من يكتب الفصل السري للشرق الأوسط؟
هنالك ملفات لا تبدأ عندما تُشهر البنادق، بل عندما تبدأ الدولة في السؤال: من أصدر الأمر؟ في العراق، السؤال الأخطر المطروح في هذه اللحظات ليس أين يوجد السلاح، بل من يملك حق استخدامه عندما تُغلق أبواب القواعد الأجنبية؟
العراق يقف اليوم أمام لحظة تشبه نقطة التحول في الملفات السرية: انسحاب عسكري أميركي يقترب من نهايته في 30 أيلول/سبتمبر من جهة، وفي الجهة الأخرى سلاح فصائل قوية لا تبدو مستعدة للتخلي عنه بالشكل الذي تطالب به الحكومة. وبين الموعدين تقف الدولة أمام اختبار لا يتعلق بالسلاح وحده وإنما بمن يمتلك القرار عندما تختفي المظلة التي اعتادت المنطقة أن تحسب حسابها، لتصبح بذلك عبارة “حصر السلاح بيد الدولة” أكثر خطورة مما تبدو عليه.
فالسلاح في العراق لم يعد مجرد أداة عسكرية، إنه ذاكرة قوة وشبكة مصالح ورسالة سياسية، بل ومفتاح لخرائط نفوذ لا تظهر كلها في البيانات الرسمية. وعلى الرغم من أن الدولة تستطيع أن تضع قانوناً للسلاح، إلا أنها تحتاج إلى شيء أعمق كي تجعله نافذاً، وهو أن تكون هي صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم، وهذا هو جوهر الأزمة.
فعندما توجد دولة تملك الشرعية وقوى تمتلك القدرة، عندها لا تختفي الدولة لكنها تبدأ بمشاركة سيادتها دون أن تعترف بذلك. والأخطر أن السلاح لا يحتاج إلى إطلاق النار كي يفرض حضوره، يكفي أن يعرف الجميع أنه موجود وأن صاحبه قادر على استخدامه حتى يتحول الصمت نفسه إلى وسيلة ضغط. ولهذا فإن معركة السلاح العراقي ليست بالضرورة معركة نزع بنادق من أيدي رجال، بل معركة انتزاع القرار من ظله.
السلاح العراقي لم يعد مجرد قوة عسكرية بل شبكة مصالح ورسائل سياسية ومعركة نزع القرار من ظله قد تترك المواطن عالقاً بين السياسة والأمان
والشعب العراقي هنا هو الطرف الذي سيدفع ثمن أي خطأ في هذه المعادلة، حيث إذا تحولت عملية نزع السلاح إلى صدام داخلي قد يولد فراغاً أمنياً أخطر من المشكلة التي يُفترض أن تُعالج بها، وإذا تحولت إلى تسوية سياسية تحفظ السلاح خارج السيطرة الفعلية للدولة فقد يبقى الاستقرار مجرد هدنة بين مراكز قوة تنتظر لحظة أخرى.
وفي الحالتين سيصبح المواطن عالقاً بين مصلحة السياسة وحقه في الأمان، لتظهر من هنا المفارقة الأكثر قسوة: أن يتحدث كل طرف عن حماية العراق، وفي الوقت نفسه يأتي السؤال الأعمق: من يحمي العراقيين من تحول العراق نفسه إلى ساحة لتصفية الحسابات؟
المشهد لا يتوقف عند حدود بغداد، فالعراق يقع في قلب شبكة إقليمية تصل إيران بالخليج وسوريا وتركيا، وتتقاطع فيها طرق الطاقة والحدود والممرات الاستراتيجية. وقد اكتسب الأمر بعداً أكثر حساسية بعدما قالت الرياض لبغداد إن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت السعودية انطلقت من الأراضي العراقية، فيما اتخذت بغداد إجراءات بحق مسؤولين أمنيين عقب التحقيقات في ذلك. ليتحول السلاح في هذا المشهد العراقي من قضية داخلية إلى متغير إقليمي، حيث إن أي ضربة تنطلق من العراق يمكن أن تفتح باباً لا تستطيع بغداد وحدها إغلاقه.
نعم، قد لا يكون السيناريو الأخطر حرباً شاملة، لكن في الوقت ذاته قد يكون شيئاً آخر أكثر غموضاً: تصعيد محدود، ضربة محسوبة، رد غير معلن، رسالة عبر مسيّرة، أو عملية تُنسب إلى جهة بينما تحمل توقيع جهة أخرى.
في عالم الاستخبارات، أحياناً لا تكون المشكلة في معرفة من أطلق النار، بل في معرفة من أراد أن يعتقد الآخرون أنه أطلقها. ومن هنا تحديداً يمكن لقواعد اللعبة أن تتغير. فإذا خرجت القوات الأميركية اليوم من الأراضي العراقية وبقيت قدرات الفصائل وشبكاتها ونفوذها، فقد تدخل بغداد مرحلة جديدة لا تختفي فيها القوة الأجنبية بقدر ما تتغير طريقة توزيع القوة المحلية والإقليمية. حيث تشير التقارير إلى أن الحكومة تسعى إلى وضع الفصائل تحت قيادة الدولة، بينما ترفض جماعات قوية تسليم أسلحتها وتطرح بدلاً من ذلك شروطاً تتعلق بالوجود والنفوذ الأميركيين.
انسحاب الأميركيين يفتح فراغاً خطيراً: إذا ملأته الدولة تبدأ مرحلة سيادة جديدة وإذا ملأته الفصائل يتحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح
وهنا تكمن العقدة الكبرى: من يملأ الفراغ بعد خروج الأميركيين؟ فإذا ملأته مؤسسات الدولة فقد تبدأ مرحلة مختلفة من السيادة، أما إذا ملأته شبكات النفوذ فقد يصبح الانسحاب مجرد تغيير في شكل الحضور الخارجي لا نهاية للصراع على العراق. واللحظة التي قد تقلب الطاولة ليست بالضرورة لحظة تسليم السلاح، بل قد تكون لحظة فشل التسوية.
عندها يمكن أن يتحول السلاح من ورقة ردع إلى ورقة تفاوض، ومن ورقة تفاوض إلى ورقة نفوذ، ومن ورقة نفوذ إلى أداة لإعادة رسم الحدود غير المرئية للسيادة. ليأتي السؤال بذلك من عمق الحدث: من سينزع من السياسة العراقية حاجتها إلى السلاح؟
إن العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى دولة تحتكر القوة، بل إلى دولة لا تضطر إلى مقايضة الاستقرار بالقوة. لأن أخطر دولة ليست تلك التي تملك أسلحة كثيرة، بل تلك التي لا يعرف أحد فيها من يضع أصبعه على الزناد عندما تتعارض المصالح.
قد تكون المفاجأة الأخيرة أن معركة العراق القادمة ليست حول السلاح الذي سيُسلَّم، بل حول السلاح الذي لن يُسلَّم. ذلك السلاح الذي قد يصبح مفتاحاً لخريطة جديدة من التحالفات والردود والرسائل. فإذا تحرك الزناد من خارج مركز القرار فلن تكون بغداد وحدها تحت الاختبار، بل سيكون الشرق الأوسط بأكمله أمام اختبار جديد. من يملك العراق؟ ومن يملك القرار الذي يتحرك من خلاله؟ لأن العراق في النهاية ليس رقعة على هامش الخريطة، بل هو نقطة الارتكاز. ومن يغير توازن القوة فوقها لا يغير مستقبل العراق فقط، بل يقلب الطاولة الإقليمية بأكملها دون أن يسمع العالم صوت الطلقة الأولى.