كرة القدم مسرح للعنصرية

الحماس المفرط الذي يبلغ حد التعصب والعنف على هامش مباريات كرة القدم يوحي لبعض قطاعات الجمهور بأنهم في حل من كل القيود الأخلاقية.
الجمعة 2026/07/10
اكتظاظ الملاعب ستار لإطلاق الشعارات العنصرية

من مفارقات كأس العالم لكرة القدم أنها في الوقت الذي تفجر فيه طاقات الإبداع الرياضي فهي أيضا تفجر النزعات العنصرية في الملاعب وخارجها.

من البديهي أن الظاهرة العنصرية في مباريات كرة القدم ظاهرة قديمة ولم تنشأ خلال كأس العالم الحالية ولا خلال الدورات الأخيرة التي سبقتها. ولكن الأضواء التي تسلط على مباريات كأس العالم والإقبال الجماهيري الواسع على فعالياتها تجذب الانتباه نحوها وتحيي الجدل حولها.

كرة القدم ليست بمنأى عن السلوكيات العنصرية التي لا زالت منتشرة في المجتمعات الحديثة بحكم التصورات النمطية والرواسب التاريخية التي تطفو من حين لآخر على السطح رغم الجهود الرامية لاستئصالها.

توفر مدارج الملاعب مسرحا ملائما للنزعات العدوانية المصبوغة بالعنصرية. فالحماس المفرط الذي يبلغ حد التعصب والعنف على هامش مباريات كرة القدم يوحي لبعض قطاعات الجمهور بأنهم في حل من كل القيود الأخلاقية.

ويوفر اكتظاظ الملاعب لهؤلاء ستارا يطلقون من ورائه الشعارات والصرخات العنصرية من فوق المدارج.

نفس الستار تمنحه شاشات الكمبيوتر والهواتف النقالة لمن يريد استغلال منصات التواصل الاجتماعي لبث سرديات الكراهية.

كرة القدم ليست بمنأى عن السلوكيات العنصرية التي لا زالت منتشرة في المجتمعات الحديثة بحكم التصورات النمطية التي تطفو على السطح من حين لآخر

خلال الدور الأول من كأس العالم الحالية، أحصى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ما يزيد عن 89 ألف منشور على منصات التواصل الاجتماعي تتضمن إساءات للآخرين، أي بنسبة تفوق ثلاثة عشر مرة ما تم تسجيله خلال نفس الفترة من كأس العالم الماضية.

وتضمنت حوالي 11 في المائة من هذه المنشورات الإلكترونية إساءات ذات طابع عنصري.

تبدو بعض المواقف العنصرية امتدادا لغياب الروح الرياضية عند الهزيمة. ولكن المشكلة تتجاوز غياب الروح الرياضية.

فبعض المشجعين من مقترفي الإساءات العنصرية لا يستهدفون بإساءاتهم أفراد الفرق المنافسة لفريقهم المفضل فقط بل أيضا عند الخسارة لاعبي الفرق التي يساندونها— وذلك لمجرد كونهم لاعبين سودا في فرق لم تفز في مبارياتها.

أما عند المباريات الدولية التي تخوضها المنتخبات الوطنية فيبرز أيضا عاملا الشوفينية والشعبوية من جملة العوامل التي تحرك السياسيين بالخصوص.

ربما يفسر ذلك الموقف الفج الذي عبرت عنه نائبة بمجلس شيوخ باراجواي عقب خسارة بلادها ضد فرنسا وقالت فيه إن اللاعب الفرنسي كيليان مبابي ذي الأصول الكامرونية والجزائرية “شخص جاهل لم يرضع حليب أمه وإنما عصير جوز الهند مع القردة الذين تربى معهم”.

مثل هذه المواقف العنصرية تتناقض والنهج المعولم للرياضة الذي يتدرج نحو تجاوز كامل للاعتبارات العرقية في تركيبة المنتخبات الوطنية. جعلت موجات الهجرة والتجنيس المتتالية في كل مكان الاعتبارات المتعلقة بالأصول القومية أو الدينية للاعبين أمرا منتهيا، باستثناء البعض ممن يسبحون عكس التيار.

من بين هؤلاء حارس مرمى باراجواي السابق خوزي لويس شيلافارت الذي اشتكى من كون بلاده سوف تتبارى مع “فريق من إفريقيا” عند مقابلتها مع فرنسا.

ومن بينهم كذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وجد نفسه في تناقض مع مواقفه السياسية عندما تدخل من أجل فسخ عقوبة بالمنع من اللعب تلقاها لاعب أمريكي من أصول نيجيرية.

نجح ترامب في إلغاء العقوبة بعد مكالمة هاتفية مع رئيس فيفا، لكنه لم ينجح في إزالة الانطباع بأنه بتناقض مع مبادئه السياسية في دفاعه عن لاعب اكتسب جنسيته الأمريكية بمقتضى ولادته على التراب الأمريكي في إطار حق دستوري يسعى الرئيس ترامب لإلغائه.

يأمل الكثيرون أن يؤشر احتضان المغرب لكأس العالم سنة 2030 بالاشتراك مع اسبانيا والبرتغال لانبلاج مناخ جديد من التسامح بين الأمم والحضارات.

ولكن الشعارات المعادية للإسلام التي أطلقها الجمهور الاسباني خلال المباراة التحضيرية لكأس العالم التي أجراها المنتخب المصري ضد نظيره الاسباني في أبريل الماضي لفتت الانتباه إلى استمرار النزعات العنصرية في بعض المدارج الأوروبية.

الأضواء التي تسلط على مباريات كأس العالم والإقبال الجماهيري الواسع على فعالياتها تجذب الانتباه نحوها وتحيي الجدل حول العنصرية

وقد ندد النجم الاسباني من أصول مغربية يامين يامال بتلك الشعارات لاحقا واصفا إياها بأنها “تنم عن الجهل والعنصرية”.

من الواضح أن وسائل الإعلام تتحمل جانبا من المسؤولية عن استمرار الأفكار المسبقة التي تحرك العنصرية.

تقول دراسة أجريت خلال كأس العالم لسنة 2018 إن 70 في المائة من تعليقات الصحفيين تثني على إبراز الخصال الجسدية للاعبين السود فيما هي تثني بنفس النسبة تقريبا على الخصال الذهنية والتكتيكية لمّا يتعلق الأمر باللاعبين البيض.

تجدد الجدل حول هذا الموضوع عندما صرح المدرب الفرنسي للمنتخب البلجيكي إن الفريق السنيغالي ينتمي “لتلك الفرق التي تفقد توازنها التكتيكي خلال الفترة الأخيرة من المباراة “.

قال منتقدو هذا المدرب إن كلامه يتضمن تعميما نمطيا يستنقص من القدرات الذهنية للفرق الإفريقية ويندرج في نطاق سردية تجعل الأساليب التكتيكية الناجعة حصرا على فرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وتحصر قدرات اللاعبين الأفارقة في قوتهم البدنية.

ويلاحظ المرء أن عديد الصحافيين الرياضيين العرب لا يبتعدون كثيرا في تعاليقهم عن اتباع نفس هذا الخط بالإلحاح على اعتماد الفرق الإفريقية على قوتها الجسدية وما يتولد عنها من خشونة في اللعب.

لكن الكثير منهم أيضا يبدي قناعة بأن الفرق العربية والإفريقية تعاني من هشاشة نفسية تجعلها تفقد التركيز في الدقائق الأخيرة من مبارياتها بما يجعلها تنقاد إلى انهيارات محبطة لأنصارها وهزائم غير مبررة. ونقطة الضعف هذه ليست من باب التهيؤات العنصرية، بل تستدعي علاجا خارج نطاق التصدي للتمييز والكراهية.

7