المغرب في مواجهة بيغاسوس وبروباغندا التضليل الرقمي

المملكة تُعيد ترسيم معالم حضورها الدولي… ترفض الوصاية وتفرض الندية.
الثلاثاء 2026/07/21
صناعة سرديات وهمية

تشهد الساحة الدولية في السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في طبيعة الصراعات، حيث انتقلت المواجهات من طابعها التقليدي إلى فضاءات “الحروب الهجينة” التي تُوظَّف فيها التكنولوجيا، والبروباغندا الرقمية، والتسريبات الممنهجة كأدوات متطورة للضغط السياسي والابتزاز الدبلوماسي.

وفي هذا السياق المتوتر، برزت سلسلة من الحملات الإعلامية المنظمة والشرسة التي تقودها منصات أجنبية وائتلافات صحفية مسيَّسة، جعلت من المملكة المغربية ومؤسساتها السيادية هدفًا ثابتًا لتقارير تفتقر إلى أدنى المعايير المهنية والمصداقية العلمية. إن التدقيق في طبيعة هذه التقارير، وتوقيت نشرها المتزامن مع محطات دبلوماسية فارقة للمملكة، يكشف بشكل قاطع أنها لا تمثل عملًا صحفيًا استقصائيًا مجردًا يبتغي الحقيقة، بل هي أسلحة رقمية ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى تشويه السمعة الدولية للمغرب وفرملة صعوده الإقليمي.

تتأسس هذه الحملات المضللة على صناعة سرديات وهمية حول قضايا التجسس الرقمي واختراق الهواتف -مثل قضية “بيغاسوس”- مستغلةً تعقيد الملفات التكنولوجية لتمرير ادعاءات فضفاضة ومصطلحات سينمائية مبنية على لغة التخمين والأسماء المستعارة والروايات المفبركة.

الحملات الإعلامية الموجهة ضد المغرب تتحول إلى أدوات بروباغندا سوداء تستغل قضايا الخصوصية الرقمية لتشويه السمعة الدولية دون أي دليل جنائي

وتكمن خطورة هذه البروباغندا في محاولتها الالتفاف على القنوات القانونية والقضائية؛ حيث تعجز هذه المنصات -ومن يقف وراءها من منظمات شريكة مثل “منظمة العفو الدولية”- عن تقديم دليل مادي واحد، أو شريحة بيانات رقمية جنائية معتمدة وقابلة للفحص من طرف لجان علمية مستقلة أو محاكم دولية. إن هذا التهافت المنهجي، المقرون برفض تقديم الإثباتات، يحوِّل هذه المنشورات من طابع “التقارير الحقوقية” إلى منشورات “بروباغندا سوداء” تخدم أجندات خفية لقوى إقليمية منافسة وجهات غربية تقليدية باتت تزعجها الاستقلالية الإستراتيجية للمملكة وتنامي دورها كقوة ندّية ترفض التبعية وتصوغ تحالفاتها بناءً على المصالح المشتركة والسيادة الكاملة.

وبناءً على هذا السياق، يقتضي الأمر تفكيك الخلفيات الحقيقية لهذه الهجمات الممنهجة، ودحض الأطروحات المضللة عبر تعريتها تكنولوجيًا وقانونيًا وسياسيًا، وتسليط الضوء على مكامن الخلل في المنهجية التي اعتمدتها تلك المنصات الأجنبية. وذلك من خلال تجاوز القراءة السطحية للأحداث نحو سبر أغوار الأهداف الجيوسياسية للأطراف المحركة لهذه الحملات، وتبيان كيف يتم استخدام ملف “الخصوصية الرقمية وحقوق الإنسان” كغطاء لابتزاز الدولة المغربية ومحاولة ثنيها عن مواصلة نجاحاتها الدبلوماسية الكبرى، لاسيما في ملف الوحدة الترابية وتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في عمقها الأفريقي والفضاء المتوسطي.

إن استهداف شخصيات سيادية كالمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، ومؤسسات سيادية كالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) وكفاءاتها الأمنية المشهود لها وطنيًا ودوليًا بالمهنية، لا يمثل حدثًا معزولًا أو صدفة عابرة، بل هو استهداف مقصود وممنهج لـ”الدرع السيادي والأمني” للمملكة. فالنجاعة المشهود بها عالميًا للأجهزة الأمنية المغربية في مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية، نجحت في تحويل المغرب إلى واحة للاستقرار والريادة الأمنية وسط محيط إقليمي مضطرب.

ومن هنا، فإن محاولة شيطنة هذه المؤسسات السيادية، عبر تقارير وهمية تسعى أساسًا إلى إضعاف هذا الحصن المنيع وهز ثقة الشركاء الدوليين في موثوقية الأجهزة المغربية وضرب الجبهة الداخلية، هي مؤامرة سقطت أقنعتها أمام “الثبات الانفعالي” للمؤسسات المغربية، والردود القانونية الحازمة للمملكة، وصمود وعي المجتمع المغربي والتفافه حول المؤسسة الملكية، الضامن الأول والأخير لاستقرار وأمن الوطن والمواطنين.

تهافت المنهج العلمي

يكشف التدقيق العلمي والقانوني في المادة التي بُنيت عليها تقارير “بيغاسوس” عن عوار منهجي وغياب كامل للأدلة الجنائية الرقمية المعترف بها دوليًا، مما يحولها من تحقيقات استقصائية إلى مجرد بروباغندا موجهة. وتتمثل الثغرة الكبرى في اعتمادها على مختبر تقني واحد غير محايد، وصياغة استنتاجات فضفاضة مبنية على فرضيات جاهزة، مع رفض إخضاع ما سُمي “أدلة رقمية” للفحص المحايد أو تقديمها للقضاء بشكل رسمي وشفاف.

هذا الإصرار على إبقاء الأدلة في “صندوق أسود” أفقدها أي شرعية علمية، فيما لجأت التقارير إلى لغة سينمائية مثيرة مليئة بالتخمين والظنون لتعويض غياب الوثائق والمستندات. وعلى المستوى القانوني، واجه المغرب هذه الحملات بثبات مؤسساتي، ورفع دعاوى مباشرة في باريس ومدريد وبرلين، بينما عجزت المنظمات المروجة عن تقديم أي دليل ملموس أمام القضاء الأوروبي.

وقد رفضت محكمة الاستئناف في فرنسا تهم التجسس لغياب الإثباتات، مما شكل صك براءة دوليّا للمملكة، وأكد أن الطرف الذي يملك الحجة والشرعية هو المغرب، فيما لجأ خصومه إلى شعارات فضفاضة مثل “حصانة المصادر الصحفية” للتغطية على عجزهم التقني وفشل حملاتهم الإعلامية ضد السيادة الرقمية المغربية.

تفكيك الأجندة الجيوسياسية

المحاكم الأوروبية والتقارير الأمنية أثبتت أن المزاعم الموجهة للمغرب تفتقر للحجية القضائية لتتحول إلى فقاعات إعلامية تتهاوى أمام التحقيقات المستقلة

إن الحملات الإعلامية ضد المغرب لا يمكن قراءتها بمعزل عن دوافعها الجيوسياسية؛ فهي لا تحدث صدفة، بل تصدر في توقيت مشبوه يتزامن مع نجاحات دبلوماسية بارزة، مثل الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء أو توسع الشراكات الاقتصادية في أفريقيا والمتوسط. هذا الترابط الزمني يكشف أن الهدف ليس حماية الخصوصية، بل التشويش على المكتسبات السيادية وفرملة الديناميكية الدبلوماسية المتصاعدة للمملكة.

وتبرز خلف هذه الحملات أطراف إقليمية تستغلها كأداة بروباغندا للتغطية على إخفاقاتها، إلى جانب دوائر أوروبية منزعجة من صعود المغرب كقوة ندّية مستقلة. هذه القوى، التي اعتادت التعامل مع المنطقة بمنطق الوصاية، ترى في المغرب الجديد تهديدًا لمعادلاتها التقليدية، خصوصًا مع ريادته في الأمن والطاقة واللوجستيك.

لذلك يتم توظيف ورقة “حقوق الإنسان والخصوصية الرقمية” كسلاح ناعم للضغط الجيوسياسي، وتحويل ملفات الأمن الرقمي إلى أدوات ابتزاز تهدف إلى وضع المغرب في موقع الدفاع واستهلاك جهده في الرد على مزاعم واهية.

غير أن هذه المناورات اصطدمت بصلابة الجبهة الداخلية، ووعي النخب، والثبات الدبلوماسي للمملكة، فتحولت الحملات إلى سلاح مرتد كشف زيف شعاراتها أمام الرأي العام الدولي، وأكد أن المغرب ماضٍ بثقة في ترسيخ مكانته كشريك محوري في الفضاءين الأفريقي والمتوسطي.

استهداف الريادة الأمنية المغربية

إن تفكيك السرديات المضللة التي روجتها منصات أجنبية منظمة يقودنا حتما إلى فهم الهدف الجوهري والأكثر خطورة وراء هذه الحملات، وهو استهداف مكامن القوة والتميز في المنظومة الأمنية للمملكة المغربية التي تأسست دعائمها بفضل الرؤية المتبصرة للملك محمد السادس.

لقد تحولت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، وفي طليعتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، إلى نموذج عالمي يُحتذى به بفضل التنزيل الدقيق لإستراتيجيات استباقية فائقة النجاعة في تفكيك الخلايا الإرهابية، ودحر شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وإحباط مخططات الهجرة غير الشرعية، فضلاً عن كفاءتها العالية في كشف ومحاربة الجواسيس الفعليين.

هذه النجاعة المشهود بها دوليا جعلت من المغرب شريكا لا محيد عنه، وصمام أمان يضمن الاستقرار والسلم في منطقة شمال أفريقيا والساحل والفضاء الأورومتوسطي، وهو التميز الذي تحول مع الوقت إلى “عقدة” لدى الجهات المحركة للتقارير المضللة التي سعت جاهدة لتحويل هذا النجاح الباهر إلى مادة للتشكيك والشيطنة.

ويقترن هذا التفوق الأمني ببناء شبكة من الشراكات الدولية الموثوقة والوثيقة المبنية على الندية، والثقة المتبادلة، والمصالح المشتركة مع كبريات العواصم العالمية؛ من واشنطن إلى مدريد وباريس وغيرها من مراكز القرار الدولي. إن لجوء أجهزة استخبارات دولية كبرى وعريقة إلى التنسيق المستمر مع الأجهزة المغربية، والاعتماد على معلوماتها الدقيقة لحماية أمنها القومي، يعكس اعترافا صريحا بريادة وموثوقية المؤسسة الأمنية للمملكة.

غير أن هذا التعاون الإستراتيجي عالي المستوى، وصعود المغرب كقوة أمنية ندية ترفض التبعية، باتا يُزعجان قوى تقليدية وجهات جيوسياسية معينة تريد بقاء المنطقة تحت وصايتها وهيمنتها. ومن ثم، فإن صناعة ملفات وهمية مثل قضية “بيغاسوس” وتوجيهها ضد الرباط لم تكن سوى محاولة بائسة لضرب أسس هذه الثقة الدولية، وزرع الشكوك بين المغرب وشركائه الغربيين، في مسعى لفرملة هذا الصعود الإستراتيجي وإعادة المملكة إلى مربع الارتهان للإملاءات الخارجية.

وفي سياق هذه الحرب الهجينة، لم تكتفِ تلك التقارير الموجهة بمحاولة النيل من الأجهزة الأمنية فحسب، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر استهداف المحيط الملكي بشكل مباشر ومقصود.

وتجلى هذا المخطط في توجيه نِصال البروباغندا السوداء نحو المستشار الملكي عالي الهمة، عبر اختلاق قصص بوليسية مفبركة وروايات خيالية تفتقر لأدنى مصداقية وثائقية، وذلك في محاولة مكشوفة لضرب النواة الصلبة للدولة واستهداف الرموز الكفؤة المحيطة بمركز القرار السيادي.

إن هذه المحاولات الدنيئة لا تبتغي نقدا موضوعيا، بل تهدف بالأساس إلى محاولة إضعاف المعنويات وهز ثقة المواطن المغربي في مؤسساته السيادية التي تشكل درع الوطن الحصين. وتتوهم الجهات الراعية لهذه الحملات أن اغتيال السمعة المعنوية للشخصيات الوطنية الوازنة سيزعزع الجبهة الداخلية؛ غير أن النتيجة جاءت عكسية تماما، إذ تحطمت هذه المؤامرة الإعلامية أمام وعي مجتمعي مغربي صلب، والتفاف شعبي واثق حول العرش ومحيطه، وثبات انفعالي ومؤسساتي أكد للعالم أن الدولة المغربية عصية على الاختراق أو التقويض.

أسطورة "الوسطاء"

النجاعة الأمنية المغربية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة جعلت المملكة شريكًا إستراتيجيّا موثوقًا، ما يزعج القوى الساعية لإبقاء المنطقة تحت وصايتها

إن التدقيق في السرديات التي سوّقتها بعض التقارير حول ما أسمته بـ”العمليات العابرة للحدود” و”المسارات المالية المشبوهة”، يكشف بوضوح أننا أمام تكتيك استخباراتي مُغلف بغلاف “الاستقصاء”، يعتمد على “خيال السيناريوهات” لتعويض غياب الأدلة الجنائية. فعندما تغوص هذه المقالات في تفاصيل “هوليوودية” حول وسطاء تقنيين، أو صفقات تسليح عبر شركات وهمية، أو تحويلات مالية لـ “شخصيات رمزية”، فهي في حقيقة الأمر لا تقدم عملاً صحفيا، بل تُمارس عملية “هندسة للشك”؛ إذ يتم نسج قصص حول صفقات دولية (دولة إلى دولة (G2G تخضع لمعايير الرقابة الدولية، وتحويلها إلى سردية تآمرية تهدف إلى شيطنة التعاون الأمني الإستراتيجي الذي يربط المملكة بشركائها الدوليين، وبشكل خاص محاولة استهداف العلاقات الإستراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة وباقي القوى الدولية في الشرق الأوسط، كنوع من الابتزاز الجيوسياسي لضرب استقلالية القرار السيادي المغربي.

إن الادعاء بوجود “محور استخباراتي إقليمي” لغرض التجسس هو محاولة يائسة لتأجيج مخاوف الرأي العام الغربي من الصعود المغربي، متجاهلة عن قصد أن التعاون الأمني المغربي هو نموذج عالمي في مكافحة الإرهاب، وليس “مغامرة تقنية” خارج الأطر القانونية.

إن المنصات التي تدعي “تتبع الأموال والصفقات” تعجز عن تقديم فاتورة واحدة أو وثيقة بنكية رسمية تثبت تورط المؤسسات السيادية المغربية في أي خرق قانوني؛ لأنها ببساطة تعتمد على “التفسيرات الاحتمالية” و”الربط التعسفي” للبيانات التقنية والعناوين الرقمية (IP) وهي تقنيات يعرف أي خبير في الأمن السيبراني أنها قابلة للتلاعب والتحريف لتوجيه أصابع الاتهام نحو أطراف معينة، مما يثبت أن هذه المنظمات تمارس “تزييفا تقنيا” لخدمة أجندات سياسية معادية.

إن محاولة تصوير المغرب كـ”مدمن على التجسس” هي في واقع الأمر انعكاس لـ”إدمان” هذه المنصات على صناعة الفزاعات، وهروبها من مواجهة الحقائق المادية، ومحاولتها المستميتة لكسر التحالفات الإستراتيجية التي تجعل من المغرب فاعلاً إقليميا لا يمكن تجاوزه أو إملاء الشروط عليه.

السيادة الرقمية وكسر الوصاية

تعزيز السيادة الرقمية الوطنية ليس ترفًا تقنيًا، بل ضرورة إستراتيجية لحماية الأمن القومي في عصر تُدار فيه المعارك عبر الفضاء السيبراني. ويُعد هذا الحق مكفولًا للمغرب بموجب القانون الدولي ومبدأ الدفاع الشرعي عن النفس، حيث يترجم في المرسوم 2.21.406 المنظم للأمن السيبراني وحماية المنشآت الحيوية. هذا الإطار الصلب يفسر شراسة الحملات الإعلامية التي ترى في التميز المغربي تهديدًا لهيمنة القوى التقليدية على خرائط الأمن الرقمي.

تتجلى ازدواجية المعايير الغربية في مباركة امتلاك دولها لتقنيات الرقابة والاختراق، مقابل شيطنة المغرب عند تطوير ترسانته الدفاعية. فقد انتقل المغرب من مجرد مستهلك للحلول الرقمية إلى شريك ندّي يمتلك مراكز بيانات وطنية ويصوغ معادلات الأمن الإقليمي، مما جعل التقارير المفبركة أدوات ضغط سياسي لعرقلة هذا الصعود.

ومن هنا، بات الانتقال من الدفاع إلى الهجوم الإستراتيجي ضرورة، حيث واجه المغرب الادعاءات الواهية بتعرية جوهر الاستهداف وكشف غياب أي إثبات جنائي أمام المحاكم الأوروبية. وقد نجحت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، بالتعاون مع الأجهزة السيادية، في بناء أرضية تكنولوجية مستقلة رفعت موقع المملكة في المؤشرات الدولية، وجعلتها شريكًا موثوقًا في مكافحة الجريمة الرقمية العابرة للحدود.

هذا التفوق النوعي يبرهن أن امتلاك المغرب لناصية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هو امتلاك لمفاتيح السيادة الفعلية، وأن صموده أمام الحملات الإعلامية يعكس نضجًا إستراتيجيًا ورؤية ملكية متبصرة. فالمملكة تدرك أن طريق الريادة الأفريقية والمتوسطية يمر عبر تحصين الحدود السيبرانية وتوطين الصناعات الأمنية الرقمية، لتظل مؤسساتها حصنًا عصيًا على الاختراق ومحاولات الابتزاز الجيوسياسي.

حجية العدالة الدولية

لم تكن معركة “بيغاسوس” مجرد سجال إعلامي، بل اختبارًا لقوة المؤسسات المغربية في مواجهة محاولات التشويه العابر للحدود. فقد انتقل المغرب من موقع الدفاع إلى انتزاع “صكوك براءة دولية” موثقة من قلب العواصم الأوروبية، حيث عجزت الجهات المهاجمة عن تقديم أي دليل جنائي، بينما قدم القضاء والأجهزة الأمنية شهادات حاسمة فضحت زيف هذه الحملات، مؤكدة أنها مجرد “فقاعات إعلامية” تتلاشى أمام صرامة التحقيقات المستقلة.

تجلت هذه البراهين في ثلاث محطات رئيسية. ففي إسبانيا، جاء التقرير السنوي للأمن القومي (مارس 2024) ليؤكد خلو الساحة من أي اختراق مغربي، مدعومًا بقرار المحكمة الوطنية التي حفظت الملف لغياب الأدلة.

وفي فرنسا، قضت محكمة الاستئناف في باريس (أبريل 2023) بعدم قبول دعاوى التشهير، مؤكدة أن الاتهامات بالتجسس تفتقر لأي حجية قضائية مادية، وظلت مجرد مزاعم بلا إثبات. أما في البرلمان الأوروبي، فرغم الضغوط السياسية التي رافقت لجنة التحقيق (PEGA)، جاءت توصياتها (يونيو 2023) خالية من أي إدانة قانونية، مكتفية بفرضيات صحفية غير رسمية، وهو ما أكد افتقارها للمقومات التقنية والجنائية.

وعلى الصعيد الفني الدولي دعمت مراجعات علمية محايدة الموقف المغربي، إذ فككت منهجيات التحليل الرقمي التي اعتمدتها بعض المنظمات غير الحكومية، وأثبتت أنها تفتقر لمعايير التحقيق الجنائي المقبولة قضائيًا، وشابتها أخطاء منهجية وخلط في البيانات.

بهذا، تحولت قضية “بيغاسوس” إلى دليل إضافي على صلابة المؤسسات المغربية، التي واجهت الحملات الإعلامية بالثبات القانوني والشرعية الدولية، مؤكدة أن السيادة الوطنية عصية على التشويه والابتزاز.

السيادة الرقمية المغربية المدعومة بتشريعات صلبة ومراكز بيانات وطنية تعكس استقلالية إستراتيجية وتؤكد أن امتلاك التكنولوجيا الفائقة هو امتلاك لمفاتيح القرار السيادي

ختاما، إن هذه المعطيات ليست مجرد ردود تقنية أو سجالات عابرة، بل هي وثائق إستراتيجية تدكُّ حصون هذه المنصات وتكشف زيف طروحاتها كأداة تشويش إعلامي لا تملك أدنى مقومات الصمود أمام صرامة الحقيقة القضائية.

لقد وجهت الرباط رسالةً إستراتيجية حاسمة للمنتظم الدولي؛ مفادها أن السيادة المغربية، بمختلف أبعادها الرقمية والمؤسساتية، ليست رهينةً لأهواء الدوائر المسيسة أو مختبرات الابتزاز، بل هي حصنٌ منيعٌ يُصانُ بصرامة الكفاءة الأمنية، ويُكرسُ بوقار القضاء المستقل الذي أنصف المملكة وأسقط الأقنعة عن مدعي النزاهة.

إن مغرب القرن الحادي والعشرين، بمكانته كقطب إقليمي فاعل وشريك إستراتيجي موثوق، قد تجاوز بذكاءٍ سيادي مرحلة “رد الفعل” التقليدي، ليفرض معادلة جديدة تعتمد على “الفعل الاستباقي” والندية الإستراتيجية. فبينما تتهاوى سرديات البروباغندا وتتبدد فصول فبركاتها أمام حائط المصداقية المغربي، يظل الدرع الأمني والسيادي للمملكة صرحا عصيا على الاختراق، محميا ببوصلة رؤية ملكية متبصرة لا ترضى إلا بالاستقلالية الكاملة للقرار الوطني.

لقد أثبتت التجربة أننا أمام تحول نوعي؛ حيث تحولت “الحقيقة المغربية” إلى قوة ردع إستراتيجية تُربك حسابات خصوم التنمية، وتُعيد صياغة قواعد الاشتباك الدبلوماسي.

إن المملكة لا تدافع عن سيادتها فحسب، بل تُعيد ترسيم معالم حضورها الدولي كقوة استقرار محورية، ترفض الوصاية، وتفرض الندية، وتصيغ تحالفاتها انطلاقا من ثوابت السيادة وصرامة الحق.

إن هذه الحملات، بآلتها الدعائية المتهالكة، لم تكن سوى محطة إضافية أكدت للعالم أن المغرب، بمؤسساته السيادية الصلبة وإرادته السياسية المتجذرة، عصيٌ على كل محاولات التنميط والابتزاز، وماضٍ بكل ثقة في ترسيخ صعوده الإستراتيجي في فضائه الإقليمي والدولي، قاطعا الطريق نهائيا أمام أوهام الهيمنة ومخططات الابتزاز الجيوسياسي.

3