بتهذيبها وضبطها بالوعي والعقل، حتى لا ينحدر السلوك الإنساني إلى مجرد استجابة فطرية لكل دافع طارئ، كما هو الحال لدى الكائنات الأخرى.

وفي هذا السياق، يتطابق هذا الفهم الإنساني مع المقاصد الشرعية والفقهية التي أقرتها مؤسسات علمية عريقة، كالأزهر الشريف وجامع الزيتونة، والتي تؤكد في بعض فتاواها واجتهاداتها أن التعدد ليس أصلاً مطلقاً، وإنما هو استثناء تحكمه شروط وضوابط، وفي مقدمتها العدل.

ويتضح، إذاً، أن الانشغال بمسألة التعدد يُعد قفزاً على الأولويات الحقيقية التي تشغل المجتمع التونسي اليوم. فالأولى، بدلاً من فتح سجالات منفصلة عن الواقع الاقتصادي والنفسي، البحث في كيفية دعم الشباب اقتصادياً وتأهيلهم نفسياً وفكرياً، لمساعدتهم على بناء أسر متماسكة ومستقرة، وتوفير مقومات العيش الكريم، وحماية المكتسبات الاجتماعية والحقوقية التي جعلت من الأسرة حصناً للكرامة والاستقرار.