هيروغليفية شامبليون.. كيف فتحت اللغة أبواب الخلود للحضارة المصرية
يسلط كتاب "هيروغليفية شامبليون" الضوء على الحقبة الفوضوية لاستكشاف الآثار المصرية، حيث ساد النهب والمغامرة قبل تقنين الحفريات. ويبرز النص دور العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون الذي لم يكتفِ بفك رموز حجر رشيد علميا، بل دافع عن الإرث المصري كإرث إنساني عالمي، محولا النظرة لمصر من مجرد كتل حجرية إلى مهدٍ للحضارة والرقي البشري.
"غالبًا ما كانت ضربة الفأس الأولى هي التي تحدِّدُ مَنْ سيعثر على أشياء جيدة، أو ينجح في الحصول على قطع ثمينة. لذا فمعرفة البيئة والخبرات العملية والتقنية والمهارة في التعامل مع الفلاحين، أو مجرد الجرأة كانت أكثر فائدة من المعلومات الأثرية أو الثقافة العامة، فقصة اقتناء القطع من مصر كانت أيضًا قصة شارك فيها أصحاب بعض المهن من المغامرين من أصحاب المشاريع، وذوو طموح الكسب”.
تكشف هذه العبارة الواردة في كتاب “هيروغليفية شامبليون فقه اللغة والهيمنة على العالم” للباحث الألماني ماركوس ميسلينج، كيفية التعامل مع الآثار المصرية في وقت من الأوقات ولزمن طويل قبل أن تُقنن مسألة البحث والحفر واستخراج الآثار في عصر محمد علي الذي كان ينظر إلى الآثار المصرية على أنها كتلٌ حجرية مباحة من الممكن أن تستخدم في أغراض أخرى، وعلى سبيل المثال في عام 1836 أعدَّت الحكومة المصرية مشروع استخدام كتل حجرية من أهرامات الجيزة في بناء سد على نهر النيل، وهو ما اعترض عليه بحسم القنصل الفرنسي العام وقتها.
الكتاب يكشف أن الإنسان المصري أسس أول دولة عظيمة واكتشف الكتابة التي هي عمود الفكر البحثي والضمير التاريخي
لقد كان الباحثون الأجانب، وبخاصة الفرنسيين، أكثر تقديرًا ومعرفة بأهمية الآثار المصرية، على الرغم من عمليات السلب والنهب والسرقة التي تمت على يد الأجانب في عصور مختلفة. ولكن يظل الفضل لمؤسس علم المصريات الباحث والأكاديمي الفرنسي الشاب جان فرانسوا شامبليون (1790 – 1832) في فكِّ رموز الهيروغليفية من خلال المكتوب والمنقوش على حجر رشيد الذي صادرته إنجلترا لصالحها – بعد أن عثر عليه الضابط الفرنسي بلير بوشار في 19 يوليو 1799 – وجعلته أيقونة القسم المصري بالمتحف البريطاني.
هالة أسطورية
يكشف هذا الكتاب الذي قامت بترجمته د. علا العجيزي وصدر عن مكتبة الإسكندرية، بمراجعة د. رانيا فتحي وتقديم د. مصطفى الفقي، أن الإنسان المصري الذي تخلَّص من ظلام جهله القديم، أسَّس أول دولة عظيمة واكتشف الكتابة التي هي عمود الفكر البحثي والضمير التاريخي، وأن مصر تمثل – في مفهوم شامبليون عن التقدم النوعي للإنسانية – بدايات الحضارة التي أدت إلى تحول الإنسان من الهمجية إلى الرقي. ومن هنا كتب إلى صديقه جوزيف فوريه عام 1806 قائلا “عليَّ أن أعترف بأنه من بين كل الشعوب التي أفضلها، فليس منها من يضاهي مكانة المصريين في قلبي”.
كما كتب للوالي محمد علي صارخًا “لقد أزف الوقت بإلحاح لوضع نهاية لهذا التخريب البربري الذي يحرم العلم في كل آونة، من آثار عظيمة الأهمية، فضلا عما يلحقه بخيبة أمل بالنسبة لحب استطلاع الزائرين، الذين قد لا يجدون، في معظم الوقت، وبعد تكبدهم مشقة السفر، إلا ندمًا يساورهم على كل ما ضاع من تماثيل ولوحات مثيرة للاهتمام”.
ويبدو أن القدر قد اختار شامبليون لتلك المهمة العظيمة التي فتحت أبواب الحضارة المصرية القديمة على مصراعيها بعد أن نجح في فك رموز حجر رشيد، وقد تنبأ أحد المعالجين المهرة بأن والدة جان فرانسوا، وهي السيدة فرانسوا جاليو التي كانت تعاني في حملها بالطفل بأنه “من مرضك سيولد طفل يكون نورًا للقرون القادمة”.
ويؤكد ميسلينج أنه على الرغم من الطابع الخرافي لهذا النوع من الروايات، “فإن شامبليون يستحق عن جدارة دخول التاريخ من أوسع أبوابه”.
في رسالته لمسيو داسييه بعد اكتشافه رموز الكتابة الهيروغليفية عام 1822 يقول شامبليون “يمكن أخيرًا القول إن أوروبا إذا كانت قد استمدت من مصر القديمة مبادئ العلوم والفنون، فهي مدينة لها أيضًا بالكتابة الأبجدية وأهميتها”. وهو ما يؤكد أن قلب عالم الآثار الشاب كان متعلقًا بالعلم والتطور أكثر من تعلقه بالشعور القومي، وهو ما أجبر البارون سيلفستر دي ساسي على الاعتراف به أثناء رثائه لشامبليون عقب وفاته عام 1832.
لقد استطاع شامبليون قبل رحيله بسنوات كتابة العربية والتحدث بها بطلاقة، كما استطاع أيضا أن يرى في اللغة القبطية لغة حية تعود إلى مصر القديمة، (كما أجاد اليونانية والعبرية)، وهذه اللغات هي التي كانت مفتاح المنهج الثوري الذي سيؤدي به إلى فك رموز الهيروغيلفية، وهكذا فتحت نظرته عن مصر الطريق أمام رأي عام علمي متخطٍّ للحدود. ومن هذا المنطلق مثَّل إنجاز شامبليون نقطة تحول تاريخي.
ويُرجع أنور لوقا في كتابه الموسوعي “مصر الأخرى من بونابرت إلى طه حسين” (2006) رغبة شامبليون في فهم ثقافة مصر القديمة إلى الاتجاه الرومانسي الذي ينطلق من مسلمات جماليّة وشاعريّة تتجاوز إطار العلم التحليلي.
غير أن ميسلينج يعتقد أنه من الأفضل عدم إسباغ هالة أسطورية، لا على شامبليون ولا على الرومانسية، فالبحث الذي أجراه شامبليون يبدو له فريدًا من نوعه ليس لانطلاقه من نظام معرفي مخالف لنظرية العالمية الفرنسية، أو من وجود “مركز آخر” ولكن لأنه نتاج نظام معرفة الفترة المتأخرة من عصر التنوير، فلقد مثَّل قطيعة واضحة داخل هذا النظام نفسه، قطيعة تشير إلى عالميّة تظل بمنأى عن الغاية الإمبرياليّة.
مشروع مصري
لقد كان علم اللغة وعلم الآثار بالنسبة لشامبليون هما الدعامتان العلميتان للمشروع المصري بأكمله والذي يتلخص في أن الأبجدية الهيروغليفية تنطبق على الأسماء الملكية في كل العصور، وأن اكتشاف نظام الأبجديَة الصوتيَّة للعلامات الهيروغليفية هو مفتاح النظام الهيروغليفي بأكمله، وأن المصريين القدماء استخدموا هذا النظام في كل العصور للتعبير عن أصوات كلمات لغتهم المنطوقة بشكل أبجدي، وأن كل النقوش الهيروغليفية تتكون في معظمها من علامات أبجدية بحتة.
مصر تمثل في مفهوم شامبليون بدايات الحضارة التي أدت إلى تحول الإنسان من الهمجية إلى الرقي
وهذا يدل على أن شامبليون لم يستسلم للتأثر بالشكل التصويري للكتابة الهيروغيلفية، بل تعرف على أهمية الدور الوظيفي للقيم الصوتية فيها.
لقد أكَّد شامبليون في أبحاثه أن إضفاء الطابع القومي على الجدل العلمي لم يُجدِ أبدًا. كما أثبت أن تفسير الكتابات الهيروغليفية يعتبر أحد المشاريع الأوروبية وأضخمها. وأن تفسير الهيروغليفية أصبح نموذجًا للصراع من أجل ثقافة علمية حديثة، وهو صراع كانت له نتائج، ليس فقط على البحث، ولكن أيضًا على الطريقة التي تنظر بها الثقافة الفرنسية إلى نفسها، وأخيرًا على العقيدة الدينية وعلى علم الجمال.
ويرى ميسلينج أن إزالة الغموض عن الهيروغليفية قد أدَّى إلى نوع من البلبلة الدينية، فاختصار الكتابة المصرية القديمة في المستوى العقلاني – كما فعل شامبليون بشكل منهجي – لم يؤد فقط إلى هدم النظرية السائدة التي تعود إلى عصر النهضة، والتي كانت ترى في الهيروغليفية المفاتيح الكونية للوصول إلى الكشف الرمزي عن الخالق، بل وأيضًا إلى كون النصوص المصرية أصبحت بكل بساطة مقروءة. ومن ثم فإن “الهالة الهيروغليفية” التي تعبر عن عالم يتجاوز عالم اللغة المألوفة هدَّدها تفسير شامبليون للكتابات الهيروغليفية. فقد اختفى النموذج السيميائي المقابل، كما لم يعد به كبديل تاريخي – أنثروبولوجي ممكن – بل كمجرد بديل يمكن تخيله في إطار الرمزية العقائديَّة والسيكولوجيَّة أو الجماليَّة.
ويشير ميسلينج إلى ما قرأه بخصوص التهديد بالسلاح على أرض طيبة، وينقل ما ذكره برناردينو دروفتي في رحلته إلى مصر العليا: “وجدت في طيبة العديد من الأوروبيين مجتمعين يعملون في حفائر مهمة في القرنة، على أنقاض مدينة هابو وفي الممنونين (تمثالي ممنون)؛ كل المساحة التي تشغلها أنقاض معبد الكرنك كانت مغطَّاة بالعلامات التي كانت تقسم أرض الفرنسيين والإنجليز والأيرلنديين وأرض الإيطاليين وغيرهم.
شامبليون نجح في فكّ رموز الهيروغليفية من خلال المكتوب والمنقوش على حجر رشيد الذي صادرته إنجلترا لصالحها
أما السيدات الأوروبيات فقد كن يتجولن في الأنقاض ويدخلن في المقابر، مثلهن مثل الرحالة الآخرين. جميعهم يبحثون عن اقتناء أو شراء القطع الأثرية غير مبالين بالحر أو الإرهاق. وعلى مدار ساعات الليل والنهار، كان الرحالة يتجولون في المقابر أو في السهول، وفي وسط هذا الحماس العام لمجرد إشباع الفضول أو لاكتشاف آثار مجهولة، حدثت أحيانًا خلافات حادة بين مندوبي العديد من رحالة البلاد المختلفة، حتى وصلت الأمور إلى التهديد بالسلاح؛ لحسن الحظ أن الأمور لم تتطور إلى أبعد من ذلك. لاحظتُ أن العرب (يقصد المصريين) كانوا يحبون هذه الخلافات التي كانت في أغلب الأحوال تصبُّ في مصلحتهم.
مصالح إنسانية
لم يعد الرجال حاليا يكفون عن التنقيب، ذلك أنهم يستغلون نساءهم للحفر في المقابر الجماعية، فهم يجوبون باستمرار المقابر الكبيرة والصغيرة؛ وحتى أطفالهم منذ سن التاسعة، جميعهم يعملون باستمرار على تقليب الأرض. امتد هذا الهوس إلى حد أن ‘الكشَّاف’ أو ‘القائم مقام’ كان يمنع العرب بشدة من العمل في الفلاحة ليتفرغوا للبحث عن الآثار”.
ويعود ميسلينج مؤكدا أمام مثل هذه الأحداث أن الوالي المصري ورجاله لم يؤدوا دورا عظيما في الحفاظ على التراث. ويوضح أن تاريخ النهب الثقافي في العصر الاستعماري يطرح اليوم العديد من الأسئلة التي تتعلق بالقانون الدولي فضلا عن نظرية الثقافة. ويشير إلى أن شامبليون اعترف بالخسائر الضخمة الناتجة، حتى في عهده، عن النقل المُمنهج للآثار.
وينقل قول شامبليون بأن عمودًا واحدًا من معبد الكرنك أعظم من الواجهات الأربع لفناء اللوفر، مؤكدا بذلك أنه لم يكن يحاول أن يدافع بشكل أساسي عن المصالح الفرنسية، بل عن مصالح الإنسانية جمعاء.
غير أن ميسلينج يرى أن موقف شامبليون في ما يتعلق بشراء الممتلكات الثقافية من الإزدواجية بمكان، فهو من جهة يُغري محمد علي بالمبالغ التي ستدخل البلاد نتيجة للمشتريات التي سيقوم بها الرحالة، ومن جهة أخرى يُدين بوضوح كل هذه التجارة التي لا تبالي بالخسائر التي تسببها.
ويذكر بقوة في مقدمة خطابه الشهير للوالي أن الكثير من الأوروبيين الذين يريدون زيارة المواقع الأثرية في مصر ودراستها لا يفعلون ذلك بنية المكسب، وهو ما يُظهر موقفه الرافض لتجارة الآثار، وكحل بديل مقبول يتصور غالبًا تجارة تتخذ الطابع الرسمي وتحكمها قوانين المهنة، مثلما كان يقترح لحماية المواقع الأثرية قواعد من المفترض أن تجعل الحفائر العلميّة والزيارات الثقافيّة والتعليميّة ممكنة.
إن شامبليون يطالب بشدة بتشريعات صارمة لتنظيم الحفائر، وهو بذلك كان يعمل ضد مصالح الأوروبيين في مصر، لكنه لم يعفِ المصريين أيضًا من النهب والهدم بشكل أساسي، وهو يأخذ في الاعتبار السياق الاجتماعي والمستوى الثقافي لهذا الشعب قائلا إن هؤلاء “غير قادرين على إدراك الخسارة التي يتسببون فيها، دون قصد، للبلد”، وهم في ذلك أقل إثمًا بكثير من الأوروبيين الذين ينهبون الآثار بسبب الجشع، ويشجعون الأهالي على السرقة.