هل يصبح الشرق الأوسط قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي؟

جعل النفط الخليج مركزا للاقتصاد العالمي في القرن العشرين. وقد تجعله الحوسبة مركزا للاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين
الاثنين 2026/09/07
فرق جوهري بين امتلاك قدرة حاسوبية هائلة وامتلاك قوة تقنية حقيقية

لعقود طويلة، حدد النفط الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للشرق الأوسط. واليوم، بدأ مورد آخر في إعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وهو القدرة الحاسوبية.

يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى كميات هائلة من الرقائق المتقدمة، والطاقة الكهربائية، والبيانات، والبنية التحتية المتخصصة. وستمتلك الدول التي تسيطر على هذه الموارد نفوذا أكبر في الثورة التقنية المقبلة. ولهذا السبب، تستثمر السعودية والإمارات مليارات الدولارات لوضع المنطقة في قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي الناشئ.

والطموح هنا أكبر من مجرد تنويع مصادر الدخل. فحكومات الخليج تنظر بصورة متزايدة إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره بنية تحتية إستراتيجية. وهي تريد بناء مراكز بيانات، وتطوير أنظمة سيادية للذكاء الاصطناعي، وجذب شركات التكنولوجيا العالمية، وبناء قدرات تقنية محلية. والهدف هو تحويل الثروة المالية التي تراكمت من الهيدروكربونات إلى نوع جديد من القوة يقوم على الحوسبة والمعرفة.

ينطلق الخليج من مجموعة من المزايا التي يصعب على معظم الدول تقليدها. فهو يمتلك ثروات سيادية هائلة، وطاقة منخفضة التكلفة نسبيا، ومساحات واسعة لإقامة المشاريع، وحكومات قادرة على اتخاذ قرارات استثمارية ضخمة وبسرعة.

وقد أنشأت السعودية شركة «همين» (HUMAIN) لتكون إحدى الأدوات الرئيسية في طموحاتها بمجال الذكاء الاصطناعي. وتتضمن شراكتها مع «إنفيديا» خططا لبناء «مصانع للذكاء الاصطناعي» بقدرة تصل إلى 500 ميغاواط، وبما يصل إلى مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات المتقدمة خلال خمس سنوات. وتشمل المرحلة الأولى حاسوبا فائقا من طراز «غريس بلاكويل» يضم 18 ألف وحدة معالجة.

وتسير الإمارات في مسار طموح مماثل. فأبوظبي تطور بنية تحتية واسعة النطاق للذكاء الاصطناعي، وتبني في الوقت نفسه شراكات مع كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية. وقد تجعل هذه المشاريع من الخليج موقعا عالميا مهما لحوسبة الذكاء الاصطناعي، وخاصة بين أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا.

هناك، مع ذلك، فرق جوهري بين امتلاك قدرة حاسوبية هائلة وامتلاك قوة تقنية حقيقية. فقد تشتري دولة آلاف وحدات معالجة الرسومات المتقدمة من دون أن تمتلك باحثين رائدين في الذكاء الاصطناعي. وقد تبني مراكز بيانات ضخمة من دون أن تنشئ شركات برمجيات قادرة على المنافسة عالميا. كما أنها قد تستضيف شركات تكنولوجيا أجنبية من دون أن تمتلك التقنيات الأساسية التي تعتمد عليها.

وهذا هو أحد أكبر مواطن ضعف الخليج. فالسعودية والإمارات لا تزالان تعتمدان بدرجة كبيرة على الشركات الأجنبية في توفير المعالجات المتقدمة وغيرها من التقنيات الحيوية. وتبقى «إنفيديا» شريكا مهما، في حين يمكن لضوابط تصدير التكنولوجيا الأمريكية أن تؤثر مباشرة في نوعية الرقائق التي يستطيع الخليج الحصول عليها، وفي الشروط التي يتم بموجبها ذلك.

ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي يتمثل في ما إذا كان الاستثمار الخليجي سيؤدي إلى بناء منظومة تقنية متكاملة، أم سيجعل من المنطقة مجرد سوق ضخمة للتقنيات الأجنبية.

هل يستطيع الشرق الأوسط أن يصبح قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي؟ نعم، ولكن المال وحده لا يكفي لتحقيق ذلك

إن قوى الذكاء الاصطناعي تبنى بالبشر بقدر ما تبنى بالآلات.

فالشرق الأوسط يحتاج إلى الباحثين والمهندسين ورواد الأعمال والجامعات القادرة على تطوير نماذج جديدة وتطبيقات متقدمة. كما يحتاج إلى بيئة تشجع التجربة، وتتقبل الفشل التقني باعتباره جزءا من عملية الابتكار.

وقد بدأت دول الخليج فعلا في استقطاب الخبرات الدولية والاستثمار في التدريب. وتشمل شراكة السعودية مع «إنفيديا»، على سبيل المثال، برامج لتدريب آلاف المطورين في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والحوسبة المتقدمة.

لكن الاعتماد على الخبرات المستوردة وحدها لن يكون كافيا. ويجب أن يكون الهدف على المدى البعيد إعداد جيل من العلماء والمهندسين القادرين على ابتكار تقنيات يريد العالم كله استخدامها.

إن العلاقة بين النفط والذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدا مما قد تبدو عليه للوهلة الأولى. فثروة النفط توفر رأس المال اللازم لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي. كما توفر الطاقة الكهرباء اللازمة لتشغيلها. وهذا يمنح الخليج ميزة محتملة قوية، مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي على الحوسبة.

غير أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تحتاج أيضا إلى كميات هائلة من المياه والتبريد. وهذا يمثل تحديا خطيرا في منطقة تعد من أشد مناطق العالم حرارة وأكثرها ندرة في المياه. ولذلك، تكثف دول الخليج استثماراتها في أمن المياه، في وقت توسع فيه مراكز البيانات والمشاريع الصناعية الأخرى.

وقد تكون الدول الرائدة في المستقبل هي تلك التي تنجح في الجمع بين الذكاء الاصطناعي والطاقة الشمسية والطاقة النووية وأنظمة التبريد الفعالة وتقنيات المياه الجديدة. وبهذا المعنى، فإن سباق التكنولوجيا المقبل في الخليج قد لا يتعلق بالرقائق وحدها. بل قد يتعلق أيضا بمدى كفاءة تشغيل هذه الرقائق وتبريدها.

الموقع الجغرافي للخليج يمثل في الوقت نفسه ميزة ونقطة ضعف. فالمنطقة تقع بين أسواق رئيسية في أوروبا وآسيا وأفريقيا. وهذا يمكنها من أن تصبح مركزا رقميا مهما. لكن موقعها الاستراتيجي يضعها أيضا قرب بؤر التوتر والصراع في المنطقة.

وقد أظهرت حرب إيران في عام 2026 هذه الهشاشة بوضوح. فقد أثرت الهجمات بالطائرات المسيرة في بنية مراكز البيانات في الإمارات والبحرين، وأثارت تساؤلات حول أمن الطموحات الرقمية للمنطقة.

وهذا يفرض متطلبا استراتيجيا جديدا. فبنية الذكاء الاصطناعي في الخليج ستحتاج إلى حماية لا تقتصر على الهجمات السيبرانية، بل تشمل أيضا الصواريخ والطائرات المسيرة وانقطاعات الطاقة وعدم الاستقرار الإقليمي. فالذكاء الاصطناعي قد يكون رقميا، لكن أسسه المادية تبقى عرضة للمخاطر.

السؤال الحاسم هو ما إذا كان الخليج سينجح في تحويل المزايا إلى تميز بحثي ومواهب محلية واستقلال تقني وشركات قادرة على المنافسة عالميا

إن أكبر فرصة أمام الشرق الأوسط تكمن في تجاوز دور المستهلك الثري للتكنولوجيا الأمريكية والآسيوية.

فبإمكان المنطقة تطوير نماذج سيادية للذكاء الاصطناعي لخدمة الحكومات والقطاعات المالية والطاقة والرعاية الصحية والصناعة. ويمكنها أيضا بناء أنظمة متقدمة باللغة العربية، والتحول إلى مقدم رئيسي لخدمات الذكاء الاصطناعي للعالم العربي وأفريقيا وأجزاء من آسيا.

وهذا سيخلق نوعا مختلفا من النفوذ الإقليمي. فقد منح النفط دول الخليج نفوذا لأن العالم كان بحاجة إلى طاقتها. وقد يمنحها الذكاء الاصطناعي نفوذا جديدا إذا أصبح العالم بحاجة إلى قدرتها الحاسوبية ونماذجها ومنصاتها وخدماتها المتخصصة.

لكن هذا يتطلب امتلاك الملكية الفكرية والمعرفة. فالبنية التحتية وحدها لن تمنح المنطقة سيادة تقنية دائمة.

هل يستطيع الشرق الأوسط أن يصبح قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي؟ نعم، ولكن المال وحده لا يكفي لتحقيق ذلك.

يمتلك الخليج مزيجا استثنائيا من رأس المال والطاقة والموقع الجغرافي الاستراتيجي والطموح السياسي. وقليل من المناطق الناشئة يستطيع بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بالسرعة والضخامة نفسيهما.

لكن السؤال الحاسم هو ما إذا كان الخليج سينجح في تحويل هذه المزايا إلى تميز بحثي، ومواهب محلية، واستقلال تقني، وشركات قادرة على المنافسة عالميا. فإذا عجز عن ذلك، فقد يتحول فقط إلى واحد من أكبر مستهلكي تقنيات الذكاء الاصطناعي الأجنبية في العالم.

أما إذا نجح، فقد يكون التحول تاريخيا. فقد جعل النفط الخليج مركزا للاقتصاد العالمي في القرن العشرين. وقد تجعله الحوسبة مركزا للاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.

وليس الجائزة الحقيقية، في نهاية المطاف، هي امتلاك أكبر مراكز البيانات في العالم. بل هي امتلاك المعرفة والتقنية والقدرة الحاسوبية التي تحدد ما يمكن لتلك المراكز أن تحققه.

3