من ذكاء الاستقرار إلى بناء القوة: الأردن أمام معادلة جديدة

المرحلة المقبلة لا تطلب من الأردن التخلي عن ذكاء الاستقرار بل تطلب تطويره لبناء قوة داخلية متماسكة.
الاثنين 2026/08/10
توازنات دقيقة في بيئة شديدة التعقيد

في 30 أيار/مايو 2025، كتبت في صحيفة “العرب” اللندنية مقالًا بعنوان “الأردن… ذكاء الاستقرار في زمن الانهيار”، قدمت فيه قراءة للتجربة الأردنية في مرحلة كانت المنطقة تغرق في موجات الانهيار والفوضى. وقلت آنذاك إن الإنجاز الأردني الأبرز لم يكن مجرد قدرة على الصمود، بل قدرة على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية بمرونة عالية، وتحويل الموقع الجغرافي الحساس من عبء دائم إلى عنصر تفاوض، والحفاظ على تماسك الدولة وسط العواصف التي اجتاحت الإقليم. وكان ذلك الخيار، في تقديري، صحيحًا ومتسقًا مع طبيعة التحديات في تلك المرحلة.

لكن المعادلة اليوم اختلفت. لم تعد المنطقة تعيش حالة انهيار مفتوح فقط، بل دخلت مرحلة إعادة ترتيب للنفوذ والمصالح، تتسم بالاستعصاء وبتشكل تحالفات جديدة وبقواعد اشتباك متحركة. في مثل هذه البيئة، يصبح الاستقرار الذكي شرطًا ضروريًا للبقاء، لكنه لم يعد كافيًا وحده لصناعة موقع مؤثر. السؤال الذي يفرض نفسه الآن لم يعد: كيف نحافظ على الاستقرار؟ بل: كيف نحوّل هذا الاستقرار إلى قاعدة لبناء قوة تجعل الأردن أكثر حضورًا في معادلات المنطقة؟

هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق إدارة الموقع إلى منطق بناء القدرة. فالجغرافيا تمنح الدولة فرصة تاريخية، لكنها لا تتحول إلى قوة استراتيجية بذاتها. القوة تُصنع عندما تمتلك الدولة أدوات داخلية قادرة على توليد قيمة حقيقية: اقتصاد أكثر إنتاجية وأقل هشاشة، مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ بكفاءة، تعليم يُخرّج مهارات ومعرفة قابلة للتحويل إلى نفوذ، وإدارة عامة تستطيع ربط القرار السياسي بالقدرة التنفيذية.

الأردن تجاوز مرحلة إدارة الاستقرار، إذ لم يعد الموقع الجغرافي وحده كافيًا، بل يتطلب بناء قدرة داخلية اقتصادية ومؤسسية وتعليمية لصناعة نفوذ إقليمي

وتكشف القراءة الجيوستراتيجية الحديثة هذا المعنى بوضوح. فالقيمة الإستراتيجية للموقع الجغرافي لم تعد تُقاس بالموقع وحده، بل بقدرة الدولة على تحويله إلى منصة نفوذ عبر ما تمتلكه من موارد بشرية ومؤسسية واقتصادية. التجارب التاريخية تدعم هذا المنطق: سنغافورة لم تتحول إلى مركز اقتصادي ومالي عالمي بفضل موقعها فقط، بل لأنها بنت دولة عالية الكفاءة قادرة على استغلال هذا الموقع. وكوريا الجنوبية لم تخرج من دائرة الدول الهشة بعد الحرب إلا بعد أن استثمرت بشكل منهجي في التعليم والتصنيع وبناء مؤسسات حديثة.

والدرس الذي يهم الأردن هنا ليس تقليد هذه التجارب، فلكل دولة سياقها، بل فهم القاعدة الأساسية: الجغرافيا تصبح قوة عندما تُسند بحكومة قادرة على استثمارها. أما الدول التي اعتمدت على الجغرافيا وحدها دون بناء قدرة داخلية موازية، فقد بقيت في الغالب مجرد ممرات أو ساحات نفوذ للآخرين.

وفي الحالة الأردنية، يظهر هذا التحدي بوضوح في ملف الجسور اللوجستية. فالأردن يمتلك موقعًا يؤهله ليكون ممرًا حيويًا يربط الخليج بالبحر المتوسط، والعراق بسوريا، والأسواق الإقليمية ببعضها. غير أن تحويل هذا الموقع إلى جسر لوجيستي فاعل يتطلب أكثر من الموقع نفسه: بنية تحتية حديثة، إجراءات جمركية كفؤة، وقدرة على جذب الاستثمارات في النقل والتخزين. بدون هذه العناصر، يبقى الموقع فرصة مؤجلة لا ورقة قوة مكتملة.

ويرتبط هذا أيضًا بنظرية القوة الناعمة، التي تؤكد أن نفوذ الدول لم يعد يُقاس فقط بالقدرة العسكرية أو الموقع الجغرافي، بل بقدرتها على الجذب والتأثير من خلال نموذجها السياسي والاقتصادي والتعليمي، وسمعتها كدولة مستقرة وموثوقة. الأردن يمتلك رصيدًا مهمًا في هذا المجال: سمعة دولية نسبية، دور دبلوماسي معتدل، ومصداقية في ملفات إقليمية متعددة. لكن القوة الناعمة لا تُستدام بالسمعة وحدها، بل تتعزز حين تكون مدعومة بنموذج داخلي ناجح يُنتج قيمة حقيقية يمكن تقديمها للآخرين.

المرحلة المقبلة تستدعي تحويل الاستقرار إلى قوة، عبر تعظيم رأس المال البشري والإدارة العامة، ليصبح الأردن فاعلًا مؤثرًا لا مجرد متكيف مع المتغيرات الإقليمية

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن دور القيادة في السياسة الخارجية. فقد نجح الأردن في إدارة علاقاته الإقليمية والدولية بمرونة وواقعية، محافظًا على توازنات دقيقة في بيئة شديدة التعقيد. غير أن هذا النجاح الخارجي يبقى محدود الأثر ما لم يُسند بأداء حكومي قادر على تحويل التفاهمات والفرص إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد والاستثمار والخدمات. القيادة تفتح الأبواب، لكن بناء القوة يحتاج جهازًا تنفيذيًا يحول الفرص إلى واقع.

بمعنى آخر: قبل أن نسأل كيف نجعل الأردن أكثر تأثيرًا في الإقليم، علينا أن نسأل كيف نرفع قدرته الداخلية على إنتاج القيمة. فالدولة التي تمتلك اقتصادًا أكثر تنوعًا وموارد بشرية مؤهلة تكون أقدر على التفاوض من موقع قوة، لا من موقع الحاجة. والأولوية هنا يجب أن تبدأ بتعظيم رأس المال البشري والإدارة العامة، لأنهما الأساس الذي يُبنى عليه أي تقدم اقتصادي أو مؤسسي لاحق. بدون هذا التسلسل، يبقى الحديث عن الأدوار الإقليمية أقرب إلى الأمنية منه إلى الإستراتيجية.

لذلك، الاستدارة إلى الداخل لم تعد خيارًا موازيًا للسياسة الخارجية، بل صارت شرطها الموضوعي. الدولة التي لم تحسم بعد قدرتها على تعظيم مواردها البشرية والمؤسسية والاقتصادية، ستظل أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى صناعة الفرص. أما الدولة التي تبني هذه القدرة، فستكون في موقع أفضل لإعادة صياغة علاقتها بالمتغيرات الإقليمية، لا الاكتفاء بالتكيف معها.

المرحلة المقبلة لا تطلب من الأردن التخلي عن ذكاء الاستقرار الذي أثبته خلال السنوات الصعبة، بل تطلب تطويره وتحويله إلى منصة لبناء قوة داخلية متماسكة. عندها فقط يتحول الموقع الجغرافي من واقع يُدار بحذر إلى ورقة رابحة، وتصبح التحالفات أدوات اختيار لا التزامات مفروضة، ويتحول الرصيد الدبلوماسي من سمعة طيبة إلى نفوذ قابل للاستخدام. هذا هو الانتقال الذي لم يعد ترفًا فكريًا، بل حاجة استراتيجية: من إدارة الاستقرار إلى صناعة القوة.