النفط الليبي: هل تتحول الطفرة الإنتاجية إلى بداية لبناء الدولة؟

التحدي الحقيقي ليس الوصول إلى مليوني برميل يوميًا فقط. التحدي هو جعل الإنتاج مستدامًا.
الأحد 2026/08/09
القطاع النفطي لا يعمل بالأمنيات

لا يحتاج النفط في ليبيا إلى إثبات أهميته. فهو المورد الذي يمول الدولة، ويحرك اقتصادها، ويحدد إلى حد بعيد قدرة الحكومات على الإنفاق، لكنه في الوقت نفسه هو أكثر عناصر الصراع السياسي حساسية. ولذلك فإن التطورات الأخيرة في قطاع النفط تستحق قراءة تتجاوز أرقام الإنتاج والإيرادات: ليبيا تقترب من مستوى إنتاج لم تبلغه منذ سنوات طويلة، وتتحرك المؤسسة الوطنية للنفط نحو استثمارات أكبر، لكن السؤال الأهم يبقى: هل تستطيع البلاد تحويل هذه اللحظة النفطية إلى فرصة لبناء دولة أكثر استقرارًا، أم أن هشاشة السياسة ستظل قادرة على تعطيل أفضل الخطط الاقتصادية؟

هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع اقتراب إجمالي الإنتاج من 1.5 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013. فيما تمتد الخطط المستقبلية إلى رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًا بحلول نهاية العقد.

هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كلها.

القصة أن ليبيا تبدو وكأنها أمام فرصة نادرة: قطاع نفطي يستعيد جزءًا من قدرته الإنتاجية، ومؤسسة وطنية تحاول الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط، وبيئة دولية ما زالت تمنح النفط الليبي قيمة استراتيجية بسبب موقع البلاد القريب من أوروبا واحتياطياتها الكبيرة. لكن هذه الفرصة لن تصبح تحولًا تاريخيًا إلا إذا استطاعت الدولة أن تحميها من السياسة.

فالنفط الليبي كان دائمًا أكثر من سلعة اقتصادية. إنه اختبار مستمر لوحدة المؤسسات. وكلما ارتفع الإنتاج، ارتفعت أهمية السؤال عن الجهة التي تدير العائدات، وكيف تُنفق، ومن يستفيد منها، وما إذا كان النفط سيبقى ملكًا وطنيًا مشتركًا أم يتحول مرة أخرى إلى ورقة في صراع مراكز النفوذ.

وهنا تكتسب الميزانية الموحدة للمؤسسة الوطنية للنفط أهمية خاصة. فقد حصلت المؤسسة على اعتماد كبير لعام 2026، لكن المشكلة أن التمويل الفعلي ظل أقل بكثير من الاعتماد المقرر؛ ففي يوليو أعلنت المؤسسة أن ما تم تسييله بلغ مليار دينار فقط من أصل 13.6 مليارًا، وأن هذا المبلغ ذهب إلى سداد التزامات وديون سابقة.

هذا التفصيل يكشف جوهر المشكلة الليبية: لا يكفي أن تعتمد الدولة الأموال، بل يجب أن تكون قادرة على تحويل الاعتمادات إلى استثمارات فعلية، وإلى معدات وصيانة واستكشاف وتطوير للحقول والبنية التحتية.

فالقطاع النفطي لا يعمل بالأمنيات. كل برميل إضافي يحتاج إلى آبار ومنشآت وخطوط نقل وموانئ ومعدات وموارد بشرية وتمويل مستمر. كما يحتاج قبل ذلك كله إلى الاستقرار.

وقد جاءت أحداث يوليو لتذكّر بذلك بوضوح. فقد توقفت عمليات الإنتاج في حقلي الفيل والوفاء بعد اضطرابات واحتجاجات أدت إلى اقتحام مجمع مليتة للنفط والغاز، قبل أن تستعيد السلطات الأمنية السيطرة عليه وتستأنف العمليات. ولم يكن أثر التوقف محصورًا في النفط؛ إذ تأثرت أيضًا إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء وارتفع خطر انقطاع التيار الكهربائي.

كلما ارتفع الإنتاج ارتفعت أهمية السؤال عن الجهة التي تدير العائدات وكيف تُنفق ومن يستفيد منها وما إذا كان النفط سيبقى ملكًا وطنيًا مشتركًا

هنا تظهر المعضلة الليبية بأوضح صورها: تستطيع البلاد أن ترفع الإنتاج إلى مستويات تاريخية، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تفقد جزءًا من هذا الإنتاج بسبب أزمة سياسية أو احتجاج محلي أو خلل أمني.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس الوصول إلى مليوني برميل يوميًا فقط. التحدي هو جعل الإنتاج مستدامًا.

ليبيا تملك المقومات الضرورية لذلك. فهي تمتلك احتياطيات ضخمة، وخبرة تراكمية في صناعة النفط، وموقعًا جغرافيًا يجعلها قريبة من السوق الأوروبية. وفي الوقت الذي تبحث فيه أوروبا عن تنويع مصادر الطاقة، يمكن لليبيا أن تقدم نفسها ليس فقط باعتبارها منتجًا للخام، وإنما باعتبارها شريكًا طويل الأمد في أمن الطاقة في المتوسط.

وهناك بالفعل مؤشرات على أن الاهتمام بالقطاع لا يقتصر على النفط الخام. ففي يونيو بدأت شركة إيني والمؤسسة الوطنية للنفط تشغيل مشروع ضغط بحري في حقل بحر السلام، بهدف الحفاظ على إنتاج الغاز وزيادته، مع توقع إضافة نحو 800 مليون متر مكعب من الغاز سنويًا.

وهذا مهم لأن مستقبل الطاقة الليبية لا ينبغي أن يختزل في عدد براميل النفط. فالغاز، والتكرير، والبتروكيماويات، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة، كلها مجالات يمكن أن تساعد ليبيا على الانتقال من اقتصاد يبيع المادة الخام إلى اقتصاد يبني قيمة مضافة.

لكن ذلك يتطلب شيئًا لا تستطيع المؤسسة الوطنية للنفط وحدها توفيره: بيئة سياسية مستقرة وقواعد واضحة.

الشركات الدولية تستطيع الاستثمار في المناطق ذات المخاطر، لكنها لا تستطيع العمل طويلًا في بيئة لا تعرف فيها ما إذا كانت العقود ستظل مستقرة، أو ما إذا كانت المنشآت ستكون محمية، أو ما إذا كان الإنتاج سيستمر عند تغير موازين القوى السياسية.

ولهذا فإن عودة الشركات والاستثمارات إلى ليبيا ستكون في حد ذاتها اختبارًا للدولة. وقد شهدت البلاد خلال الفترة الأخيرة اهتمامًا دوليًا متجددًا بالاستثمار في قطاع الطاقة، لكن تحويل هذا الاهتمام إلى إنتاج مستدام يحتاج إلى أكثر من توقيع العقود. يحتاج إلى الثقة.

والثقة هنا لا تُبنى بالتصريحات، بل بالمؤسسات.

إذا أرادت ليبيا أن تصل إلى مليوني برميل يوميًا، فعليها أن تتعامل مع هذا الرقم باعتباره مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، لا هدفًا إنتاجيًا للمؤسسة الوطنية للنفط وحدها. وهذا يعني حماية القطاع من الإغلاق السياسي، وتوفير تمويل منتظم، وتحسين الشفافية، وتطوير البنية التحتية، وضمان أن تكون عائدات النفط قابلة للتتبع وأن يشعر المواطن بأن هذه الثروة تعود إليه.

فالنفط الذي لا يتحول إلى كهرباء أفضل، ومستشفيات ومدارس وطرق ومياه وفرص عمل، يظل رقمًا في دفاتر الدولة.

وهنا تكمن المسألة الأعمق: ليبيا لا تحتاج فقط إلى زيادة إنتاج النفط، بل إلى زيادة قيمة النفط بالنسبة إلى المواطن.

إن رفع الإنتاج من مليون وأربعمائة ألف برميل إلى مليوني برميل يوميًا قد يكون إنجازًا اقتصاديًا كبيرًا، لكنه لن يكون تحولًا تاريخيًا إذا استمر الاقتصاد في الاعتماد المفرط على النفط، وإذا بقيت الدولة عاجزة عن تحويل الإيرادات إلى اقتصاد أكثر تنوعًا.

ولهذا ينبغي النظر إلى الطفرة النفطية الحالية باعتبارها فرصة لتمويل مرحلة انتقال اقتصادي. فالنفط يمكن أن يمول تطوير الزراعة، والصناعة، والخدمات، والسياحة، والبنية التحتية، والطاقة الشمسية، والتعليم التقني. ويمكن أن يصبح وسيلة لتقليل اعتماد الليبيين على الوظيفة الحكومية، بدل أن يكون سببًا إضافيًا لتوسيع الدولة الريعية.

لا يكفي أن تعتمد الدولة الأموال بل يجب أن تكون قادرة على تحويل الاعتمادات إلى استثمارات فعلية وإلى معدات وصيانة وتطوير للحقول والبنية التحتية

السؤال إذن ليس: كم برميلًا تستطيع ليبيا أن تنتج؟

السؤال الأهم: ماذا ستفعل ليبيا بهذه البراميل؟

إذا استطاعت الدولة الإجابة عن هذا السؤال، فإن النفط يمكن أن يتحول من مصدر للصراع إلى أداة للتوافق. ويمكن للمؤسسة الوطنية للنفط أن تصبح نموذجًا للمؤسسات الوطنية التي تتجاوز الانقسام السياسي، بدل أن تكون ضحية له.

وهذا ربما هو المعنى الأهم للمرحلة الحالية.

لقد أثبتت ليبيا أنها تستطيع رفع إنتاجها، والوصول إلى مستويات لم تبلغها منذ أكثر من عقد. لكنها تحتاج الآن إلى إثبات شيء أصعب: أنها تستطيع حماية هذا الإنجاز.

فالزيادة الإنتاجية قد تكون إنجازًا فنيًا، أما استدامتها فهي إنجاز سياسي ومؤسسي.

وفي بلد عانى طويلًا من الانقسام، يمكن للنفط أن يكون أحد الملفات القليلة التي تستطيع الأطراف الاتفاق عليها، إذا جرى التعامل معه باعتباره ملكية وطنية لا غنيمة سياسية. ويمكن لانتظام التمويل، وشفافية العائدات، وحماية المنشآت، واستمرار الإنتاج، أن تتحول تدريجيًا إلى عناصر لبناء الثقة بين المؤسسات والمناطق والقوى السياسية.

لهذا لا ينبغي أن تكون مليونا برميل يوميًا نهاية الطموح الليبي، بل بدايته.

فالهدف الحقيقي ليس إنتاج المزيد من النفط فحسب، وإنما استخدام المزيد من النفط لبناء دولة أقل اعتمادًا عليه.

وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تفهمها ليبيا الآن: ثروتها النفطية يمكن أن تكون أقوى أدوات بناء الدولة إذا خرجت من منطق الصراع، لكنها يمكن أن تبقى سببًا للهشاشة إذا ظلت الدولة عاجزة عن إدارة الثروة بمنطق المصلحة الوطنية.

لقد امتلكت ليبيا النفط منذ عقود، وما ينقصها ليس الثروة، بل القدرة المؤسسية على تحويلها إلى مستقبل.

ولذلك فإن اللحظة الراهنة تستحق التفاؤل، ولكن ليس التفاؤل الساذج. فالأرقام الجديدة تقول إن القطاع قادر على التعافي، والتطورات الاستثمارية تقول إن هناك اهتمامًا دوليًا بالعودة، لكن أحداث الإغلاق الأخيرة تقول أيضًا إن الطريق لا يزال هشًا.

والاختبار الحقيقي الآن هو أن تنجح ليبيا في تحويل هذه الطفرة من ارتفاع في الإنتاج إلى ارتفاع في الثقة، ومن زيادة في الإيرادات إلى زيادة في التنمية، ومن النفط كسبب للصراع إلى النفط كأداة لبناء الدولة.

إذا نجحت في ذلك، فإن مليوني برميل يوميًا لن تكون مجرد قصة عن النفط.

ستكون قصة عن ليبيا نفسها، وعن قدرتها أخيرًا على تحويل ثروتها الأكبر من مصدر للهشاشة إلى قاعدة للاستقرار، ومن مورد تتصارع عليه الأطراف إلى مصلحة وطنية تجمعها.

3