«سقف تحت الأرض».. نوار الماغوط يستعيد الذاكرة السورية قصصيّاً
لندن – يواصل الكاتب السوري نوار الماغوط مشروعه السردي القائم على استعادة الذاكرة بوصفها مادة أدبية وإنسانية، عبر مجموعته القصصية الجديدة «سقف تحت الأرض»، الصادرة حديثًا عن منشورات رامينا في لندن، والتي تضم خمس عشرة قصة تتنقل بين الذاكرة الفردية والتحولات الاجتماعية، لتقدم قراءة عميقة لمصائر الإنسان السوري في مواجهة الزمن وتبدلات الحياة.
وتتحرك قصص المجموعة بين فضاءات القرية والمدينة، والطفولة والنضج، والبيت والمدرسة وأماكن العمل، مقدمة شخصيات تنتمي إلى الحياة اليومية، تحمل أحلامها وهواجسها وانكساراتها. ومن خلال تفاصيل تبدو عابرة، ينجح الماغوط في بناء عالم سردي غني يكشف طبقات الذاكرة ويثير أسئلة العدالة والانتماء والأسرة والسلطة.
ويستهل الكاتب مجموعته بقصة «العيد الأخير كما رواه لي أبي»، التي تستعيد صورة العيد باعتباره مناسبة جامعة للعائلة والقرية والجيران، قبل أن ترصد كيف غيّر الزمن إيقاع العلاقات الإنسانية، لتتحول الحكاية إلى تأمل في الفقد والتحولات الاجتماعية. وتتوالى بعد ذلك قصص مثل «الصفعة» و«غطاء الطاولة»، حيث تتحول أحداث يومية بسيطة إلى مدخل لمناقشة قضايا التربية والتمييز والسلطة والظلم، عبر أسلوب سردي هادئ ودقيق.
وتبرز قصة «ليلى والذئاب» بوصفها إحدى أبرز محطات المجموعة، إذ يرسم فيها الماغوط صورة امرأة كرست حياتها للعائلة، لتغدو رمزًا للعطاء والصبر والوفاء، في معالجة إنسانية تتجاوز حدود الشخصية إلى التعبير عن تجارب نساء كثيرات واجهن قسوة الحياة بصمت وإصرار.
ويحمل عنوان المجموعة، «سقف تحت الأرض»، دلالة رمزية تقوم على مفارقة تعكس شعور الإنسان بالاختناق داخل واقع يزداد ضيقًا، فيما تواصل الشخصيات بحثها عن الأمل والكرامة. وتنسحب هذه الرؤية على بقية القصص التي تستحضر الريف السوري والمدن والعلاقات الأسرية والتعليم والهجرة والتحولات الاجتماعية، بلغة واضحة تمنح التفاصيل اليومية بعدًا دلاليًا وإنسانيًا.
وتتعامل المجموعة مع الذاكرة بوصفها وسيلة لإعادة اكتشاف الذات والمجتمع، أكثر من كونها مجرد استعادة للماضي. فالأمكنة تحتفظ بأثر أصحابها، والأشياء الصغيرة تكتسب قيمة رمزية، بينما تواجه الشخصيات تقلبات الحياة بما تحمله من خسارات وآمال وأسئلة مفتوحة، وهو ما يضفي على النصوص بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان.
ويأتي هذا الإصدار امتدادًا لتجربة نوار الماغوط، الكاتب والباحث البيئي والإعلامي السوري، المولود في مدينة سلمية عام 1964 والمقيم في ألمانيا، والذي راكم خبرة طويلة في الصحافة والإعلام التلفزيوني وإعداد البرامج الوثائقية، إلى جانب اهتمامه بقضايا البيئة والتنمية المستدامة. وتنعكس هذه الخبرات في كتابته التي تمتاز بدقة الملاحظة، والاهتمام بالإنسان، والقدرة على التقاط التفاصيل الكاشفة لجوانب أعمق من الحياة.
وبهذه المجموعة، يؤكد الماغوط حضوره في مشهد القصة القصيرة العربية، من خلال نصوص متماسكة تستثمر الذاكرة فعلًا إبداعيًا، وتعيد قراءة التجربة السورية من منظور إنساني يوازن بين صدق المعايشة وجماليات السرد، ويمنح الحكايات اليومية حياة جديدة وقدرة على ملامسة القارئ وإثارة التأمل.
وتقع المجموعة في 98 صفحة من القطع المتوسط، فيما حمل غلافها لوحة للفنان السوري إسماعيل الرفاعي.