"مخاطر مهنية".. كوميديا سوداء تواجه التهجير وتعيد سرد الحكاية الفلسطينية

باسل غندور يوظف السخرية لكشف عبثية الاحتلال، وهيام عباس تقود ملحمة الدفاع عن البيت.
الأربعاء 2026/07/01
المواقف الساخرة والمفارقات التي تكشف حجم العبث

لطالما شكّلت السينما الفلسطينية مساحة لتوثيق الألم ومقاومة محاولات الطمس، غير أن جيلاً جديدًا من المخرجين بات يبحث عن مقاربات فنية أكثر جرأة وابتكارًا. ومن هذا المنطلق، يأتي فيلم “مخاطر مهنية” ليحوّل الكوميديا السوداء إلى أداة تكشف عبثية التهجير، وتحتفي بصمود الفلسطيني وتمسّكه ببيته وهويته.

يقدم فيلم “مخاطر مهنية” للمخرج الأردني باسل غندور معالجة سينمائية مختلفة للقضية الفلسطينية، إذ يتناول واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، وهي التهجير القسري للفلسطينيين من القدس الشرقية، وذلك من خلال قالب يجمع بين الكوميديا السوداء والسخرية السياسية.

 ويطرح الفيلم رؤية جديدة تبتعد عن الأساليب التقليدية التي ركزت طويلًا على الألم والمعاناة بصورة مباشرة، مستعينًا بالفكاهة الذكية لكشف التناقضات والعبثية التي يعيشها الفلسطينيون في حياتهم اليومية تحت الاحتلال.

رؤية إنسانية

تدور أحداث الفيلم حول عائلة فلسطينية مقدسية تُدعى “القصابي”، تجد نفسها أمام تهديد حقيقي بفقدان منزلها نتيجة الحفريات الإسرائيلية الجارية أسفل الأحياء التاريخية في القدس الشرقية.

الفيلم يطرح رؤية جديدة للفلسطينيين تبتعد عن الأساليب التقليدية التي ركزت طويلًا على الألم والمعاناة بصورة مباشرة

 ومع تزايد المخاطر التي تهدد استقرار المنزل وسلامة سكانه، تدخل العائلة في معركة طويلة وشاقة للحفاظ على بيتها ومنع انهياره أو فقدانه. إلا أن هذه المواجهة لا تُقدَّم في إطار مأساوي تقليدي، بل تتحول إلى سلسلة من المواقف الساخرة والمفارقات التي تكشف حجم العبث الذي يحيط بحياة الفلسطينيين في المدينة.

وتتولى الفنانة الفلسطينية العالمية هيام عباس بطولة الفيلم، حيث تجسد شخصية امرأة فلسطينية قوية تجد نفسها في قلب هذه المواجهة، وتقود جهود الدفاع عن منزل العائلة في مواجهة الظروف الصعبة.

وتُعرف عباس بمسيرتها الفنية العالمية وأدوارها المميزة في السينما والتلفزيون، كما يمنح حضورها الفيلم بعدًا إنسانيًا خاصًا، لاسيما أن الشخصية التي تؤديها تجمع بين الصلابة والإصرار من جهة، والقدرة على التعامل مع الأزمات بروح ساخرة من جهة أخرى.

ويشاركها البطولة عدد من الفنانين العرب والدوليين، من بينهم الممثلة اللبنانية يمنى مروان، والفنان الفلسطيني دبور، والممثل الفلسطيني نبيل الراعي، ووردي عيلبوني، إلى جانب الكوميديين الأميركيين مات ليب ودانيال ميتيه، والفنانة يافا بكري.

 ويعكس هذا التنوع في فريق التمثيل طبيعة الفيلم الذي يجمع بين الدراما الفلسطينية المحلية والرؤية الإنسانية الأوسع القادرة على الوصول إلى جمهور عالمي.

ولا يقتصر الصراع في الفيلم على محاولة إنقاذ منزل مهدد بالانهيار، بل يتحول المنزل نفسه إلى رمز للهوية الفلسطينية والذاكرة الجماعية والانتماء إلى القدس. فالمكان في هذا العمل ليس مجرد بناء أو عقار، وإنما يمثل تاريخ عائلة وجذورها ووجودها في المدينة. ومن هنا تتجاوز قصة العائلة حدود الحكاية الفردية لتصبح تعبيرًا عن تجربة جماعية يعيشها الكثير من الفلسطينيين الذين يواجهون سياسات الهدم والتهجير.

حبكة تجمع بين النقد والسخرية
حبكة تجمع بين النقد والسخرية

رؤية سينمائية جديدة

تشير أحداث الفيلم إلى الحفريات التي تُجرى في القدس الشرقية تحت غطاء البحث الأثري عما يُعرف بـ”مدينة داود”، وهي قضية تثير جدلًا واسعًا بسبب تأثيرها على الأحياء الفلسطينية التاريخية. ويستخدم الفيلم هذه الخلفية السياسية والواقعية لبناء حبكة تجمع بين النقد والسخرية، حيث تتحول محاولة البقاء في المنزل إلى فعل مقاومة وصمود، وتصبح التفاصيل اليومية مصدرًا للكوميديا السوداء التي تكشف مفارقات الواقع.

وأوضحت هيام عباس، في تصريحات صحفية، أن ما جذبها إلى المشروع منذ البداية هو الطريقة التي تعالج بها القصة موضوعًا مؤلمًا من خلال فكاهة أصيلة وذكية، مؤكدة أن الفيلم ينجح في تحقيق توازن بين الجدية والسخرية. كما أشادت بتجربتها مع المخرج باسل غندور، ووصفت العمل معه بأنه تجربة إبداعية مميزة اتسمت بالتعاون والانفتاح على الأفكار المختلفة.

أما باسل غندور فقد أكد أن الهدف من الفيلم هو تقديم مقاربة جديدة للقصص الفلسطينية، موضحًا أن السينما الفلسطينية غالبًا ما ركزت على جوانب الألم والمعاناة، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى طبيعة الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون.

الصراع في الفيلم لا يقتصر على محاولة إنقاذ منزل مهدد بالانهيار، بل يتحول المنزل إلى رمز للهوية والذاكرة والانتماء

 لكنه يرى في الوقت ذاته أن هناك مساحة لتقديم هذه القضايا من خلال أدوات فنية مختلفة، مثل السخرية والكوميديا السوداء، التي قد تكون أكثر قدرة على إبراز التناقضات وإيصال الرسائل السياسية والإنسانية بطريقة مبتكرة.

ويشكل الفيلم محطة جديدة في مسيرة غندور السينمائية، الذي يُعد أحد أبرز الأسماء في السينما الأردنية والعربية المعاصرة. فقد عرفه الجمهور كاتبًا لفيلم “ذيب”، الذي حقق نجاحًا عالميًا ووصل إلى ترشيحات جوائز الأوسكار، كما أثبت حضوره مخرجًا من خلال فيلم “الحارة”، الذي عُرض في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي وشارك في العديد من المهرجانات العالمية.

وتتولى إنتاج “مخاطر مهنية” المنتجة الأردنية رولا ناصر عبر شركة “إيماجيناريوم فيلمز”، وقد حظي المشروع بدعم وتمويل من عدد من المؤسسات والصناديق السينمائية العربية والدولية، من بينها صندوق البحر الأحمر السينمائي، ومؤسسة الدوحة للأفلام، والصندوق العربي للثقافة والفنون، وصندوق الأردن للأفلام، إضافة إلى جهات داعمة أخرى ساهمت في تطوير المشروع وإنجازه.

ومن المتوقع أن يشكل الفيلم إضافة مهمة إلى مسيرة السينما الفلسطينية والعربية المعاصرة، ليس فقط بسبب موضوعه السياسي والإنساني، وإنما أيضًا بسبب أسلوبه الفني المختلف. فهو يقدم قضية التهجير في القدس من منظور يجمع بين الألم والأمل، وبين المأساة والسخرية، ويؤكد أن التمسك بالبيت والأرض والهوية يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة اليومية. وبذلك يطرح “مخاطر مهنية” رؤية سينمائية جديدة تجعل من الكوميديا السوداء أداة للتعبير عن الصمود الفلسطيني، وتمنح المشاهد فرصة للتأمل في قضية معقدة من زاوية غير مألوفة.

8