حسن يوسفي لـ"العرب": أهم درس في المسرح هو الدرس الإنساني

المسرح ليس فرجة عابرة بل مرآة للهوية وذاكرة جماعية.
الخميس 2025/07/17
المسرح أصبح مفصولا عن جمهوره

تجسد تجربة الناقد والباحث المسرحي المغربي حسن يوسفي مسارا معرفيا وإنسانيا يتقاطع فيه الذاتي بالثقافي، حيث تتحول الذاكرة الفردية، المنحدرة من عمق بلدة تافيلالت بفُرجاتها وملحونها و"بلديّها"، إلى لبنة تأسيسية في بناء رؤية نقدية للمسرح. "العرب" كان لها هذا الحوار مع الناقد حول أهم رؤاه في المسرح.

منذ بداياته، ظل حسن يوسفي وفيا لاقتناع راسخ بأن المسرح ليس فرجة عابرة، بل مرآة للهوية وذاكرة جماعية تنصهر فيها عناصر التراث بالحساسية المعاصرة. في اشتغاله على النص المسرحي، كما يتجلى في كتابيه "التمسرح من الاستعارة إلى الخطاب" و"المسرح والفرجات"، يدافع يوسفي عن مركزية الكتابة كأصل في المسرح، وينتقد ما يعتبره انزلاقا نحو فرجات استهلاكية تفقد المعنى وتقصي المتخيل الثقافي.

وهو في الآن ذاته يعيد الاعتبار للفرجات الشعبية بوصفها خزانات رمزية قابلة لإعادة التفعيل، شرط تجاوز التوظيف الشكلي والانفتاح على أسئلة الجمال والتلقي. في كتابه "مشهدية الفيافي"، يقارب تجربة المسرح الصحراوي باعتبارها اقتراحا جماليا جديدا، يزاوج بين خصوصية الفضاء والبعد الكوني للمسرح. أما في مجمل مشروعه، فثمة خيط ناظم: الإيمان بأن المسرح فعل أخلاقي وثقافي عميق، لا ينفصل عن المجتمع، ولا عن قضايا الإنسان.

في حواره مع “العرب” يكشف يوسفي كونه ليس ناقدا فقط، بل هو صوت مفكر ومبدع في المسرح، يرى في النص والتراث والهوية أدوات لمساءلة الزمن، لا مجرد مواد للاستلهام. وتبقى تجربته شاهدا على أن المسرح، حين يعاش بشغف ووعي، يصبح فنا للمعنى ومجالا لتحرير المخيلة من سطوة الابتذال.

المسرح ورهاناته

حول الدور الذي لعبته منطقة تافيلالت وذاكرتها الجماعية في تشكيل رؤيته المسرحية كجسر بين التراث الثقافي المغربي والمسرح المعاصر، يقول حسن يوسفي “معلوم أن المراحل الأولى للتنشئة الاجتماعية في حياة الإنسان تكون لها آثار قوية في شخصيته. والواضح أن سنوات الطفولة والشباب التي عشتها في مسقط رأسي الذي يعد منطقة تخومية بالمغرب معروفة بخصوصياتها الثقافية وغناها على مستوى التعبيرات الفنية التراثية الأصيلة، كان لها عميق الأثر في ذوقي وتوجهاتي واهتماماتي الفنية.”

ويضيف "أنا سليل منطقة تافيلالت المعروفة بكونها مهد فن الملحون ومختلف فنون القول المتصلة به والمتاخمة له بما فيها ما يعرف بفن البلدي الذي نعتبره نحن نشيد أرواحنا في تلك المنطقة. وقد كان لهذا التراث الفني والثقافي أثر قوي على مساري في علاقتي بالمسرح، ذلك أن هذا الفن له القدرة على استيعاب وجداننا الثقافي وعلى صهر مختلف العناصر التراثية في بوتقة الممارسات المعاصرة للمسرح. ولعل هذه العلاقة العميقة بين ما نشأت عليه في بيئتي الأصلية، وبين ما تشبعت به من ثقافة مسرحية معاصرة هي ما يؤسس لرؤيتي للكثير من القضايا المسرحية التي عرضت لها في أعمالي البحثية والإبداعية أيضا."

ليست لدينا ممارسة مسرحية منتظمة الحضور في الفضاء الاجتماعي تجعل النقد يشتغل وبالتالي يتحول إلى خطاب مواز
◙ ليست لدينا ممارسة مسرحية منتظمة الحضور في الفضاء الاجتماعي تجعل النقد يشتغل وبالتالي يتحول إلى خطاب مواز

أما عن التأثير الذي تركته دراسة نص "شهرزاد" لتوفيق الحكيم في قراءة النص المسرحي على رؤيته للنص المسرحي العربي، وإن كانت هناك حاجة إلى إعادة قراءة النصوص الكلاسيكية العربية اليوم؟ فيلفت يوسفي إلى أن خلال مسار علاقته بالمسرح، الذي يتجاوز ثلاثة عقود من الزمن، تشكلت لديه قناعة راسخة بشأن النص المسرحي مفادها أن قراءة الريبرتوار المسرحي العالمي ضرورة ملحة لتمثل روح المسرح وسبر أغواره عبر التاريخ. فالنص المسرحي هو ذاكرة المسرح. ولو لم تصلنا نصوص المسرح العالمي، منذ اليونان إلى اليوم، ما كنا لنعرف شيئا عن المتخيل المسرحي في علاقته بمختلف الشعوب والثقافات في مراحل تاريخية معينة.

ويضيف "أنا من الذين يؤمنون بأن المسرح كتابة أولا، والنص ليس محطة عابرة في السيرورة المسرحية بل هو قاعدة أساسية لتشييد المتخيل وبناء العوالم، وفي خضم الكتابة تنصهر الكثير من العناصر المهمة التي تعكس وجدان الشعوب ومزاجها وخصوصياتها الاجتماعية وذاكرتها التاريخية. وعليه فبالنسبة إلي قراءة النصوص المسرحية، بما فيها الأعمال الكلاسيكية الخالدة، تمرين ضروري لكل عاشق للمسرح لأنها تؤسس لمعرفة راسخة بالتقليد المسرحي وبقواعد المسرح الأساسية وبأجناسه التعبيرية المتنوعة عبر التاريخ بما فيها من تراجيديات وكوميديات وغيرها.”

ويشدد على أن الذين يدعون اليوم في سياقنا العربي إلى تجاوز النص المسرحي بدعوى أنه لم يعد المنطلق الأساس لبناء عمل مسرحي، وأن بإمكاننا مسرحة كل شيء، إنما يقومون بقفزات في الفراغ ويرسخون نوعا من الاستسهال في التعامل مع المسرح والتجني عليه، يبدو أن آثاره السلبية باتت بارزة اليوم من خلال تراجع القيمة الثقافية والفكرية للكثير من الأعمال المسرحية التي تقدم في مشهدنا المسرحي، حيث نعيش ما يسميه أحد الدارسين بـ”الحداد على المعنى” من خلال تقديم مسرح لـ”استنفار الحواس” فقط، بدون روح ودون رسائل قوية.

تسأل “العرب” يوسفي بأي وسيلة يمكن للمسرح المغربي إعادة تشكيل الهوية الجماعية في مواجهة تحديات العولمة، استنادا إلى استكشافاته للمسرح كمرآة للهوية الثقافية في أعمالكم النقدية؟ فيجيبنا “مفارقة المسرح المغربي تكمن في كونه تأسس مع الرواد وفي مراحله الأولى على هذه القناعة الراسخة بضرورة مساهمته في تشكيل الهوية الجماعية، لكن تطور أساليب ممارسته مع الأجيال الجديدة بقدر ما فتح الآفاق لتجارب مغايرة فنيا على مستوى التقنيات والأساليب، بقدر ما صادر هذه القناعة، وباتت الكثير من التجارب اليوم تمارس بحساسية مفرطة في ذاتية أصحابها ومتقوقعة على نرجسياتهم، دون أدنى اهتمام بالوجدان المشترك إلا في استثناءات نادرة.”

ويوضح أن هذا التحول قد غيب الكثير من ملامح المسرح المغربي التي ساهمت في تشكيلها أجيال من المسرحيين الرواد ومن أتى بعدهم في مسرح الهواة وفي تجارب أخرى. وهذا التعامل الثقافي مع المسرح الذي لا يعتبره مجرد لعب على الأساليب المسرحية وإنما تعبيرا عن وجدان جيل وتطلعات مرحلة وروح أمة تراجع مع الأسف، لصالح أعمال مسرحية تسربت إليها أعطاب مجتمع الفرجة ونزوعاته الاستهلاكية.

حول رؤيته لأهمية إحياء الشخصيات الشعبية المغربية كرموز ثقافية في المسرح، كما في نص “باعوت”، والتحديات التي تواجه تحويل السير الشعبية إلى نصوص مسرحية ذات عمق فني، يقول الباحث “أعتقد أن المسرح العالمي غالبا ما استمد الكثير من محكياته ومتخيله من سير الشخصيات التاريخية وأبطال الحكايات والسير والرموز الثقافية. الكثير من التراجيديات بالخصوص عادت لسير الملوك والأمراء والأبطال التاريخيين. وفي المسرح العربي، تأسس منظور جيل بأكمله على هذه الخلفية وهي استحضار شخصيات من التراث العربي واستعادة سيرها مسرحيا.”

◙ يوسفي ممن يؤمنون بأن المسرح كتابة أولا، والنص ليس محطة عابرة في السيرورة المسرحية بل هو قاعدة أساسية

ويتابع “في هذا السياق، جاء تعاملي مع شخصية ‘باعوت’ في المسرحية التي كتبتها عنه والتي تحمل نفس العنوان. فالأمر لا يتعلق باستحضار محايد وبارد لسيرة شخصية ومسرحتها، وإنما يتعلق بحفر في وجدان ثقافي وفي رصيد اجتماعي لفضاء له خصوصياته وفي مزاج مرحلة تاريخية بأكملها. وعليه، فمثل هذه الأعمال تغني المتخيل المسرحي وتفتح له آفاقا مهمة تربطه بسياقاته وتقربه من وجدان المجتمع، شريطة ألا يتحول الأمر إلى إجراء شكلي للتعامل مع التراث بدعوى التأصيل أو غيره من المتاهات التي دخل فيها المسرح العربي من خلال بعض تجاربه في هذا الإطار. لذلك فالتحدي الأكبر الذي يواجه المبدع المسرحي عندما يختار التعامل مع شخصية من التاريخ أو من التراث هو أن يتمثل أولا عمقها الثقافي، ويختار الأفق الفرجوي الذي يتطلع إلى ترسيخه من خلال هذا التعامل معها بما يعكس روح المسرح الحقيقية التي تخاطب وجدان الجماهير.”

نتطرق مع يوسفي إلى الحديث حول السبل التي يستطيع بها المسرح المغربي استلهام الفرجات الشعبية مثل الحلقة والملحون لخلق خطاب مسرحي معاصر يتحدى النخبوية ويحاور التحولات الجمالية والمعرفية، كما تناوله هو في كتابيه “المسرح والفرجات” و”التمسرح من الاستعارة إلى الخطاب”، يقول “لطالما عدنا وفي سياقات مختلفة وفي محافل متعددة إلى هذه العلاقة بين المسرح والفرجات لاسيما في إطار الندوات الدولية التي نظمها ‘المركز الدولي لدراسات الفرجة’ بطنجة طيلة أكثر من عشرين سنة.”

ويواصل “بغض النظر عن النقاش المعرفي الصرف المتعلق بالمفاهيم والنظريات، تبقى الكثير من التجارب التي قرأنا عنها أو شاهدناها أو عشنا مخاضاتها الفنية، في السياق الحالي، تعيش على وقع هذه المعادلة التي لم يتمكن إلى اليوم مسرحنا العربي من فكها، وهي كيف نكون أوفياء لنزعاتنا وحساسيتنا الإبداعية مسرحيا، دون أن نفرط في ميثاق التلقي الذي يجعل من المسرح ثقافة جماهيرية. غالبا ما أعتقد أن هذه العلاقة بالفرجات الشعبية تحل المعادلة، إلا أن الأمر ليس كذلك بالبداهة، لأن سياقات الإنتاج والتلقي المسرحيين عندنا تعيش على مفارقات غريبة يطول شرحها.”

في كتابه “مشهدية الفيافي… دراسة في المسرح الصحراوي”، تناول الصحراء كفضاء إبداعي وثقافي له صلة وثيقة بالمتخيل الأدبي والفني، لكنه يبقى “طارئا” على المشهدية المسرحية الكونية. نسأله كيف يمكن للمسرح الصحراوي، كما صاغه في فصول الكتاب، أن يشكل نموذجا جديدا للمسرح المغربي والعربي يتجاوز النخبوية ويؤسس لهوية فرجوية متجذرة في خصوصية الصحراء، مع الحفاظ على الحوار مع الأشكال المسرحية العالمية؟

يقول يوسفي “إنني أعتبر أن تجربة المسرح الصحراوي في الشارقة والتي كتبت عنها كتابي ‘مشهدية الفيافي’ تعتبر من بين المقترحات الثقافية والفنية الاستثنائية في سياق المشهدية العربية والعالمية اليوم، لأنها تقوم على فكرة أصيلة مفادها أن المسرح الذي هو فن المدينة يمكنه أن يكون فن الصحراء أيضا، وهو أفق يفتح له، مشهديا، إمكانات جديدة إبداعيا وإنسانيا وثقافيا. فهو إذن مقترح فني جديد يؤسس لسردية مختلفة تصل المسرح بالبيئة والوجدان والمزاج والفضاء الصحراوي، وهذا في حد ذاته إضافة نوعية للمشهدية العالمية، لكن لا ينبغي أن نتوهم أن هذا المقترح سيفك كل عقد المسرح العربي وإشكالاته المزمنة المتعلقة بالهوية والنخبوية وغيرها من القضايا المعقدة. المهم، اليوم، هو أن تجربة المسرح الصحراوي تراكم ريبرتوارا مسرحيا وتخلق نقاشا غنيا مع مفهومه وعناصره وأساليبه وأبعاده المختلفة، أي أنها تنتج خطابا موازيا له قيمته المعرفية والثقافية في السياق الكوني، وهذا في حد ذاته مكسب مهم للمسرح العربي.”

الجوهر الإنساني

يوسفي: مشكلة المسرح الكبرى، وهي قدره المحتوم الذي يلازمه، هي أنه فن تطوقه الهشاشة من كل جانب
حسن يوسفي: مشكلة المسرح الكبرى هي أنه فن تطوقه الهشاشة من كل جانب

تسأل “العرب” يوسفي بأي طريقة يمكن للمسرح المغربي تجاوز القيود المؤسسية ليصبح فضاء إبداعيا مفتوحا يعبر عن هموم المجتمع، استنادا إلى تحليلكم في ذاكرة العابر؟ فيجيبنا “مشكلة المسرح الكبرى، وهي قدره المحتوم الذي يلازمه، هي أنه فن تطوقه الهشاشة من كل جانب، ومن الجانب الاقتصادي أكثر، وهو الأمر الذي يجعله يقع تحت طائلة العلاقة مع المؤسسة بحثا عن الدعم، سواء كانت الدولة أو غيرها.”

ويرى أنه رغم أن التجارب التي عرفناها في هذا السياق كان منطلقها ربط الدعم بدمقرطة الثقافة المسرحية واعتبار المسرح “خدمة عمومية” حسب منظور جان فيلار، إلا أن الأمر في الواقع لم يكن يسري بسهولة، لأن مفارقة الجمهور ظلت وستبقى إشكالا مؤرقا للمسرح خصوصا في سياقنا العربي، حيث ترسخت فكرة معطوبة عنه ربطت حضوره في ثقافتنا وحركيته بالمهرجانات فقط، ولم تؤسس، طيلة هذه العقود من الزمن، ما يمكن أن يحول المسرح إلى ممارسة اجتماعية في صميم الحياة العامة والخاصة للمواطن العربي. بمعنى أن المسرح أصبح مفصولا عن جمهوره، ولم يخلصه الدعم المؤسسي من هذه الورطة وهذا المأزق.

أما عن دور النقد المسرحي في إعادة ربط المسرح العربي بالجمهور العام، فيقر الباحث المغربي بأن النقد المسرحي لا صوت له ولا سلطة له في سياقنا المسرحي مع الأسف، ولا دور له في إعادة بناء علاقة المسرح بجمهوره، لأن ثمة فجوات وفراغات كبرى بين مساحات الإبداع والتلقي عندنا.

ويضيف “ليست لدينا ممارسة مسرحية منتظمة الحضور في الفضاء الاجتماعي تجعل النقد يشتغل، وبالتالي فالنقد يتحول هو نفسه إلى خطاب مواز يخوض في المتعاليات وفي الأفكار الطوباوية عن المسرح أحيانا وفي النظريات والرؤى، ولا يمارس باعتباره حالة وعي نقدي تسائل الأعمال المسرحية. ثم إن فكرة النقد نفسها مطوقة عندنا بحساسيات ذاتية مفرطة تجعل من يمارسه معرضا للنيران الصديقة والعدوة في آن واحد. فإما أن تزكي وتمجد ما يجري أو تصمت، وهذه حالة منافية لروح النقد في حد ذاتها.”

في ضوء تجربته الطويلة، تسأل “العرب” حسن يوسفي كيف يرى تطور علاقته بالمسرح كفن وكممارسة نقدية؟ فيقول “بالنسبة إلي أهم درس في المسرح، سواء من زاوية البحث أو الإبداع، هو الدرس الإنساني. إذا لم يعلمك المسرح كيف تكون إنسانا خالصا، وكيف تنعكس إنسانيتك ويبرز عمقها في علاقتك بذاتك وبالآخرين، فلا خير فيه. وعليه يبدو لي أن الذين فرطوا في الرسالة الأخلاقية للمسرح وفي دروه في تقويم سلوكاتنا البشرية وفي ترتيب علاقاتنا بالعالم، ضيعوا جوهر المسرح وحولوه إلى فرجة استهلاكية لا تختلف في شيء عما يقترح علينا من فرجات مبتذلة في مواقع التواصل الاجتماعي.”

فالمسرح، كما يقول، فن نبيل وموقعه في صميم الكينونة الإنسانية ما يجعله مرآة حقيقية للسلوكات والأعطاب والانحرافات والتطلعات والأحلام البشرية، وتجريده من هذه الأبعاد يضيعه ويجعله على هامش الحياة المعاصرة.

13