المعمار الجزائري يتحول إلى مدن لونية بريشة محمد بوستة

فنان يعيد صياغة الذاكرة والأمكنة بالتجريد والانطباعية.
الاثنين 2026/06/01
طاقة لونية كثيفة تستدعي روح الانطباعيين

الجزائر - يعرض الفنان التشكيلي الجزائري، محمد بوستة، برواق الفن "أحلام"، مجموعة من أعماله، وهي أعمال لا تبدو مجرّد لوحات معلّقة على الجدران، بل هي أشبه بمدن لونيّة تنبض بالحياة، ومساحات حسيّة تستدرج المتلقّي إلى عبور داخلي بين الذاكرة، والانفعال، والضوء.

ومنذ اللحظة الأولى التي يطأ فيها الزائر بهو المعرض، يجد نفسه أمام طوفان بصري من الألوان، والكتل، والإيقاعات التشكيلية، حيث تتداخل التقنية العالية مع الحسّ الشعري في بناء عالم بصري شديد الكثافة والحميمية.

المعرض الموسوم بـ "البعد الخامس"، لا يكتفي بتقديم تجربة جمالية قائمة على الإبهار اللّوني، بل يطرح رؤية تشكيلية تتجاوز التمثيل المباشر للأمكنة نحو إعادة تأويلها شعوريًا وروحيًا؛ فالألوان لدى الفنان ليست عنصرًا زخرفيا، وإنما لغة وجود كاملة، وهو ما يصرّح به الفنان حين يقول: "اللّون هو اللغة التي أعبّر بها، إنه لغتي الخاصة". ومن خلال هذه اللغة، تتحوّل اللّوحة إلى فضاء للبوح، وإلى محاولة لالتقاط ذلك الأثر الخفي الذي تتركه الأمكنة في الروح.

في أعماله المستوحاة من مدينة غرداية، وتيميمون، وقصبة دلس، لا يرسم الفنان المكان باعتباره معمارًا جامدًا، بل بوصفه كائنًا نابضًا مشحونًا بالذاكرة والدفء الإنساني. فقصبة دلس تبدو في لوحاته كمتاهة شاعرية تتنفس عبر الأزقة والظلال، بينما تتحوّل مدن واحات الجنوب، خاصة غرداية، إلى احتفاء بصري بالهندسة التقليدية، وبتناغم الإنسان مع المادة والضوء والطبيعة.

ويبدو تأثر الفنان بمدينة غرداية واضحًا في كثافة المعالجة التشكيلية وحرارة اللّون، إذ يعترف بأنه أُصيب بدهشة جمالية منذ زيارته الأولى لها، بفعل عمارتها الفريدة ومواد بنائها وانسجامها الروحي. غير أنّ هذه الدهشة لا تنقل حرفيًا إلى اللوحة، بل يُعاد صهرها داخل تجربة حسيّة خاصّة، تجعل العمل التشكيلي أقرب إلى ترجمة لانفعال داخلي منه إلى وصف بصري مباشر.

ويتنقل محمد بوستة بمرونة بين التشخيص والتجريد، دون أن يفقد وحدته الأسلوبية. ففي الأعمال التجريدية تخفت حدّة اللون لصالح نغمات أكثر شفافية وصفاء، تمنح اللوحات بُعدًا تأمليًّا عميقًا.

أما الأعمال ذات البعد التشخيصي، فتحتفظ بطاقة لونية كثيفة تستدعي روح الانطباعيين، وهو تأثر لا يخفيه الفنان، خاصّة في علاقته العضوية باللون، مستعيدًا مقولة كلود مونيه الشهيرة: "اللون هو هوسي اليومي، فرحي وعذابي".

كما تكشف عناوين الأعمال عن نزعة تأملية واضحة، حيث يصبح الزمن والذاكرة والطين والعاطفة عناصر رمزية داخل مشروع بصري يبحث عن المعنى بقدر ما يبحث عن الجمال.

يشار إلى أنّ محمد بوستة فنان جزائري مولود عام 1987، حاصل على شهادة من مدرسة الفنون الجميلة بعزازقة بولاية تيزي وزو (شرق الجزائر) عام 2013 في تخصص الرسم تحت عنوان النقد الذاتي في الفن التشكيلي، الأمر الذي سمح له بالحصول على هذه اللمسة الخاصة والفريدة من نوعها في كل عمل من هذه الأعمال الفنية.

كما يُلاحظ أنّ أعمال محمد بوستة غنيّة بالأحاسيس وحتى الفلسفة، وهو لا يركّز فقط على أسلوب معيّن لأنّه يتعامل مع كلّ موضوع بمشاعره، وحين لا يجد الكلمات للتعبير عن نفسه يعبّر من خلال الألوان ليُظهر أفكاره طواعية أو بصورة لا إرادية، لتكون النتيجة النهائيّة مذهلة. وهذا ما تجلّى في أكثر من 11 معرضا فرديا وحوالي 20 معرضا جماعيا شارك فيها خلال مسيرته الفنية الحافلة بالإبداع.