هل انتهت الحرب وبدأت المساومة الكبرى؟
بينما ينشغل العالم بتفكيك دلالات “التهدئة” الظاهرية القادمة من واشنطن، يبدو أن المطبخ السياسي الأميركي قد انتقل ببراعة من مرحلة “تكسير العظام” إلى مرحلة “هندسة الخضوع”. إن إعلان ترامب تعليق “مشروع الحرية” – بوصفه “جزرة” سياسية – بالتوازي مع تصريح ماركو روبيو بإنهاء المرحلة الهجومية لعملية “الغضب الملحمي”، ليس تراجعًا بقدر ما هو إعادة تموضع ذكي يحوّل التفوق الناري الذي فُرض ميدانيًا منذ شباط/فبراير الماضي إلى “سلطة قانونية” دولية دائمة. واشنطن تمارس اليوم “الدبلوماسية القسرية” في أبهى صورها: تُخلي الساحة للمناورات السياسية دون أن ترفع سيف الحصار البحري عن الاقتصاد الإيراني.
في هذه اللحظة، يأتي التحرك الأميركي – الخليجي المشترك في مجلس الأمن كخطوة إستراتيجية تهدف إلى نقل الصراع من الحيز العسكري إلى الحيز القانوني الملزم؛ فالمطالبة بقرار تحت الفصل السابع بشأن مضيق هرمز تسعى لتدويل أمن الملاحة وتحويله إلى قيد قانوني يحد من قدرة طهران على استخدام “ورقة المضيق”. هذا التحرك يضع بكين أمام مأزق “تضارب المصالح” قبل قمة مايو المرتقبة؛ فإما استخدام الفيتو لحماية حليف إقليمي، أو تأمين تدفقات الطاقة العالمية وسلاسل التوريد الخاصة بها مقابل تنازلات أميركية في ملفات كبرى كالتجارة أو تايوان. إنها لعبة “حافة الهاوية” التي تهدف إلى تحويل مضيق هرمز من منطقة نفوذ إقليمي إلى ممر دولي بضمانات قسرية.
◄ طهران تواجه اختبارا إستراتيجيا صعبا؛ بين التنازل الممنهج عن أوراق القوة أو الرهان على حلفاء مترددين فيما بكين وقمة مايو تحددان ملامح النظام الجديد
هذا الضغط الدولي المكثف جاء نتيجة تراكمات ميدانية، حيث أدت الحوادث المتكررة التي طالت ناقلات النفط ومنشآت الطاقة في المنطقة إلى نشوء جبهة إقليمية – دولية موحدة ترى في أمن الملاحة خطًا أحمر لا يقبل التأويل. ورغم أن طهران تضع تحركاتها في إطار “توازن الردع” لمواجهة الضغوط القصوى، إلا أن هذه التحركات منحت القوى الدولية المسوغات اللازمة للمطالبة بـ”غطاء أممي” يشرعن وجودها الدائم في المنطقة. هذا التباين الحاد في تعريف “الأمن الإقليمي” هو الثغرة التي استثمرتها واشنطن لإعادة تعريف دورها كلاعب محوري لا يمكن تجاوزه.
وعلى الجبهة الأوروبية، تلعب بروكسل ولندن وباريس دور “الوسيط الضامن”؛ فبينما تدفع أوروبا علنًا باتجاه المسارات الدبلوماسية لتفادي صدمات الطاقة، فإنها توفر الغطاء السياسي اللازم للمطالب الأميركية خلف الأبواب المغلقة. هذا التناغم يمنح واشنطن “شرعية أطلسية” تضع طهران في مواجهة جبهة غربية موحدة، وتجعل من أي اتفاق قادم “صيغة دولية” وليست مجرد إملاءات أميركية منفردة.
هنا يبرز تصريح روبيو ليرسم ملامح الانتقال إلى “الدبلوماسية الخشنة”؛ حيث الهدف هو انتزاع تنازلات في الملفات الإستراتيجية مقابل وعود بالانفراج الاقتصادي تحت شعار “الاستقرار مقابل النفوذ”. واشنطن لا تسعى لصدام نهائي في هذه اللحظة، بل تهدف إلى تحجيم القدرات الإقليمية للخصم وجعلها “منكفئة داخليًا”، مع إبقاء الحصار أداة رقابة صارمة لضمان التنفيذ. هذا التكتيك يمنح واشنطن “التفوق الأخلاقي” والقانوني للاستمرار في إجراءاتها حتى لو تعطل المسار الأممي بالفيتو الروسي أو الصيني.
تجد طهران نفسها اليوم أمام أحد أصعب الاختبارات الإستراتيجية؛ فالدخول في اتفاق شامل في ظل حصار قائم يفرض تحدي “التنازل الممنهج” عن أوراق القوة مقابل البقاء، أما الرهان على “ثبات الحلفاء” الدوليين فهو رهان محفوف بالمخاطر في سوق المقايضات الكبرى. إننا لا نشهد نهاية للصراع، بل “إعادة ترسيم لموازين القوى”، حيث استُبدلت لغة المدافع بـ”مطرقة القانون الدولي”، لتبدأ مرحلة “الاشتباك البارد” خلف طاولات التفاوض، بانتظار ما ستسفر عنه “بورصة المواقف” في قمة بكين، التي ستحدد ملامح النظام الإقليمي الجديد ومن يملك اليد العليا فيه.