لماذا تحولت مدينة العلوم بتونس إلى مسرح للفوضى؟
مدينة العلوم بتونس كما هو اسمها، ليست قاعة حفلات ولا مسرحا للمهرجانات الفنية، إنها مؤسسة وطنية بعثت عام 1992 بهدف نشر الثقافة العلمية بين مختلف فئات المجتمع، من الأطفال إلى الطلبة، ومن الشباب إلى العائلات. وهي تحتضن معارض علمية دائمة ومتنقلة، وتنشر مجلة متخصصة، وتوفر مكتبة علمية تضم مئات المقاعد، لتكون فضاء يلتقي فيه الفضول بالمعرفة، ويجد فيه العقل غذاءه.
هذا ما عرفناه ويعرفه التونسيون عن المدينة، وما يمكن أن يعرفنا به اسمها، لكن ما رأيناه مؤخرا من حفلات تُنظم في المدينة، يعصف بصورتها وبالهدف الأول من تأسيسها وخطة عملها. لقد تحولت المدينة إلى مهرجان موسيقي صيفي، ومهرجان ينظم اعتباطيا دون أن يحتكم إلى ضوابط تبرر إقامته في المدينة، أو حتى إلى ضوابط العلوم الموسيقية التي تأتي برموز مهمة في الموسيقى العربية والغربية.
منذ فترة أقيم حفل للمغنية اللبنانية نوال الزغبي، قدمته بأداء هزيل وبصوت ضعيف وفي عز أزمة انقطاع الكهرباء، فجاءت التعليقات مستنكرة للحفل، ومستغربة من إقامته في مدينة العلوم.
وتداول البعض فيديو من حفل الفنان المغربي ديستانكت مع التونسي كازو، تضمن مناوشات وشجارا بين بعض الشباب، ما أدى إلى مغادرة الفنان المغربي وانتهاء الحفل. ومن المقرر أن ينتظم حفل للمغنية الاستعراضية اللبنانية هيفاء وهبي في مسرح المدينة.
كل هذه الحفلات وما حدث من عنف في المدينة يبدو صورة مكثفة عن أزمة أعمق: فكيف تحوّل فضاء أُنشئ لترسيخ قيمة العلم والعقل والمعرفة إلى منصة لحفلات لا تمت بصلة إلى رسالته، بل تنتهي أحيانا بالعنف والتكسير والاشتباكات؟
لماذا أصبح هذا الصرح العلمي عنوانا لحفلات يحييها فنانون لا يحترمون حتى أبسط قواعد الغناء والموسيقى؟ من المستفيد من تحويل المكان الذي يفترض أن يوقظ في الشباب حب الاكتشاف والعلم والفنون والثقافة بجوانبها الإيجابية إلى فضاء يكرس الابتذال والعنف وثقافة الاستهلاك السريع؟
لسنا هنا بصدد محاكمة الفن، فالفن الحقيقي شريك للعلم في بناء الإنسان. الموسيقى الراقية، والمسرح، والشعر، والفنون جميعها أدوات للارتقاء بالذوق والوعي، لكن ما قدم ويقدم اليوم في كثير من هذه الحفلات لا علاقة له بالفن بمعناه الحقيقي. أصوات تعتمد الصراخ أكثر من الغناء، وكلمات تفتقر إلى القيمة، وعروض لا تحترم حتى أبسط الضوابط الموسيقية، فتتحول إلى مجرد إثارة لحظية تنتهي غالبا بالفوضى، وأين تنظم؟ في مدينة العلوم، في حين أن البلد يعج بالمسارح والفضاءات ويمتلك مدينة أخرى مخصصة للثقافة تسمى مدينة الثقافة؟
ولعل ما وثقته مقاطع الفيديو الأخيرة من تدافع ومشاجرات وتكسير بين عدد من الحاضرين يطرح سؤالا مهما: هل هذا هو الجمهور الذي نريد أن نصنعه داخل مؤسسة علمية؟ وهل هذه هي الصورة التي تستحقها مدينة تحمل اسم مدينة العلوم؟
القضية هنا تتعلق أكثر برمزية المكان، فلكل فضاء هويته ورسالته، وكما لا يمكن أن نقيم مباراة لكرة القدم داخل مكتبة وطنية، ولا مؤتمرا علميا داخل ملعب رياضي، فمن الطبيعي أن نتساءل عن جدوى تحويل مؤسسة أنشئت لنشر الثقافة العلمية إلى منصة لحفلات لا تضيف شيئا إلى رسالتها، بل قد تسيء إلى صورتها.
ربما يبرر البعض ذلك بالحاجة إلى تنويع الأنشطة أو توفير موارد مالية إضافية، لكن التنويع لا يعني التخلي عن الهوية. كان بالإمكان احتضان حفلات موسيقية راقية، أو عروض أوركسترالية، أو أمسيات تمزج بين الفن والعلم، أو فعاليات موجهة للشباب تعكس رسالة المؤسسة، أما استضافة عروض لا ينسجم محتواها ولا من يقدمونها مع طبيعة المكان، فذلك يفرغ الاسم من معناه ويسيء لصورة تونس في الداخل والخارج.
المؤسسات الثقافية والعلمية تبنى بالرمزية وبالهوية قبل أن تشيد بالحجارة، وعندما تهتز هذه الرمزية، يخسر المجتمع جزءا من احترامه لفكرة أن لكل مؤسسة وظيفة، ولكل فضاء رسالة ينبغي أن تصان.
قد تمر هذه الحادثة كما مرت غيرها، لكنني أريد أن أسأل: هل نريد لمدينة العلوم أن تبقى مدينة للعلوم، أم أن تتحول تدريجيا إلى قاعة مناسبات لا يختلف برنامجها عن أي فضاء تجاري آخر؟ هل نريد لتونس أن تظل منارة للعلم والثقافة أم أن صورتها لم تعد مهمة لأبنائها؟