من حمص إلى وول ستريت… هل تتعلم سوريا درس ستيف جوبز؟
في الأسبوع الذي أعلنت فيه شركة آبل تجاوز قيمتها السوقية حاجز خمسة تريليونات دولار، لتصبح ثاني شركة في العالم تصل إلى هذا الرقم التاريخي، عاد اسم ستيف جوبز إلى الواجهة. ليس فقط باعتباره المؤسس الأسطوري لآبل، بل أيضًا كابن مهاجر سوري من مدينة حمص، تخلى عنه والداه ليُتبنّى في الولايات المتحدة. المفارقة هنا مؤلمة ومُلهمة في آن واحد: بينما استطاع ابن المهجر السوري أن يبني إمبراطورية تكنولوجية تتجاوز قيمتها اقتصادات دول كبرى، تغرق سوريا نفسها في أزمات اقتصادية وأمنية جعلتها بلدًا طاردًا لأبنائها.
نجاح آبل ليس مجرد قصة عن شركة، بل هو درس عن الاستثمار في الإنسان. جوبز لم يكن نتاج عبقرية فردية فقط، بل ثمرة بيئة حاضنة أتاحت له التعليم والحرية والفرصة ليحوّل أفكاره إلى منتجات غيرت العالم. هذا هو جوهر المفارقة: الطاقات السورية موجودة، لكنها غالبًا ما تُهدر بسبب غياب البيئة التي تحتضنها. فعدد السوريين المهاجرين عبر القرون يقدّر اليوم بضعفي عدد المقيمين داخل البلاد، وهو نزيف بشري مستمر منذ عقود، تغذيه ظروف القمع والاضطهاد وانعدام الأفق الاقتصادي.
جوبز لم يكن نتاج عبقرية فردية فقط، بل ثمرة بيئة حاضنة أتاحت له التعليم والحرية والفرصة ليحوّل أفكاره إلى منتجات غيرت العالم
لكن السؤال الأهم ليس في تعداد الخسائر، بل في إمكانية قلب المعادلة؛ هل تستطيع سوريا أن تتحول من بلد طارد إلى بلد جاذب؟ الجواب: ذلك ليس مستحيلًا. فالتجارب العالمية تثبت أن الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والطاقات الشابة يمكن أن يخلق قصص نجاح محلية لا تقل إبهارًا عن قصة جوبز. الهند مثلًا، التي كانت تُعرف بالفقر والبيروقراطية، أصبحت اليوم قوة في البرمجيات والذكاء الاصطناعي بفضل استثمارها في رأس المال البشري. لماذا لا يكون لسوريا مسار مشابه؟
الفرص موجودة حتى وسط الأزمات. فشباب سوريا الذين أثبتوا قدراتهم في المهجر يمكن أن يصبحوا رافعة للتنمية إذا أُتيحت لهم بيئة آمنة، وقوانين عادلة، ومؤسسات تستثمر في الإبداع بدل أن تقمعه. تحويل التجربة من فقدان إلى فرصة يتطلب رؤية سياسية جديدة، ترى في الإنسان الثروة الأولى، وفي التعليم والابتكار الطريق إلى إعادة بناء الاقتصاد.
قصة ستيف جوبز ليست حكاية فردية، بل درس جماعي. إذا استطاعت آبل أن تصبح أغلى من اقتصادات دول، فإن سوريا تستطيع أن تصبح أغنى بطاقاتها البشرية إذا آمنت بها. الشرط الوحيد هو أن تتحول الدولة من عقلية الطرد إلى عقلية الاحتضان، وأن تدرك أن أعظم استثمار ليس في النفط أو الغاز أو العقارات، بل في الإنسان نفسه.
في النهاية، من حمص إلى وول ستريت، تكشف قصة ستيف جوبز عن مفارقة كبرى: ابن مهاجر سوري يصنع أعظم شركة في العالم، بينما بلده الأصلي يطرد أبناءه. هذا التناقض يجب أن يكون جرس إنذار، لكنه أيضًا يمكن أن يكون نافذة أمل. فالمستقبل لا يُبنى على الحنين إلى الماضي، بل على الجرأة في الاستثمار في الإنسان، لأنه وحده القادر على صناعة المعجزات.