هل تَذكُرُ هذه الأغنية؟
هناك ظاهرة تستحق أن تُدرَّس في كليات علم الاجتماع، لا في معاهد الموسيقى. فما إن انتشرت الدعوات إلى عودة فضل شاكر للغناء في دمشق، حتى تصرفت مواقع التواصل الاجتماعي كما لو أنها فتحت خزانة قديمة مليئة بأشرطة الكاسيت. فجأة، اختفت معارك السياسة، وتراجع خبر ارتفاع الأسعار، وتأجلت الخلافات المعتادة، وبدأ الجميع يتسابقون في كتابة الجملة نفسها، بصيغ مختلفة: “أتذكُر هذه الأغنية؟”
من المدهش أن الأغاني القديمة تعرف الطريق إلى الناس أكثر مما يعرفه أصحابها. يكفي أن يكتب أحدهم اسم أغنية، حتى تجد عشرات التعليقات التي تبدأ بعبارة: “أيام الجامعة…”، أو “كانت أمي تحبها”، أو “هذه الأغنية كانت ترافقنا في السفر”. وكأننا لا نستمع إلى الأغاني بآذاننا، بل بألبومات الصور التي نخزنها في الذاكرة.
ولعل هذا هو الامتياز الوحيد الذي ما زال الفن يحتفظ به في عصر التطبيقات الذكية: يستطيع أن يعيدك عشرين سنة إلى الوراء. لا تحتاج إلى آلة زمن، ولا إلى مؤرخ، ولا حتى إلى كلمة مرور. يكفي أن تبدأ المقدمة الموسيقية، حتى تعود قصة الحب الأولى، والمقهى القديم، ورائحة دفتر المدرسة، وصديق اختفى منذ زمن.
الغريب أن الناس لا يختلفون كثيرًا حول الأغاني الجميلة، حتى لو اختلفوا حول كل شيء آخر. يمكنك أن تجد شخصين يتبادلان الاتهامات السياسية صباحًا، ثم يكتشفان مساءً أنهما يحفظان الأغنية نفسها عن ظهر قلب. يبدو أن الموسيقى تمتلك موهبة دبلوماسية لم تنجح فيها مؤتمرات السلام.
وهذا ربما يفسر شيئًا آخر. فحين يطالب الناس بعودة فنان، فهم لا يطالبون دائمًا بعودة شخصه، بل بعودة النسخة الأجمل من أنفسهم.
لهذا، فإن الفنانين يكتشفون أحيانًا أن أغنياتهم أكثر استقلالًا منهم. الأغنية لا تنتظر مؤتمرًا صحفيًا لتعلن عودتها، ولا تحتاج إلى حملة إعلانية. يكفي أن يسمعها شخص واحد في السيارة، فيرفع صوت المذياع، فتبدأ رحلة جديدة من هاتف إلى هاتف، ومن مقهى إلى آخر، ومن قلب إلى آخر.
وليس سرًا أن مجتمعاتنا، بعد سنوات طويلة من الفوضى، أصبحت تفتش عن أي مساحة تسمح لها بأن تتنفس قليلًا. مرة تجدها في مباراة كرة قدم، ومرة في مسلسل قديم، ومرة في أغنية كانت تملأ المقاهي والسيارات قبل أن تمتلئ الشاشات بالأخبار العاجلة. الحنين، في هذه الحالة، ليس هروبًا من الواقع، بل إجازة قصيرة منه.
وربما لهذا السبب لم يكن التفاعل مع خبر عودة فضل شاكر مجرد نقاش فني؛ كان أقرب إلى تصويت جماعي لصالح الذاكرة، فالناس عندما يتعبون من الحاضر يستجيرون بالماضي.
أجمل ما في الفن أنه لا يحمل بطاقة هوية. الأغنية لا تسأل مستمعها أين يقف سياسيًا، ولا أيّ فريق يشجع. كل ما تريده أن يمنحها ثلاث دقائق من الإنصات، ثم تتولى هي الباقي.
أما فضل شاكر نفسه، فسواء عاد إلى المسرح أم بقي بعيدًا عنه، فقد أثبتت هذه الضجة شيئًا طريفًا: في عالم الفن، قد يتأخر الفنان عن موعده، لكن الأغنية تصل دائمًا قبله.
ويبدو أن هذا هو القانون الوحيد الذي لم تستطع مواقع التواصل تغييره حتى الآن.