المداحون: غلو في عشق الزعيم
يصعب تصديق كل ما يقوله كتاب ومتحدثون عن مناقب ملكهم أو أميرهم أو شيخهم أو رئيسهم، وعن حكمته ومنجزاته، وهم من رعاياه. لأننا، بالضرورة نظن بأنهم محكومون إما بطمع في شيء، أو بخوف من شيء.
حتى صرنا حين نصادف مقالا أو بحثا أو قصيدة عن أمجاد ملك أو أمير أو شيخ أو رئيس، نسأل أولا عن مكان إقامة كاتب المقال، أو شاعر القصيدة. فإن كان من رعايا الملك أو الأمير أو الشيخ أو الرئيس نتجاوزه، ونقلب الصفحة، ونبحث عن شيء آخر مفيد. إن هذا أمر عادي ومتوقع، وليس بغريب ولا عجيب.
فلو أجلسنا أسوأ الناس، وأكثرَهم ضعة وجهالة وفسادا، على كرسي رئاسة، ومنحناه خزائن الدولة، وقيادة الجيش والشرطة والأمن الوطني والأمن الخاص والمخابرات، ووزارات الصناعة والتجارة والزراعة والري والأوقاف والمحاكم والسجون والثقافة والفنون، وأتخمنا شوارع المدينة بصوره المتنوعة، ضاحكا مرة، وعابسا مرة، لأصبح غزالا في عيون الجماهير العريضة، ولدُبّجت في حبه الخطب والقصائد والأناشيد، وأطلقت الأغاني والأهازيج، وأقيمت له التماثيل، ولصار هو الأعلم والأفهم والأكرم والأعظم، والأكثر شجاعة ومروءة، ومن بعده لا رجولة ولا رجال.
والحاكم، في كل زمان ومكان، تنشأ حوله، دائما، أفواج المداحين الذين يغدقون عليه بما يتجاوز، أحيانا، حدود المنطق والمعقول والمقبول، من التبجيل والتعظيم.
فكم من عراقي، مثلا، رأى صورة الزعيم عبدالكريم قاسم على القمر؟ وكم من عراقي وعربي لم يصدق إلى الآن أن صدام حسين شنق، بل ما زال حيا يرزق في انتظار اللحظة المناسبة للظهور؟
الحاكم، في كل زمان ومكان، تنشأ حوله، دائما، أفواج المداحين الذين يغدقون عليه بما يتجاوز، أحيانا، حدود المنطق والمعقول والمقبول، من التبجيل والتعظيم.
طبعا لا تخلو بلاد الغرب ولا الشرق من هذه الظاهرة، لكننا، نحن العرب خصوصا، أكثر المتعودين على الغلوّ في عشق الزعيم.
بدءا بالخلفاء الراشدين، فخلفاء بني أمية، فخلفاء بني العباس، ثم التتار والمغول، فخلفاء بني عثمان، فأباطرة الصفويين والرومان، وانتهاءً بأمراء الطوائف في الأندلس وشمال أفريقيا، ثم في سوريا والعراق.
طبعا، لا أحد نسي، أو ينسى مبالغات شاعرنا الأكبر أبي الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة الحمداني: (وَقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ، كَأَنَّكَ في جَفنِ الرَدى وَهوَ نائِمُ)، (تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَةً، وَوَجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِمُ) (تَجاوَزتَ مِقدارَ الشَجاعَةِ وَالنُهى، إِلى قَولِ قَومٍ أَنتَ بِالغَيبِ عالِمُ).
ثم في مديحه لكافور الإخشيدي: (فَتىً ما سَريْنَا في ظُهوُر جُدودِنَا، إِلى عَصرِهِ إِلّا نُرَجّي التَلاقِيا).
وفي العادة، قديما وحديثا، يكون أكثر الحكام نصيبا من المديح، دائما، هو الحاكم الباطش الذي تخاف الجماهير العريضة من بطشه، أو الغني الذي تطمع بهداياه وعطاياه.
والأقرب إلينا من الأمثلة حافظ الأسد وبشار والقذافي وصدام. جميعهم جلادون قتالون ذباحون. لكنهم أكثر المكرومين بالإكبار والإجلال من شعوبهم، وهم أحياء.
ألم تكن الجماهير العريضة تزحف على بطونها هاتفة “بالروح بالدم نفديك يا زعيم” لحافظ الأسد، ومن بعده لبشار، ثم لصدام حسين، والعقيد معمر القذافي، ثم هي ذاتها التي رقصت لسقوطهم، وتشفت بموتهم، ولعنت أيامهم وأيام أهلهم وذويهم أجمعين؟