العمادية.. مدينة تحرس الذاكرة وتفتح أبواب الزمن
هناك مدن تحمل سحرها وحكاياتها رغم بساطتها، إذ تتحول عند كل زائر إلى نصوص حيّة تُقرأ بالحواس قبل الكلمات. ومن هذا المنطلق، تبرز مدينة العمادية كفضاء استثنائي يمزج بين التاريخ والطبيعة والإنسان، حيث تتكثف الحكايات في تفاصيل المكان، وتغدو الرحلة إليها تجربة غنية لاكتشاف الذاكرة والهوية وسحر الجغرافيا.
العمادية ليست مدينة تُزار، بل تجربة تُعاش. على هضبة صخرية ترتفع قرابة ألفٍ وأربعمئة متر عن سطح البحر، تقف هذه المدينة العتيقة كأنها تعانق السماء، شاهدةً على زمنٍ طويل مرّ من هنا ولم يغادرها.
في صمت حجارتها يمكن تتبّع جذور تعود إلى آلاف السنين، منذ الأزمنة الآشورية الأولى، مرورا بحقب تعاقبت فيها حضارات وإمارات، كانت من أبرزها إمارة بهدينان التي جعلت من العمادية قلبا نابضا للحكم والثقافة.
قلب المدينة وحارسها
اليوم، ورغم أن عدد سكانها لا يتجاوز بضعة آلاف، لا تزال العمادية تحتفظ بهيبتها القديمة. فالمدن، كما البشر، لا تُقاس بعددها بل بما تختزنه من ذاكرة. في أزقتها الضيقة، يشعر المرء أن كل حجر يعرف اسمه، وأن كل منعطف يحمل أثر من مرّوا: أمراء، جنود، شعراء، ومغنّين تركوا أصواتهم معلّقة في الهواء.
في العمادية، لا تسير في المكان فقط، بل تمشي داخل الزمن، وتكتشف أن الرحلة ليست إلى مدينة، بل إلى تاريخٍ ما زال حيًا.
في العمادية، لا تسير في المكان فقط، بل تمشي داخل الزمن، وتكتشف خفايا الرحلة إلى تاريخ ما زال حيا
أول ما يلفت النظر هو قلعة العمادية، التي تتوّج المدينة وتمنحها ملامحها الفريدة. التجوال داخلها يشبه السير فوق طبقات متراكبة من التاريخ. أبوابها الثلاثة تروي قصص القوافل والتجارة: باب الموصل الغربي، الذي عبرته القوافل متجهةً إلى الموصل، حاملة البضائع والأخبار. باب زيبار شرقًا، الذي يمثل منطلقا نحو أربيل، يربط العمادية بمراكز الحضارة الكردية القديمة. أما باب الباشا، الذي يعلوه شعار الإمارة، فيفتح الطريق نحو الحدود التركية، شاهداً على قوة المدينة في قرون مضت.
داخل القلعة، يرتفع جامع العمادية الكبير بمئذنته الطويلة المستدقة، وكأنها إصبع يشير إلى السماء. بُني الجامع في عهد عماد الدين الزنكي حوالي عام 1142 ميلادي، وما زال صمته المهيب يحمل أصداء خطوات العابرين والدعاء منذ قرون.
تتجول داخل القلعة فتشعر بطبقات الزمن تتراكم حولك، من الأحجار التي رصفت فيها القوافل القديمة، إلى الجدران التي شهدت الخلافات والحروب، ثم السلام والاحتفالات. كل زاوية فيها تروي قصة، وكل حجر يحمل ذاكرة.
قوبهان والطبيعة والأعلام
في زيارتي إلى مدينة العمادية، كان التوقف عند مدرسة قوبهان جزءًا مهمًا من برنامج الرحلة. تُعد المدرسة من أبرز المعالم التاريخية في كردستان، إذ تعود إلى القرن السادس عشر، وقد تأسست بأمر من الأمير البهديناني سلطان حسين ولي، عندما كانت العمادية عاصمة لإمارة بهدينان.
لم تكن مدرسة قوبهان مجرد مؤسسة تعليمية، بل مركزا علميا متقدما في زمانه، حيث دُرِّست فيها علوم الدين إلى جانب علوم الطب والفلك والحساب، واستقطبت طلاب العلم من مختلف مناطق كردستان. وأسهم خريجوها من العلماء والأدباء في نشر المعرفة والثقافة في المنطقة.
تتباين الآراء حول أصل تسمية المدرسة؛ فبعضها يعزو الاسم إلى قباد خان ابن الأمير المؤسس، بينما تربطه روايات أخرى بمسجد قباء أو بالقباب التي كانت تميز البناء المعماري للمدرسة.
اليوم، لا تزال بقايا مدرسة قوبهان قائمة، وتستقبل الزائرين بوصفها شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من التاريخ العلمي لإمارة بهدينان، ومحطة ثقافية بارزة في رحلة اكتشاف ذاكرة العمادية.
العمادية مدينة الجبال والوديان. من أطرافها، تنفتح الغابات والشلالات، وتنتشر المصايف مثل سولاف وكلي بالندا، حيث الهواء البارد والمياه النقية والغابات الكثيفة. هنا شعرت أن الطبيعة ليست مجرد خلفية، بل شريك للحكاية نفسها، وأن كل نسيم وكل خرير ماء يحمل روح المكان. المشي بين هذه الغابات يشبه السير بين صفحات كتاب حيّ، حيث كل منظر يروي فصلًا من تاريخ الأرض وسحرها.
مدينة العمادية الجبلية، المعلقة على كتف الزمن، لم تكن يومًا مجرد حجارة وأسوار، بل كانت دائمًا حاضنة للعقول اللامعة والأرواح المبدعة التي خدمت كردستان والعراق على امتداد عقود طويلة.
في أزقتها الصامتة يتردد صدى أسماء كبيرة وتتلألأ في سمائها تلك الأسماء، من بينها الأديب واللغوي القدير صادق بهاء الدين العمادي، الذي ترك أثرًا عميقًا في ميدان اللغة والأدب، كأن كلماته ما زالت تتردد بين جدرانها القديمة. ومن العمادية أيضًا خرج الشاعر والأديب د. مسعود كتاني، عمل أستاذاً في جامعة الموصل (كلية الزراعة والغابات)، وهو الذي ترجم الشعر الألماني إلى الكردية، فكان جسرًا ثقافيًا بين لغتين وروحين بعيدتين.
المدينة، رغم صغر مساحتها، واسعة الأثر، عميقة الحضور، ووجهة لا تُزار بالعين وحدها، بل بالقلب والذاكرة
ولا تكتمل الرحلة دون التوقف عند اسم الدبلوماسي البارز عصمت كتاني، الذي مثّل العراق في أروقة الأمم المتحدة منذ خمسينات القرن الماضي وحتى ثمانيناته، فكان صوتًا لبلاده في العالم، واسمه كتاني حاملًا لروح هذه المدينة الهادئة إلى المحافل الدولية.
وهكذا، تمضي في العمادية وكأنك تمشي بين قصائد غير مكتوبة ولوحات غير معلقة، مدينة أنجبت شعراء وفنانين ومثقفين، وبقيت، رغم صغر مساحتها، واسعة الأثر، عميقة الحضور، ووجهة لا تُزار بالعين وحدها، بل بالقلب والذاكرة.
يُعدّ الدكتور عصمت محمد خالد أحد القامات المضيئة في تاريخ مدينة العمادية، واسمًا نقشه التاريخ الكردي في ذاكرته الجمعية. ففي زمنٍ اشتدّت فيه العزلة، وضاقت فيه سُبل الحياة، استطاع بإرادة لا تلين أن يحوّل حلمه إلى واقع، فأسّس جامعة دهوك عام 1992، بينما كانت كردستان ترزح تحت حصارين قاسيين: حصار الأمم المتحدة، وحصار النظام العراقي السابق. لقد كان مشروعه فعلَ إيمانٍ بالعلم، ورسالةَ أملٍ في أحلك الظروف، ليصبح التعليم فعل مقاومة وموقفا تاريخيا لا يُنسى.
المطبخ والمقهى
لا يكتمل الحديث عن العمادية دون ذكر الراشي (طحينية السمسم)، صناعة تقليدية عمرها مئات السنين. رأيت المعامل القديمة التي تعمل بلا آلات حديثة، اعتمادًا على قوة مياه النهر، وتحافظ على الطعم الأصيل، نكهة الأرض والماء والصبر، التي تبقى في الذاكرة لكل زائر. في هذه اللحظة، تدرك أن المدينة تحفظ تاريخها في كل شيء: في الحجر، في الطعام، في الناس، وفي الطعم الذي يربطك مباشرة بالأرض.
المطبخ الكردي في العمادية له طعمه الخاص، ولكن ما يزيده روعة هو الكرم الذي يقدمه السكان، من الأطباق المطبوخة بالخضراوات الطازجة واللحم إلى الخبز الساخن والحلويات التقليدية.
كل وجبة تُقدّم بابتسامة، وكل دعوة لتذوق الطعام تحمل دفء القلب قبل نكهة الطعام. وما يدهش الزائر أكثر هو شعوره بالسلام والأمان؛ فالمدينة تعيش تعايشا هادئا وسلميا، ويبدو الجميع جزءًا من هذه الأسرة الكبيرة. وجدت أن كل منزل وكل مطعم صغير يحمل حبا صادقا للضيف، وأن كل طبق هو رسالة تقدير للزائر.
في قلب العمادية، بين أزقة المدينة القديمة، يقع مقهى الطاعنين في السن، حيث يجلس كبار السن حول مدفأة خشبية كبيرة، ينثرون القصص والذكريات كما يُنثر الدخان الدافئ في المكان. عند دخولي، دخلت المقهى برفقة الشعراء صديقي شريف العمادي، وخالد الخياط، وشلة من الأصدقاء أثناء زيارتي لصديقي شريف، وكانت لحظات خالدة هناك، مفعمة بالضحك، والكلمة الطيبة، والهمس عن ذكريات المدينة القديمة.
ويا للأسف، لم يكن الشاعر الجميل ريكيش آميدي بيننا، ذاك الذي كان حضوره كفيلًا بأن يفيض على المكان روحًا أخرى، ويمنحه حياة إضافية بأحاديثه الشيّقة ولمساته الإنسانية الدافئة.
هنا تلتقي الأزمنة، في حديث عن القوافل والمواسم والشعر والحياة، وكل كلمة تُقال تحمل صدى المدينة، وكل نظرة تنقل روح الحكاية إلى كل زائر. شعرت أن هذا المقهى ليس مجرد مكان للقاء، بل قلب نابض للذاكرة الحية للمدينة، حيث تتلاقى الأجيال، ويظل الحديث عن الماضي حاضرًا بحميمية تلامس القلب، وتصبح اللحظة أكثر شاعرية حين يحيط بك الأصدقاء والأحبة.
على كتف الزمن العمادية لم تكن يوما مجرد حجارة وأسوار، بل كانت دائما حاضنة للعقول والأرواح المبدعة
على امتداد هذه الحكايات، أسترجع ذكريات صديقي الشاعر شريف العمادي، ابن المدينة. منذ أكثر من نصف قرن تعرفنا على بعضنا بعضا في الموصل، وكتبنا الشعر معًا وغنينا على المسرح، وشاركنا شبابنا بكل لحظاته. حين أعود اليوم إلى العمادية، أشعر أن هذه الذكريات جزء من المدينة، وأن كل زاوية تحمل صدى ضحكتنا، وكل شارع يهمس باسم صديق العمر الذي شاركني الحلم والكلمة.
وحين ودعته في العمادية قلتها مع نفسي “رفيق العمر ليس من يمشي معنا فقط، بل من يجعل الطريق أخفّ وأجمل”، وشريف العمادي نموذج لذلك.
شخصيات صنعت التاريخ
لم تكن إمارة بهدينان كيانا سياسيا فحسب، بل شكّلت فضاء ثقافيا نابضا بالحياة، كان فيه الغناء والموسيقى جزءًا من الطقوس الرسمية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يبرز اسم حمك توفي بوصفه أحد أهم الأصوات التي جسّدت الفرح في الحياة الأميرية والشعبية معًا.
يعد حمك توفي شخصية بارزة في التراث الغنائي الكردي الشفهي، وتجمع الروايات المتوارثة على أنه كان مطرب البلاط في إمارة بهدينان، حيث شارك في المناسبات الرسمية، والأعراس الأميرية، والاحتفالات الكبرى. وأسهم في ترسيخ الأغنية الكردية ذات الطابع الاحتفالي والملحمي، المعتمدة على الإيقاع القوي والإنشاد الجماعي.
وبسبب غياب التدوين الموسيقي، وصلت أغانيه إلى الأجيال اللاحقة عبر السماع والتناقل الشفهي، لتتحول من أغانٍ قصرية إلى جزء حيّ من الذاكرة الشعبية. ولا تزال أعماله أو ما يُنسب إلى مدرسته الغنائية تُؤدّى في الأعراس الكردية والدبكات، وأشهرها: حمكی به نه سیلاڤێ، جومه كه لى، سینه م، وشاهينو.
ورغم اختلاف نسب بعض هذه الأغاني بفعل طبيعة التراث الشفهي، بقي اسم حمك توفي حاضرا رمزا لـ”مطرب البلاط البهديناني” وأحد أعمدة الغناء الاحتفالي الكردي، وصوتًا عبّر عن ذاكرة الفرح في إمارة بهدينان.
من الشخصيات التي سجلت العمادية في صفحات التاريخ الأدبي، أحمد نالبند 1890 ـ 1966، الشاعر الكردي المعروف بلقبي مخلص ونالبند، ونالبند تعني البيطار.
كان نالبند متخصصا في تركيب وتشكيل وصيانة حدوات الأحصنة والدواب، مهنة تقليدية تجمع بين الحرفة والفن، تمامًا كما جمع بين الحرفية والكلمة في شعره. كتب أحمد شعره بالكردية والعربية والفارسية، وكان صوته الأدبي منبرا للقيم الأخلاقية والهموم الإنسانية، منتقدًا الظلم ومدافعًا عن حقوق شعبه. توفي بعيدًا عن مدينته، لكنه ترك إرثا خالدا، وما زال اسمه يُذكر في العمادية كواحد من أبنائها الذين نقشوا التاريخ بالحبر والكلمة.

في العمادية، لا يمكن فصل الثقافة عن الغناء الكردي. ويظل صوت تحسين طه وعبدالله زيرين حيًا في ذاكرة المدينة، إذ حملت أغانيهما القومية والإنسانية رسالة حب الأرض والإنسانية، وخلّدت الهوية الكردية. رغم رحيلهما، ما زالت أصواتهما تتردد في المقاهي والمهرجانات، لتذكّر كل زائر بأن العمادية ليست مجرد حجر، بل أغنية حية تنبض في قلوب أهلها.
غادرتُ العمادية، لكنني لم أشعر أنني تركتها خلفي. فالمدينة ليست محطة عابرة، بل رفيقة طريق، تحملك عبر التاريخ، والطبيعة، والفن، والشعر، والذكريات. العمادية تعلمك أن التاريخ ليس مجرد قراءة، بل إحساس، ولمس، وسماع، ودفء لقاءات لا تُنسى ومدينة رفيق العمر الشاعر شريف العمادي ومدينة أول شاعر كردي تُرجمت له قصيدته “رسالة إلى حبيبتي” إلى اللغة العربية في مطلع الثمانينات، الشاعر فهيل آميدي.