مهرجان دقة الدولي يسدل الستار على دورته الخمسين بملحمة فنية

"الزيارة" لسامي اللجمي يختتم عروض مهرجان دقة.. عرض موسيقي يحتفي بالتراث الصوفي التونسي .
الأحد 2026/07/26
أناشيد صوفية يحبها التونسيون

دقة (تونس) - في ليلة استثنائية امتزج فيها عبق التاريخ بروح الإبداع، أسدل مهرجان دقة الدولي الستار على فعاليات دورته الخمسين بعرض "الزيارة" بقيادة الفنان سامي اللجمي، في سهرة تجاوزت مفهوم العرض الموسيقي التقليدي لتقدم تجربة فنية متكاملة، احتفت بالتراث التونسي في رؤية معاصرة، وجعلت من المسرح الأثري بدقة فضاءً نابضاً بالموسيقى والحركة والضوء.

ولم يكن هذا الختام مجرد إسدال للستار على دورة ناجحة، بل كان مسكاً وتتويجاً لخمسين سنة من الرهان على الفن الرفيع، والإبداع، واحترام خصوصية هذا المعلم التاريخي العريق.

لقد مثّل عرض الاختتام تجربة حسية متكاملة، نجح في بناء حوار متناغم بين الفضاء الأثري، والموسيقى، والحركة، والضوء، ليمنح الجمهور تجربة بصرية وسمعية بقيت حاضرة في كل تفاصيل السهرة.

بعيدا عن القوالب الجاهزة، جاءت السينوغرافيا أحد أبرز عناصر نجاح هذه الأمسية. فلم يُستعمل المسرح الأثري كفضاء للأداء فقط، بل تحول إلى عنصر حي داخل العرض، احتضن مختلف اللوحات الفنية واحتفى بجمال المكان. وقد اندمجت عناصر الديكور والإضاءة بانسجام مع الأعمدة والحجارة الرومانية، في احترام كامل لروح الموقع، لتتشكل لوحات بصرية منحت العرض بعداً جمالياً يليق بعراقة مهرجان دقة الدولي.

ومن أبرز نقاط قوة هذه السهرة، الدقة التي ميزت حركة المنشدين والعازفين، حيث كانت البداية قوية ومميزة بما يسمى بـ "الفزوع"، لتبدو كل لوحة بعدها امتداداً طبيعيا لما قبلها. وانتقلت فصول العرض بانسيابية لافتة، دون انقطاع أو فراغ، في نسق متصاعد حافظ على تفاعل الجمهور من البداية إلى النهاية.

وقد تجلت هذه الدقة في أبهى صورها خلال وصلة "هيا نزوروا"، "حيث تم تسليط الضوء على التشكيل السينوغرافي الجديد لوقوف المنشدين الذي يُعتمد لأول مرة في مسرح دقة، وهو ما يعد تغييراً استثنائياً على مستوى تنسيق العرض وحركية الركح، مما يؤكد مرة أخرى أن عرض "الزيارة" يتجدد دائماً حسب تفاصيل وروح المكان."

لم يعتمد العرض على قوة الأداء الصوتي فقط، بل قام على انسجام لافت بين الإيقاع، والحركة، والإضاءة. فقد تجاوزت الإضاءة دورها التقليدي، لتصبح لغة بصرية رافقت كل لوحة، وأبرزت تفاصيلها، وعكست حالاتها الفنية المختلفة.

وفي إطار هذا الزخم، أضفى الحضور الرائع للفنان منير الطرودي طابعا مميزا على السهرة، وتحديدا في وصلة "راكب الحمرا"، حيث تماهى الجمهور بشكل مذهل مع أدائه وتفاعل معه بحماس كبير، ليصنعوا معا حالة من التجلي الفني. وفي المقابل، انسجمت حركة المنشدين والعازفين مع الإيقاعات الموسيقية في مشاهد اتسمت بالدقة والجمالية، فتحول المسرح إلى فضاء تتحاور فيه الموسيقى مع الضوء والحركة، في صورة فنية متكاملة أسرت أنظار الحاضرين.

أما جمهور دقة، فكان أحد أبرز أبطال هذه الليلة، حيث دار العرض أمام شبابيك مغلقة، وامتلأت مدارج المسرح الأثري عن آخرها قبل انطلاق السهرة، في مشهد عكس المكانة التي أصبح يحتلها عرض "الزيارة" لدى عشاقه، كما أكد حجم الارتباط الذي يجمع جمهور دقة بالمواعيد الفنية الكبرى.

ولم يكتف الحاضرون بمتابعة العرض، بل عاشوا كل تفاصيله؛ بالتصفيق، والزغاريد، والتفاعل مع مختلف اللوحات. وقد بلغت الحماسة ذروتها حين اشتعلت المدارج على إيقاع "النغارة"، لتعم الرقصات وتحضر التخميرات، وينتشي الجمهور متماهيا مع هذا الموروث الموسيقي الخالد.

بهذا العرض، أسدل مهرجان دقة الدولي الستار على دورته الخمسين، دورة حافلة بالعروض التي جمعت كبار الفنانين من تونس والعالم العربي، وأكدت مرة أخرى المكانة التي يواصل هذا المهرجان العريق ترسيخها على الساحة الثقافية.