هشام دينار: صوت موكادور الذي يؤاخي بين الأرواح

د. محمد غاني
من السماع الصوفي إلى «روح الثقافات».. فنان يحوّل الموسيقى والزاوية إلى جسور للحوار والتعايش
الجمعة 2026/09/25
فنان حوّل الاختيار المغربي في التعايش من خطاب إلى ممارسة

بعض المدن تمنح أبناءها ملامحها، فيحملونها معهم حيثما حلوا وارتحلوا. والصويرة، مدينة الرياح والأسوار المطلة على الأطلسي، التي عاشت فيها الكنس إلى جوار المساجد منذ نشأتها، منحت ابنها هشام دينار كثيرا من طبعها؛ انفتاحا لا يفرط في الجذور، وخفة ظل لا تخدش الوقار، وموهبة نادرة في أن يجمع المختلفين حول مائدة واحدة، ثم يتركهم ينصرفون عنها وقد صاروا أقرب بعضهم إلى بعض مما كانوا حين جلسوا إليها.

أكتب عن هشام دينار بقلم الصديق وعين المتابع معا، ولا أخفي ذلك، فالصداقة حين تكون صادقة تتيح رؤية الحقيقة عن قرب. من جالس الرجل عرف فيه دماثة تسبق كلامه، وروحا مرحة يوظفها بذكاء في تليين المواقف وتبديد الحذر الذي يخيم عادة على اللقاءات الأولى بين أناس قدموا من أديان ولغات وحساسيات متباعدة. وأما دبلوماسيته فنابعة من طبع أصيل قبل أن تكون مهارة مكتسبة؛ ينصت قبل أن يتكلم، ويقدر محدثه أيا كان موقعه، ويحسن اختيار الكلمة الطيبة في وقتها. ومن هنا نفهم كيف التف حوله رجال دين وتصوف وشخصيات سياسية ودبلوماسية وازنة، يشاركونه مسعاه إلى وصل الموسيقى بالروحانيات وتقريب أهل الأديان بعضهم من بعض.

غير أن الخلق الرفيع يحتاج إلى فن أصيل كي يترك أثرا يبقى. وهشام دينار فنان قبل كل شيء، من أهل المديح والسماع، وعرف رئيسا لجمعية تعنى بهذا الفن، كما أنه مؤسس مهرجان «روح الثقافات» ومديره، ومقدم الزاوية القادرية بالصويرة. وقد قدمه ملف المشاركين الذي نشرته مؤسسة الثقافات الثلاث بوصفه فنانا ذا صوت استثنائي، يمد الجسور بين التقاليد الموسيقية ليبلغ رسالة وئام وأخوة، وله مشاركات في عدد من المهرجانات الدولية. ومن شواهد ذلك أنه كان من الأصوات التي أدت قطع حفل افتتاح الدورة السادسة عشرة لمهرجان الأندلسيات الأطلسية بالصويرة، وأنه كان طرفا في حوار غنائي لافت جمع مطربين من ثلاثة أجيال مختلفة.

قيمة ثقافية وإبداعية

وبحكم اشتغالي على المديح النبوي بحثا وتأليفا، أزعم أن لي أذنا تميز بين من يؤدي القصيدة ومن يسكنها، وهشام دينار من الصنف الثاني. صوته في خدمة النص، يمنح الكلمة حقها من التأني والصفاء، ويعرف متى يعلو ومتى يخفت، حتى يغدو الإنشاد عنده حالا من أحوال الذكر. وفي هذا يكمن سر قدرته على محاورة تقاليد موسيقية أخرى دون أن يذوب فيها أو يتعالى عليها. وحين يتحدث محاضرا في الندوات واللقاءات، يتكلم بلغة من عاش التجربة وخبرها، فيجمع حرارة أهل الذوق إلى وضوح المثقف العارف بالتراث الصوفي والموسيقى الأندلسية وتقاليد المتوسط الروحية.

أما قوته الثقافية فتتجلى في قدرته على تحويل الموهبة إلى مشروع. ففي سنة 2023 أطلق مهرجان «روح الثقافات»، فجمع فيه فنانين من ديانات وثقافات متعددة، وأنغاما تراثية تمتد من المديح والسماع إلى كناوة والشكوري وعيساوة والموروث الأمازيغي. وسرعان ما غدا المهرجان، كما يؤكد مؤسسه، موعدا سنويا ثابتا في الأجندة الثقافية لمدينة الرياح، وتقف وراء تنظيمه اليوم شراكة تضم جمعية للسماع والتراث في رحاب الزاوية القادرية بالصويرة، ومؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط، ومؤسسة ماتشادو بإشبيلية.

واللافت أن لكل دورة سؤالها الفكري. فقد انعقدت الدورة الثالثة سنة 2025 تحت شعار «روحانياتنا في تقاسم: بين الأخلاق والجمال»، وتداول فيها أكاديميون وباحثون ومثقفون وفنانون، مغاربة وأجانب، موضوع الجسر الصوفي بين التجارب الروحية، والتلاقح الخصب بين التقاليد المقدسة. ثم انطلقت دورة 2026 من قناعة بأن الديانات الإبراهيمية الثلاث يجمعها خلق إكرام الضيف وذائقة متقاربة في النظر إلى الجمال. وقد عبر هشام دينار عن هذا الأفق حين أوضح أن روح التظاهرة تتخطى الفرجة الفنية لتصير مجالا للتأمل والتحاور الرصين بين الثقافات والأديان.

فأين تكمن القيمة المضافة التي يقدمها هشام دينار في سياقه الثقافي؟ أراها أولا في إحياء الوظيفة الحضارية للزاوية. فقد كانت الزاوية في تاريخ المغرب، إلى جانب الذكر، دارا للضيافة، ومدرسة للأدب والإنشاد، وملاذا للفقير وعابر السبيل، وما يفعله هشام دينار أنه يعيد إلى هذه المؤسسة العريقة دورها بلغة العصر، فيفتح رحابها للحوار، ويجعل من السماع لغة يفهمها البعيد قبل القريب. ولذلك لم يكن غريبا أن تمتد إحدى أمسيات الدورة الرابعة، التي قادها بنفسه، إلى سهرة روحية داخل الزاوية القادرية. والجمال عنده موصول بخدمة الناس، إذ أطلقت الزاوية بمبادرة منه برامج للعمل الاجتماعي، منها الإعذار الجماعي لأطفال من أسر في وضعية هشاشة، بتعاون مع مؤسسات محلية.

ثم أراها في تحويل الاختيار المغربي في التعايش من خطاب إلى ممارسة ملموسة. فمؤسس المهرجان يربطه صراحة بالرؤية الملكية الداعية إلى تعزيز الحوار بين الأديان وترسيخ ثقافة العيش المشترك، وبالقيم التي حملتها وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب، وقد رأى فيه رافعة تعزز حضور الصويرة مركزا عالميا لما بات يعرف بالدبلوماسية الروحية.

وهي رؤية يسندها الواقع، فقد حضر افتتاح الدورة الثالثة سفير الفاتيكان بالمغرب وسفير أستراليا، وتصدر منصة الافتتاح الرسمي للدورة الرابعة، إلى جانب عامل إقليم الصويرة ورئيس مجلسها الجماعي، مستشار صاحب الجلالة أندري أزولاي بصفته رئيسا مشاركا لمؤسسة الثقافات الثلاث، وسفير المملكة الإسبانية بالمغرب إنريكي أوخيدا، والمدير الإقليمي لمنظمة اليونسكو بشمال إفريقيا شرف أحميميد، والمسؤولة عن الثقافة والرياضة في حكومة الأندلس باتريسيا ديل بوزو.

وأراها أخيرا في أنه ينظر إلى الغد وهو يحتفي بالماضي، إذ فتحت الدورة الرابعة النقاش حول مبادرات عملية، كإحداث مسارات روحية تتخطى الحدود، ونسج شبكات تعاون بين الزوايا والأخويات، وتهيئة فضاءات لتكوين الشباب على قيم التعايش، فضلا عن جرد المشاهد المقدسة وعقد تحالفات جديدة بين الحرفيين والموسيقيين والجماعات الروحية. وتبقى «المائدة المشتركة» التي عدت من أبرز لحظات تلك الدورة صورة بليغة لهذا الحلم؛ أن يجلس الناس معا، فيكتشف كل منهم في الآخر ما يغني هويته دون أن ينتقص منها.

فنان يجمع ليبني

لقد تابعت أنشطة هشام دينار الفكرية والفنية منذ مدة، دورة بعد دورة، ومن أمسية إلى ندوة، ثم حظيت بالمشاركة في الدورة الرابعة التي احتضنتها الصويرة من 14 إلى 17 فبراير 2026 تحت عنوان «الضيافة والتعايش والتلاقي: أخلاق متوسطية».

 وكانت مساهمتي في الندوة الثالثة التي دار محاورها حول «الصناعة التقليدية والتراث الشفهي والطقوس الشعبية: جماليات روحية مشتركة»، التي أدارتها لولا لوبيز إنامورادو، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إشبيلية، وشاركني منصتها كل من لمياء المزيجي، الأستاذة بجامعة محمد الخامس بالرباط، والصحفية الإشبيلية أراسيلي باردال. وهناك رأيت عن قرب ما كنت أتابعه من بعيد، رأيت الضيافة التي اختارها المهرجان موضوعا لدورته تتحول عند صاحبه إلى سلوك يسبق كل نقاش، وإلى حسن استقبال يشعر معه الضيف القادم من الضفة الأخرى أو من وراء المحيط أنه بين أهله.

هشام دينار
جعل السماع لغة يفهمها البعيد قبل القريب

وقد التقت في هذه الدورة نخبة من أهل الفكر والبحث من ضفتي المتوسط. فأشرف أنطونيو زويدو، رئيس مؤسسة ماتشادو، على لجنتها العلمية، وتولت السفيرة السابقة أمامة عواد، عضو مجلس إدارة مؤسسة الثقافات الثلاث، تنسيق موائدها المستديرة. وافتتحت أشغالها الفكرية بمحاضرة عن الضيافة المتوسطية بوصفها أخلاقا وجمالية روحية للقرن الحادي والعشرين، تحدث فيها الأنثروبولوجي مانويل بينيكو من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ومركز جاك بيرك بالرباط، ومحمد ويسادن، الأستاذ الباحث في الثقافة والتواصل بجامعة ابن زهر بأكادير، والحاخام الأكبر موشي لوين.

ثم تعاقب على منصات الندوات عبدالجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، وخوان خوسيه بريمو، مدير المعهد الأندلسي للتراث التاريخي، ونبيل بركة، رئيس مهرجان ماطا بالعرائش، والكاتبة الباحثة في التراث الروحي المغربي ياسمينة الصبيحي، والموسيقي راس دافيد المعروف بمد الجسور بين اليهودية والتصوف، والباحث في التصوف المسيحي إنريكي لارا، والأديب الشاعر قيس بن يحيى، صاحب «ليلة الخميس... نفس الجمعة» والمكلف بمهمة بالديوان الملكي، الذي أسهم في ندوة «وجوه تضيء الطريق: التصوف والفكر الروحي في المتوسط».

أما الفنانون فقد منحوا الدورة لياليها الروحية. ففي ليلة الافتتاح احتضنت دار الصويري لقاء «أناشيد وأدعية في صوت واحد»، أدى فيه مادحون من أهل الطريقة القادرية وغيرها أمداحا نبوية وأذكارا وجلالات، إلى جانب فرقة «أوروريروس دي أرياتي» الأندلسية بإنشادها الديني الشعبي، ومنشدين من التقليد اليهودي قدموا من بلدان مختلفة، قبل أن تلتقي الأصوات في دعاء مشترك من أجل السلام بين الشعوب.

وفي اليوم التالي قدم الفنانان مرسيدس إيرين وأليخاندرو ماتيوس عملا فنيا تفاعليا عن الضيافة جعل الجمهور شريكا فيه، ثم كانت الأمسية الروحية بالمركز الثقافي للصويرة، التي أدارها هشام دينار ونسق فقراتها، فعزف فيها جوق للموسيقى الأندلسية يضم عازفين شبابا من مراكش والدار البيضاء وتطوان وشفشاون والصويرة بقيادة أنس بلهاشمي، وتعانقت فيها أصوات سامية العنتري وسهيلة الصحراوي مع صوتي المغنيتين كلير فرانكو وتريسي شير القادمتين من الولايات المتحدة وكندا، ومع الجوق الكبير لمدينة الصويرة، قبل أن يحيي مادحون ومسمعون من مدن مغربية شتى الليلة الصوفية بالزاوية القادرية. وفي الليلة الموالية جمعت سهيلة الصحراوي بدار الصويري بين شعر الملحون وإيقاعات مجموعة الزاوية العيساوية بالصويرة.

أن تجتمع كل هذه الأسماء في مدينة واحدة وأيام معدودة أمر لا يتحقق بالتمني، فوراءه صبر طويل وحسن تدبير وشبكة علاقات نسجها هشام دينار بالمحبة قبل البروتوكول. ورأيي فيه، أقوله بعيدا عن مجاملة يمليها الود، أنه من القلة التي تجمع الموهبة إلى الرؤية، والأصالة إلى الانفتاح. فكثيرون يحسنون الإنشاد ولا يحسنون بناء مشروع، وكثيرون يتقنون خطاب التسامح ولا يملكون أدوات تجسيده، أما هو فجعل من صوته مدخلا، ومن الزاوية منطلقا، ومن مدينته منبرا يطل على العالم. وإبداعه في تقديري مزدوج؛ إبداع المنشد الذي يحسن الإصغاء إلى القصيدة، وإبداع المنظم الذي يحسن الإصغاء إلى الناس، وكلا الإصغاءين من صميم التربية الصوفية التي تجعل الأدب مع الخلق ثمرة من ثمار الأدب مع الحق. ولهذا أرى أن ما ينجزه جدير بأن يحظى بمزيد من الالتفات والدعم والاعتراف، لأنه يقدم عن المغرب صورة يصنعها الفن الصادق والخلق الكريم أكثر مما تصنعها البيانات.

كانت رياح الصويرة في زمن مضى تدفع السفن من مرساها نحو موانئ بعيدة، واليوم يبدو أن هذه الرياح وجدت ما تحمله غير الأشرعة: صوتا خرج من زاوية في مدينة على ضفة الأطلسي، ليقول لمن يصغي إن الإيمان حين يصفو يصير ضيافة، وإن الفن حين يصدق يفتح القلوب بعضها على بعض. ذلك هو هشام دينار كما عرفته وتابعته وشاركته بعض حلمه، فنان يغني ليجمع، ويجمع ليبني، ويبني بابتسامة لا تغيب.

4