حين أعدت اكتشاف محمد بكلمات عبدالرحمن الشرقاوي

الشرقاوي فهم أن الناس لا يحتاجون فقط إلى معرفة ما قاله النبي، بل يحتاجون أيضا إلى أن يعرفوا كيف عاش هذا الرجل؟ كيف أحب؟ كيف تألم؟
الثلاثاء 2026/07/14
كاتب يحثنا على إعادة قراءة محمد الرجل

وأنا أتمشى ذات يوم ربيعي جميل في أحد الشوارع العربية المخصصة لبيع الكتب، مستمتعة بالبحث، وقعت تحت يدي صدفة بعض الكتب ذات الطبعات النادرة، من بينها كتاب بعنوان “محمد رسول الحرية” بجزئه الأول للمصري عبدالرحمن الشرقاوي، ترددت أولا في اقتنائها، ثم اقتنيت بعضها وأتممت يومي بجولة في الأحياء القديمة المجاورة.

ركنت الكتاب جانبا، وسارعت إلى قراءة بقية الكتب، طالت مدة انتظاره قبل أن تتلمسه يداي، تقرأ عيناي أول حروفه، وينصت قلبي لما جاء فيه، حتى جاء اليوم الموعود وقررت أن أكتشفه، فكان فاتحة معرفتي بالكتابات في التاريخ الديني للكاتب المصري الكبير عبدالرحمن الشرقاوي (1921 – 1987)، ومفاجأة لي من حيث الأسلوب الروائي الممتع الذي يعتمده الكاتب في سرد حياة نبي لا تزال حياته مثيرة للجدل.

لم تكن المفاجأة في الموضوع فقط، فبصفتي محبة لقراءة كتب السيرة، ولكل ما يتعلق بالدين الإسلامي، أدرك أن السيرة النبوية كتبت آلاف المرات، وإنما ما فاجأني هو الطريقة التي اختار بها الشرقاوي أن يرويها، تحديدا بالعودة إلى زمن صدور الكتاب، عام 1962.

شعرت بأنني لا أقرأ كتابا في التاريخ، ولا كتابا في السيرة التقليدية، ولا بحثا منهجيا في سيرة نبي، ولا مجرد تجميع لمعلومات، بل أقرأ رواية مكتملة الأركان، شخصياتها حقيقية، وأحداثها معلومة، لكن روحها تنبض بالحياة، وتروي تفاصيل كثيرة عن رجل ما فتئ يخبرنا بأنه “بشر مثلنا“، لكنه بشر انحاز إلى الخير والفضيلة.

يفتتح الشرقاوي حكايته من لحظة قد تبدو بعيدة عن ميلاد النبي نفسه، من قصة الجد عبدالمطلب ونذره عند حفر بئر زمزم، ومن قراره –كما يرد في بعض الروايات المتداولة- ذبح ابنه عبدالله وفاء للنذر، أسوة بما فعله إبراهيم مع ابنه إسماعيل، قبل أن تنتهي القصة بفداء ينقذ حياة والد محمد.

يبدأ الشرقاوي من هناك ليجعل القارئ يشعر بأن ميلاد محمد لم يكن حدثا منفصلا عن سياقه، بل امتدادا لسلسلة طويلة من البشر، بأحلامهم وخوفهم وضعفهم وإيمانهم، برغبتهم في استعادة منظومة أخلاقية عادلة وواضحة، وببحثهم الدائم عن الله الواحد.

ما أعجبني في أسلوب الشرقاوي أنه لم يكتب عن النبي محمد باعتباره شخصية بعيدة عن الإنسان، ولا باعتباره معجزة تمشي على الأرض منذ الصفحة الأولى. بل كتبه كما كان في الأصل: إنسان ذو قيم ومبادئ، اشتهر بأمانته وصدقه ورفضه كل أوجه الانحراف في قومه، إنسان كان يرفض أصنام قومه متسائلا عن المغزى من الوجود.

في الكتاب، قبل أن ترى الإنسان الذي اصطفاه الله بالنبوة، سترى الطفل الذي ولد يتيما، والشاب الذي عمل وكدح كي يأكل بكرامة، والزوج الذي أحب وكان أمينا على تجارة زوجته، سترى الصديق الوفي، والإنسان الذي يحزن ويفرح ويواجه الخوف والخذلان والشك والفضول، ثم ترى النبي الذي حمل أثقل رسالة “أخلاقية” عرفها التاريخ.

هذا الأسلوب الذي انتهجه الشرقاوي لا ينتقص من مقام النبوة، إنما يزيده قربا وتأثيرا في قلوب من يعرفون محمد ويؤمنون به ومن لا يعرفونه بعد، فالقارئ حين يرى محمدا إنسانا، يدرك أن عظمته لم تكن في أنه خارج الطبيعة البشرية، وإنما في أنه بلغ بمراقبة نفسه وإصلاحها، درجة من الوعي تجعله أهلا لحمل الوحي.

أثناء القراءة، لم أستطع منع نفسي من التفكير في موجة الكتب والمحاضرات التي انتشرت في السنوات الأخيرة، والتي تحاول تقديم “محمد الإنسان“، بعيدا عن الخطاب الوعظي التقليدي، أو الخطاب البحثي الأكاديمي، بغية إظهار جوانبه اليومية والنفسية والاجتماعية. الشرقاوي سبق الجميع إلى هذا الطريق منذ عقود. لقد فهم مبكرا أن الناس لا يحتاجون فقط إلى معرفة ما قاله النبي، بل يحتاجون أيضا إلى أن يعرفوا كيف عاش هذا الرجل؟ كيف أحب؟ كيف تألم؟ كيف اتخذ قراراته؟ كيف كان بشرًا مثلهم؟ ثم كيف ارتقى بالوحي إلى أعلى درجات الإنسانية؟

أعترف بأن دهشتي الثانية كانت شخصية. كيف تأخرت كل هذه السنوات في قراءة عبدالرحمن الشرقاوي؟ كيف مر اسمه أمامي كثيرا، ولم أتوقف عنده؟

ربما تأتينا المعلومة بتوقيت إلهي أحيانا، يراه البعض صدفة، وأراه تدبيرا. وهذا التدبير كشف لي كاتبا يمتلك قدرة نادرة على تحويل الوقائع التاريخية إلى مشاهد حية، إلى حكايات ممتعة، دون أن يفرط في هيبة الحدث أو في احترام الشخصيات، بلغة بسيطة وعميقة.

وأنا أقلب نسخة قديمة تعود إلى عام 1994، أقرأها بتأن وإعجاب بمحمد النبي وبصاحب الكتاب، أختار لي ولكم بعضا مما جاء فيها: “لسنا في حاجة إلى كتاب جديد عن الدين، يقرأه المسلمون وحدهم ولكننا في حاجة إلى مئات من الكتب عن التطور الذي يمثله الإسلام.. كتب يقرأها المسلمون وغير المسلمين، تصور العناصر الإيجابية في تراثنا، وتصور ما هو إنساني في حياة صاحب الرسالة، إننا بحق في حاجة إلى مئات من الكتب يقرأها الناس كافة، الذين يؤمنون بنبوة محمد والذين لا يؤمنون“.

12