"بينما تنمو أشجار الليمون".. مرثية للأمل من زمن الحرب السورية
كتبت الكثير من الروايات والقصص عن الحرب التي عصفت بسوريا والسوريين، كل منها قدم وجهة نظر للصراعات الدموية الطاحنة والتي بقيت مثل الندوب المفتوحة، لكن وإن اختار بعض الكتاب الاشتباك مع الواقع المأساوي بشكل مباشر، فقد اختار آخرون الإطلالة على الحدث الكبير من زوايا الهامش الصغيرة، على غرار الكاتبة زلفى ياسر درويش في روايتها "بينما تنمو أشجار الليمون".
تأتي رواية "بينما تنمو أشجار الليمون" للكاتبة السورية الأميركية زلفى ياسر درويش كصوت أدبي عميق ومؤثر ينقل لنا فصولا من المعاناة الإنسانية في قلب الحرب السورية. من خلال عيون بطلتها سلامة، الطالبة بكلية الصيدلة والتي تبلغ من العمر 18 عاما تجد نفسها قسرا في الخطوط الأمامية للعمل الطبي في مدينة حمص المحاصرة، تقدم درويش رؤية متكاملة للوحشية والدمار الذي أحدثه الصراع الذي انطلق في العام 2011، وترسم لوحة حية ومؤلمة عن البقاء، والفقد، والحب، والأمل المتشبث بالحياة رغم كل شيء.
إشارة الليمون في عنوان الرواية وأيضا بصورة واضحة في متنها، بدءا من الرائحة التي تنبعث منه، يشكل دلالة رمزية قوية. شجرة الليمون، التي غالبا ما ترتبط بالخصوبة والحياة في الثقافة الشرقية، تصبح هنا استعارة للأمل الدائم. حتى في ظل الدمار واليأس، هناك دائما إمكانية للنمو والتجدد. هذا العنوان يلخص جوهر الرواية: حتى في أحلك الظروف، تظل هناك بذرة أمل تنمو وتتشبث بالحياة.
شابة في الحرب

تلفت درويش إلى أن ثمرة الليمون في العنوان والمتن تأتي تكريما لأحد أبيات نزار قباني في قصيدة له عن سوريا، يقول فيه “كل ليمونة ستنجب طفلا.. ومحال أن ينتهي الليمون..” وهناك أيضا مقولة أخرى في حمص، حيث تدور أحداث الرواية، مفادها أن كل منزل لديه شجرة ليمون، لذا فقد وجدت أشجار الليمون هذه لقرون وهي تستمر في النمو عبر التاريخ، مما يرمز إلى الأمل والمقاومة.
في رؤية درويش كان لرمزية شجرة الليمون دور مهم في تشكيل فكرة الرواية. شجرة الليمون، رغم مرارة ثمارها أحيانا، تظل تنمو وتزهر وتثمر. إنها رمز للصمود والتجدد والأمل في وجه الصعاب. لقد أرادت أن تكون هذه الشجرة بمثابة استعارة لحياة الشخصيات وقدرتها على الاستمرار والنمو حتى في أكثر البيئات قسوة.
أيضا بالنسبة إلى درويش، لم تكن كتابة الرواية عملية سهلة. تقول: “كانت المسودة الأولى 130 ألف كلمة من الألم الخالص.. كتبتها في وقت لم يكن لدي فيه أي أمل في نجاة سوريا من الحرب، وما يتخللها من إجرام ووحشية، حيث تحول سيل المآسي الفردية إلى فيضان وتحول الناس إلى أرقام.”
عندما حدثت الثورة كانت درويش في السادسة عشرة من عمرها، وكل ما استطاعت فعله هو كتابة منشورات على فيسبوك، لأشخاص كانوا يعرفون بالفعل ما يحدث. لذلك لم تكن تغير رأي أي شخص. كان لديها هناك شعور عميق بالحزن والغضب تجاه ما يحدث في سوريا. مشاهد الدمار والنزوح وفقدان الأرواح تركت أثرا بالغا في نفسها. شعرت بواجب إنساني تجاه هؤلاء الأشخاص الذين يعانون في صمت غالبا ما يغيب عن التغطية الإعلامية السطحية. أرادت أن تمنحهم صوتا، وأن تروي جزءا من قصصهم الإنسانية بعيدا عن الأرقام والإحصائيات. ومن أجل ضمان سرد دقيق لما عانى منه الكثير من السوريين، سافرت درويش عدة مرات لترى وتسمع، كما أمضت الكثير من الوقت في البحث، لاسيما حول آثار الصدمات والأمراض العقلية.
وعلى الرغم من أن درويش لم تختبر شخصيا قسوة الحرب والحصار والاحتلال كما فعلت شخصيات الرواية، إلا أنها عايشت هذه الأحداث من خلال البحث والتعاطف والتفاعل مع القصص الإنسانية المؤثرة، تقول “هذا ‘العيش‘ غير المباشر هو ما دفعني لكتابة الرواية وآمل أن يكون قد ساهم في نقل جزء من الحقيقة والمعاناة والأمل الموجود في تلك المناطق.”
"بينما تنمو أشجار الليمون" ليست مجرد رواية عن الحرب بل هي شهادة مؤثرة عن قوة الروح الإنسانية في مواجهة المحن
تكشف درويش أن بطلتها سلامة مستوحاة من شخصية روزان النجار المسعفة الفلسطينية والمتطوعة الميدانية لإسعاف الجرحى في جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية باحتجاجات غزة الحدودية 2018، والناشطة المدافعة عن القضية الفلسطينية، وكانت تبلغ من العمر عشرين عاما عندما قتلت برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء علاجها للمتظاهرين الجرحى.
يضاف إلى ذلك امتهان درويش للصيدلة والذي كان له تأثير واضح على اختيارها لمهنة “سلامة”، التي هي أيضا صيدلانية. هناك عدة أسباب وراء هذا الاختيار، منها أولا “المعرفة بالمهنة: كصيدلانية، لديها فهم جيد للبيئة الطبية، والتحديات التي يواجهها العاملون في مجال الرعاية الصحية، وأهمية الأدوية والإمدادات الطبية في أوقات الأزمات.” هذا ساعدها في تصوير دور سلامة في المستشفى الميداني بشكل أكثر واقعية وتفصيلا.
ثانيا رمزية المهنة: فالصيدلة ترتبط بالشفاء والتخفيف من الألم. وفي سياق الرواية، يصبح دور سلامة كصيدلانية رمزا لمحاولة الحفاظ على الحياة والأمل في بيئة يسودها الموت والدمار. إنها تحاول تضميد الجراح الجسدية والنفسية لمن حولها.
ثالثا دور المرأة في الأزمات: غالبا ما تلعب النساء أدوارا حيوية وهامة في أوقات الحروب والكوارث، وغالبا ما يتم تجاهل هذه الأدوار. وهنا أرادت درويش من خلال شخصية سلامة الصيدلانية أن تسلط الضوء على قوة المرأة وقدرتها على تحمل المسؤولية وتقديم المساعدة في أصعب الظروف.
رابعا الربط الشخصي: ربما كان هناك جزء من درويش يربط بين هويتها كصيدلانية وبين الرغبة في المساعدة وتقديم العون، وهو ما تجسد في شخصية “سلامة.”
بطلة الرواية التي ترجمها أميمة صبحي وصدرت عن دار صفافة “سلامة كساب”، كانت طالبة في السنة الأولى في كلية الصيدلة عندما اندلعت صيحات الحرية في سوريا. كان لا يزال لديها والداها وشقيقها الأكبر؛ كان لا يزال لديها منزلها. كانت تعيش حياة مراهقة طبيعية. الآن تتطوع في مستشفى في حمص، وتساعد الجرحى الذين يتدفقون عبر الأبواب يوميا. حيث تقوم بإزالة الشظايا من الأجساد، وإجراء عمليات البتر دون تخدير، وإنقاذ ما تستطيع إنقاذه من الأرواح، وهو ما لن يكون كافيا أبدا، لأنها لا تستطيع إنقاذهم جميعا. لكنها سرا، تحاول يائسة إيجاد طريقة للخروج من بلدها الحبيب قبل أن تلد زوجة أخيها، ليلى.
تشعر الشابة بالمسؤولية تجاه زوجة أخيها، والتي هي أيضا أعز صديقاتها، ولم تنس الوعد الذي قطعته لأخيها بالحفاظ على سلامة ليلى، وتحاول تأمين ممر لها ولليلى للقيام بالرحلة عبر البحر الأبيض المتوسط لطلب اللجوء في أوروبا، ذلك على الرغم من أن الرحلة محفوفة بالمخاطر وشعور سلامة بالتردد بشأن ترك سوريا وراءها، والتخلي عن القضية الثورية التي ألهمت الانتفاضات في جميع أنحاء وطنها.. “ربما أهرب من سوريا. وبوسع قدمي أن تمس الشواطئ الأوروبية، وأن أرى أمواج البحر ترتطم بساقي المرتعشتين، والهواء المالح يغطي شفتي. سأكون أكثر أمانا. لكنني لن أتمكن من النجاة.”
تأمل ضروري
حالة اليائس التي تعيشها “سلامة” تتجسد تجسيدا ماديا في صورة رفيقها المتخيل، الـ”خوف”، وهو تجسيد لاضطراب ما بعد الصدمة الذي تعاني منها منذ وفاة والدتها وأسر قوات الحكومة لوالدها وشقيقها. وحتى مع إلحاح شبح “خوف”، الذي يطارد كل تحركاتها في محاولة للحفاظ على سلامتها، واضطرارها للمغادرة، فإنها تظل ممزقة بين ولائها لبلدها وقناعتها بالبقاء على قيد الحياة. يجب عليها أن تتعامل مع الرصاص والقنابل، والهجمات العسكرية، وإحساسها المتغير بالأخلاق قبل أن تتنفس أخيرا بحرية. وعندما تلتقي بالفتى الذي كان من المفترض أن تقابله في أحد الأيام المشؤومة، تبدأ في الشك في عزمها على مغادرة الوطن على الإطلاق. تتعلم رؤية الأحداث من حولها على حقيقتها – ليست حربا، بل ثورة – وتقرر كيف ستصرخ هي أيضا من أجل حرية سوريا.
تتميز الرواية بقدرتها الفائقة على تجسيد واقع الحياة اليومية تحت القصف. حيث لا تكتفي درويش بسرد الأحداث الدموية، بل تغوص بنا في تفاصيل صغيرة تكشف عن حجم المعاناة: صوت صفارات الإنذار الذي يخترق السكون، البحث المضني عن الطعام والماء، والخوف الدائم الذي يسكن القلوب. تتحول مدينة حمص من مكان حيوي إلى ساحة حرب، حيث يصبح الموت ضيفا دائما، وتصبح أبسط مظاهر الحياة رفاهية نادرة.
في قلب هذا الجحيم، تبرز شخصية سلامة كرمز للصمود الإنساني. تحولها القسري من طالبة صيدلة إلى مسعفة ميدانية يكشف عن قوة كامنة تستيقظ في مواجهة الضرورة. نراها تتأرجح بين مسؤوليتها تجاه المرضى والجرحى، وبين رغبتها الملحة في حماية عائلتها والنجاة بنفسها. صراعها الداخلي بين البقاء من أجل من تحب، والهرب بحثا عن الأمان، يلامس أعمق مخاوفنا الإنسانية.
الرواية تتميز بقدرتها الفائقة على تجسيد واقع الحياة اليومية في الحرب مقدمة تفاصيل صغيرة تكشف عن حجم المعاناة
لا تغفل الرواية جانب الحب في زمن الحرب. يظهر كنان، الشاب الذي يشارك سلامة إيمانها بضرورة النضال من أجل مستقبل أفضل لسوريا، ليقدم بصيصا من النور في عتمة الحرب. علاقتهما، التي تنمو ببطء وحذر تحت وطأة الظروف القاسية، تجسد قدرة الروح الإنسانية على البحث عن الدفء والاتصال حتى في أحلك الأوقات. حب سلامة لكنان ليس مجرد قصة رومانسية، بل هو تعبير عن التشبث بالحياة والأمل في غد أفضل.
تتعمق الرواية أيضا في استكشاف آثار الفقد والصدمة. موت الأعزاء، مشاهد العنف المروعة، والشعور بالعجز يخلف ندوبا عميقة في نفوس الشخصيات. تصف درويش ببراعة كيف يحاول الأفراد والمجتمع التعامل مع هذه الجراح، وكيف تتشكل طرق جديدة للتأقلم والصمود. لا تقدم الرواية إجابات سهلة، بل تترك القارئ يتأمل في قدرة الإنسان على التحمل والمرونة.
في الختام، “بينما تنمو أشجار الليمون” ليست مجرد رواية عن الحرب السورية، بل هي شهادة مؤثرة عن قوة الروح الإنسانية في مواجهة المحن. من خلال سردها الحساس وشخصياتها المعقدة، تقدم درويش عملا أدبيا يلامس القلب ويدعو إلى التأمل في معنى البقاء، والحب، والأمل في عالم مزقته الصراعات. إنها رواية ضرورية لكل من يسعى لفهم أعمق للتكلفة الإنسانية للحروب وللقدرة المذهلة للإنسان على الصمود.