هل سليم العادل هو غودو المعاصر

سامر يعقوب
مسلسل "مولانا" لسامر برقاوي يؤسس من خلال قصته لرمزية الخلاص من سلطة الوهم الديني والعسكري.
الأربعاء 2026/05/20
قصة رمزية لرجل بين هويتين

كما كان فلاديمير وإستراغون ينتظران مجيء غودو على قارعة الطريق، مستندين إلى جذع شجرة، في مسرحية “في انتظار غودو” للكاتب الأيرلندي Samuel Beckett، كان أهالي قرية العادلية السورية ينتظرون مجيء حفيد سليم العادل، مالك قريتهم وشيخها الذي كان وليّا من أولياء الله الصالحين، ليوقظهم من سباتهم ويعيد الحياة إلى القرية التي احتلها عسكر النظام بحجة حماية الحدود، وزرعوا أراضي زيتونها بالألغام، وحرموهم من زيته، فأصبح يتساقط على الأرض وحده دون قطاف. وكان الأهالي يلمّون بعض حباته خلسة، مخاطرين بحياتهم، إذ قد ينفجر لغم بهم في أي لحظة.

لكن غودو في المسرحية لم يأتِ بعد طول انتظار، بينما جابر جاد الله (تيم حسن) سيأتي إلى القرية، ويصبح “سليم العادل” المخلّص الذي تنتظره القرية.

تدخل القدر ليحوّل حفّار القبور الدمشقي، والمجرم الذي قتل صهره، العنصر في مخابرات النظام، بسبب تعنيفه الدائم لأخته وإذلاله لها، إلى باشا كبير يملك قرية بأكملها، ويصبح وليّا من أولياء الله الصالحين. كل هذا حدث في القطار الذي قرر الهرب فيه إلى مدينة أخرى بعد ارتكاب جريمته، إذ اختاره عوضًا عن الحافلة كي لا توقفه حواجز النظام العسكرية، بعدما أصبح مطلوبًا.

◄ المخرج سامر برقاوي، بعينه الموهوبة المتمرسة، قصة "مولانا" بلقطات عامة تُظهر جمال القرية ومهابة ثكنتها العسكرية

كان القطار وسيلة عبور بين حياتين في زمن واحد، ففي إحدى مقطوراته حدث التحول. جلس جابر، الذي لا تزال بقع الدماء على ثيابه نتيجة الجريمة التي ارتكبها بمقص ومكواة، أمام شاب مغترب ثقيل الظل آتٍ من كندا اسمه سليم العادل (يحيى مهايني)، متجه إلى قريته الحدودية كي يبيع ميراثه الذي تركه له جده. يبادر سليم بالتعرف إلى جابر، وينقذه الأخير من اعتداء أحد ركاب القطار نتيجة غلظته، فيحبه سليم ويطلب منه أن يرافقه إلى قريته ويعمل عنده مقابل أموال كثيرة، فيوافق جابر.

لكن الحمار الذي كان متوقفًا في وسط الطريق إلى العادلية، واصطدمت به سيارة الأجرة التي تقلهما، سيغيّر المعادلة كلها؛ لأن سليم سيموت ومعه السائق، بينما ينجو جابر، ويقرر في تلك اللحظة سلخ جلده القديم كالأفعى حين تغيّر جلدها، ليبدأ حياة جديدة. فيحرق هويته الشخصية، ويرتدي ملابس سليم، ويأخذ أغراضه، من دون أن يعرف ماذا ينتظره حين يصل إلى العادلية التي تنتظره منذ سنوات.

يكمل طريقه سيرًا، فيتلقفه العقيد كفاح (فارس الحلو)، قائد ثكنة النظام العسكرية في القرية، ويوصله إلى منزله بسيارته الجيب بعدما عرف هويته ومن يكون. فتضج القرية بوصوله، وترتسم البسمة على وجوه نسائها ورجالها الذين يتجمهرون أمام منزله صباحًا بانتظار خروجه، ويطلبون أن يؤمّهم في الصلاة مثلما كان يفعل جده. فيتقمص دور الإمام.

غير أن حدثًا مفاجئًا يؤرق مضجعه، وهو وصول شهلا (نور علي)، أخت سليم الحقيقي الذي مات في حادث السير. يحاول الهرب لكنه يفشل، ويلاحقه العسكر. وأثناء هروبه يسقط في إسطبل يجلس فيه منير الحشاش (كرم شنان)، فيعتبر الأخير ما حدث معجزة إلهية، إذ يظن أن “مولانا” نزل عليه من السماء ليقنعه بالتوبة عن شرب الحشيش. يخبر أهل القرية بالحادثة وبتوبته، فيتأكدون أن سليم وليّ من أولياء الله الصالحين، وأن المعجزات تحدث على يديه، وأنه سيحيي العادلية الميتة منذ سنين.

لكن جابر يغرق في اللعبة ويتماهى مع شخصيته الجديدة، فيغيّر لباسه الغربي ويرتدي العباءة مثل جده، ويصبح “مولانا”. وتبقى لديه عقبة وحيدة، وهي ثكنة النظام العسكرية الجاثمة على صدور أهل القرية منذ سنوات، فيعقد صفقة مع العقيد كفاح تُنزع بموجبها ألغام أراضي الزيتون، ويُعاد قطفه وعصره، ويعود الزيت للتدفق في القرية، والماء إلى عروق أهلها.

فمثلما كان النظام السوري البائد متحالفًا مع السلطة الدينية لإضفاء شرعيته، هكذا تحالفت السلطة الدينية في العادلية مع سلطة العسكر لإسكات أهل القرية وإلهائهم. لكن صمتهم لن يدوم طويلًا، وسيثورون ذات يوم على هؤلاء العسكر.

كنا، إذًا، أمام شخص ذي تاريخ إجرامي يتحول بين ليلة وضحاها إلى بطل شعبي وولي من أولياء الله الصالحين يقدسه الناس ويحلفون باسمه. ولم يولد هذا التقديس من فراغ، بل من اليأس والقمع والاستبداد الذي عانوه من سلطة العسكر المجرمة، فلجؤوا إلى أول شخص يصادفونه كي يخلصهم من هذا الطغيان. وحال العادلية، هذه القرية الحدودية، يشبه حال أي بلد عانى من نظام استبدادي دكتاتوري خنقه وجعله تواقًا للخلاص بأي ثمن، مهما كانت الضريبة.

قدّم لنا المخرج سامر برقاوي، بعينه الموهوبة المتمرسة، قصة “مولانا” بلقطات عامة تُظهر جمال القرية ومهابة ثكنتها العسكرية، ولقطات متوسطة ومنخفضة تُبرز قوة مولانا، مع لقطات قريبة وإضاءة جانبية تُظهر غموض العقيد كفاح، إضافة إلى اهتمامه المعتاد بالألوان والملابس التي ناسبت الشخصيات، بتصميم الموهوبة رجاء مخلوف، وعلى ألحان موسيقى آري جان المتناغمة مع روح العمل، فكنا أمام عمل متكامل فنيًا.

لكن لم يفتنا أن نلاحظ بعض السأم على أداء تيم حسن، رغم فكاهته الدائمة وتقليده لشخصيات مشهورة مثل ياسر العظمة وبشار الأسد، وإشارته إلى شخصية “مسلم” في مسلسل “باب الحارة”. ومع ذلك، بدا وكأنه قد أرهقته كثرة الأدوار التي قدمها خلال السنوات العشر الأخيرة، والتي جعلته النجم الأعلى أجرًا عربيًا والأول سوريًا.

في المقابل، لفتنا الأداء المميز للفنانين الجدد، مثل كرم شنان ونانسي خوري، بينما ازدادت القديرة منى واصف توهجًا في العمل، وأضفت نور علي خفة محببة عليه.

ولا نعرف ما إذا كانت الشراكة الناجحة بين تيم حسن وسامر برقاوي ستستمر في العام القادم لتقدّم ما سيبهر الناس ويصبح حديثهم، رغم أن مستوى هذه الشراكة تبدو في مرحلة انخفاض تدريجي بعدما بلغت ذروتها في مسلسل “تاج” الذي قدّماه عام 2024. فلننتظر إذًا لنرى.

8