قراءة إستراتيجية في مأزق النظام الإيراني واختبار النظام الدولي

هندسة السقوط لا تقل خطورة عن السقوط نفسه فالمجتمع الدولي يسعى لاحتواء الفراغ الجيوسياسي القادم خشية أن يتحول انهيار إيران إلى زلزال إقليمي.
الخميس 2026/07/23
مرحلة العدّ التنازلي

منذ أواخر عام 2025، تناولتُ في سلسلة من المقالات التحليلية التحولات التي يمر بها النظام الإيراني. وكانت باكورة هذه القراءات مقالًا نُشر في 25 ديسمبر/كانون الأول 2025 في صحيفة العرب بعنوان “صواريخ طهران والرقص مع الضبع الجريح”، ذهبتُ فيه إلى أن المناورات الصاروخية الإيرانية لم تكن تعبيرًا عن فائض قوة، بل محاولة لترميم الردع وشراء الوقت في ظلّ تآكل المكانة الإستراتيجية للنظام. واليوم، وبعد أشهر من التطورات المتسارعة، لا أستحضر تلك القراءة لإثبات صحة توقع، بل لأن الوقائع اللاحقة عززت المؤشرات التي استندت إليها، وكشفت أن ما بدا آنذاك أزمةً في الردع كان في جوهره بداية تحول بنيوي أعمق في بنية النظام الإيراني.

حين يُطرح السؤال عن مآلات الصراع الراهن بين الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة والنظام الإيراني، فإن تقديرات المتابعين تنقسم بين متسرّع في إعلان النصر المطلق، وبين منكر واقعي لحجم التصدعات البنيوية التي أصابت بنية النظام. إن المقاربة التي تقرّ بأن النظام الإيراني بات يعيش مرحلة إنهاك متهالك تعكس واقعًا ملموسًا، غير أن فهم هذا التحول لا يكتمل إلا بقراءة مترابطة لمستويات الأزمة السياسية والاقتصادية والإقليمية.

النظام الإيراني يعيش مرحلة إنهاك بنيوي تتجلى في فراغ القيادة وانهيار الاقتصاد وتصدع شبكة الأذرع الإقليمية ما يجعل بقاءه مرهونًا بإدارة الانهيار لا تجنّبه

إن حالة التآكل العميق التي يعاني منها النظام الإيراني لم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة تراكمية لثلاث ضربات قاسية هزّت أركان الجمهورية الإسلامية من أساسها: أولًا، الزلزال القيادي والفراغ الاستراتيجي، حيث أحدثت الضربات الجوية المركزة في مطلع المواجهة فراغًا هائلًا في القمة السياسية والأمنية بمقتل رأس الهرم السياسي ورموز الصف الأول، مما أفقد النظام بوصلته المركزية وأدخل آليات صنع القرار في حالة من الشلل والعشوائية.

ثانيًا، عقائدية الشلل الاقتصادي، إذ لم يعد الأمر مجرد أزمات مالية عابرة أو تضخم ناتج عن عقوبات تقليدية، بل تحول إلى شلل بنيوي تام في شرايين الاقتصاد الإيراني؛ فحصار الممرات الحيوية وإغلاق منافذ التصدير النفطي دفعا إيران إلى معضلة تقليص الإنتاج، ما يعني تجفيف آخر منابع النقد الأجنبي التي تُبقي آلة القمع والولاءات الداخلية حيّة. وثالثًا، تصدّع شبكة الأذرع، فالنسق المركزي انهار لينعكس فورًا على الأطراف، وأصبح الوكلاء الإقليميون يعانون اليوم من حالة تخبّط استراتيجي غير مسبوق، بين محاولات التملّص من التكلفة الباهظة للارتباط بطهران، وبين محاولات بائسة لإثبات الوجود عبر مناوشات هنا وهناك.

لقد انتقل الصراع من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة كسر العظم وحرق المراحل عبر مسارين أساسيين: الأول، سقوط الدبلوماسية المؤقتة، حيث إن تعثّر مساعي التهدئة واصطدام المبادرات الإقليمية بشروط تعجيزية متبادلة يكشف عن حقيقة أن الطرفين وصلا إلى نقطة اللاعودة؛ فطهران تحاول فرض شروط التفاوض تحت النار، بينما يرفض الخصوم أي تسوية تُبقي على هامش المناورة الإيرانية القديمة. الثاني، استراتيجية أكياس الرمل بحثًا عن الأكسجين، فما نراه اليوم من مناورات مزدوجة (مثل تقديم مقترحات دبلوماسية عبر عُمان وتصعيد متزامن عبر الحوثي والأذرع) هو تطبيق كلاسيكي لإستراتيجية التفاوض بالنار؛ فالنظام يستخدم أطرافه الإقليمية كأكياس رمل لامتصاص الضربات وتأمين بقاء المركز في طهران.

وهو يواجه اليوم ضغوطًا غير مسبوقة واقتصادًا محاصرًا وعملة منهارة تجعله في حالة دفاع عن الوجود، لكنه لا يبحث عن انتصارات كبرى بقدر ما يبحث عن صفقات جزئية (كفكّ تجميد أموال أو تخفيف عقوبات) تضمن له الأكسجين الكافي للعبور إلى المرحلة القادمة دون تنازلات جوهرية تمسّ تركيبته الأيديولوجية.

استدامة الأمن الإقليمي والدولي لا تتحقق بإنعاش النظام بأكسجين الابتزاز، بل بقطع دابر هذا الابتزاز، وكسر حلقة استخدام الميليشيات كأدوات ضغط، وفرض معادلة ردع حقيقية

فسقوط الهيكل التقليدي لا يعني بالضرورة سقوطًا ميكانيكيًا سريعًا لسببين جوهريين: أولهما، صلابة العقيدة الأمنية للشمولية، فالأنظمة العقائدية المغلقة تمتلك قدرة فائقة على مواصلة التماسك الشكلي عبر العصا الأمنية المطلقة، حتى لو تحولت إلى كيانات مجوّفة من الداخل، طالما أن مراكز الثقل العسكري المتبقية لم تحدث فيها انشقاقات عميقة.

وثانيهما، رعب الفراغ لدى الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، إذ تدرك القوى الكبرى والإقليمية أن الانهيار الكامل واللحظي لإيران سيفضي إلى تفكك جيوسياسي واسع النطاق في منطقة تعجّ بحساسيات الطاقة والتوازنات الدولية. هذا الرعب من فراغ السلطة هو ما يجعل الإدارة الدولية لإسقاط النظام تتمّ بحذر شديد لضمان عدم انفجار الإقليم بأسره. ومن هنا يمكن فهم أن بعض القوى الدولية لا تسعى بالضرورة إلى تسريع الانهيار بقدر ما تعمل على هندسته وإدارته؛ فكلما ازداد ضعف النظام الإيراني، ازدادت الحاجة إلى احتواء تداعياته ومنع تحوّل إيران إلى فراغ جيوسياسي يهدد استقرار الإقليم.

لقد دخل النظام الإيراني تاريخيًا وفعليًا مرحلة العدّ التنازلي لهيكلته التقليدية، وبات يعيش حالة من الموت السريري الاستراتيجي؛ فهو عاجز عن الهجوم الفعّال، وعاجز عن التعافي الاقتصادي، وفاقد للشرعية الشعبية. ومع أن الأنظمة الشمولية المعسكرة تمتلك عادة مرونة قاسية وأدوات قمع داخلية تجعلها قادرة على التشبث بالسلطة لفترات طويلة حتى وهي تنزف، إلا أن التعامل مع هذا النظام بمنهجية التهدئة المؤقتة أو الصفقات الجزئية لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة.

إن استدامة الأمن الإقليمي والدولي لا تتحقق بإنعاش النظام بأكسجين الابتزاز، بل بقطع دابر هذا الابتزاز، وكسر حلقة استخدام الميليشيات كأدوات ضغط، وفرض معادلة ردع حقيقية تجعل طهران تدرك أن تكلفة استمرار التصعيد أعلى بكثير من مكاسبه المرجوة. يبقى التحدي الأكبر ليس فقط في حتمية السقوط، بل في كيفية إدارة وهندسة الفراغ الجيوسياسي الضخم الذي سيخلّفه هذا الانهيار في خريطة الإقليم الحديثة.

7